على هامش إحراق العلم المغربي
الوطن 24/ بقلم: المصطفى المعتصم

في إحدى المظاهرتين تجرأت إمرأة يبدو أنها من أصول مغربية وأكيد أنها مزدوجة الجنسية على حرق العلم المغربي والدوس عليه في تحد صارخ للشعور الوطني المغربي . هذا التصرف الأرعن لا يسعني بدوري إلا أن أدينه بأعلى صوتي وأدين كل من شجع عليه أو ساهم فيه .
شهد أحد شوارع باريس في نهاية الأسبوع المنصرم مظاهرتين على خلفية مساندة المعتقلين في الحراك الذي عرفته الحسيمة وبعض المناطق المجاورة لها وما ترتب عن ذلك من إعتقالات ومحاكمات وأحكام في حق المحتجين أثارت ردود أفعال سلبية في عمومها لدى مجمل الرأي العام الوطني .
وأقول أن الانفصاليين من أصول ريفية ليسوا وليدي اليوم بل ظهروا على الأقل منذ 1958 تاريخ الأحداث الدامية التي عرفتها تلك المنطقة . ونشاط هؤلاء -السري والعلني – خصوصا في دول المهجر معروف ومكشوف لدى سفارات المغرب وقنصلياته ولدى الأجهزة الأمنية من مخابرات وغيرها بل أجزم أن هذه الأجهزة تخترقهم أفقيا وعموديا . لكن الجديد هو هذا الشكل غير الحضاري والعمل غير الصالح الذي قامت به تلك المرأة .
هذا التصرف الأرعن لا يجب أن يفقدنا توازننا. ففي كل دول العالم هناك أناس، أفرادا وجماعات، لهم تطلعات انفصالية. ومنسوب الرغبة في الانفصال يزداد وينقص نتيجة ظروف تارخية، ومشاكل اجتماعية، وأزمات إقتصادية، وغبن ثقافي، إلخ .. بل إن بروزهويات فرعية (الريفية، الجبلية، الغرباوية، الحوزية، الشاوية، السوسية، الزمورية ، الخ ) كبديل وأقول كبديل عن الهوية الجماعية هي عنوان اخفاق دولة ما أومجتمع ما لتكون هويته الجماعية حاصل كل الهويات الفرعية بما يضمن لحمة المجتمع و التعايش فيه بتنوعه واختلاف مكوناته اللغوية والثقافية والمجالية. فهل ما حدث ويحدث في بلادنا على الأقل منذ تنصيب حكومة بنكيران الأولى إلى اليوم من عبث في الحياة السياسية ومن صراعات بين النخب الحزبية وتلاسنات وضيعة وإخفاق في تدبير الشأن العام وتراجع في منسوب الحريات وإحترام حقوق الإنسان وتعثرات في البرنامج التنموي يدعم الإحساس بالإنتماء للوطن ويدعم أواصرالهوية الجماعية أم يضعفهما؟ هذا سؤال مركزي لا بد أن نجيب عنه بكل جرأة وشجاعة .
وحينما أشير إلى ضرورة تجنب فقدان التوازن فلكي نتجب أن نصبح لاعبين أساسيين في إستراتيجية دعاة الانفصال . هم اليوم حفنة والجمع بينهم وبين المعتقلين على خلفية انتفاضة الحسيمة وإمزورن و عائلاتهم لتبرير أحكام محاكمة افتقدت لشروط المحاكمة العادلة إنما هو دعم وانتصار للأطروحة الانفصالية و للإنفصاليين. قلت هذا الأمرعند المحاكمات وأكرره اليوم: لقد كان من الخطأ الكبير الإبقاء على تهمة الإنفصال ضمن صك الإتهام بعدما أجاب المعتقلون وفِي طليعتهم ناصر الزفزافي أنهم يؤمنون بوحدة المغرب ويرفضون فكرة الإنفصال. ليس معنى هذا أني غبي أو بليد أو لا أستحضر امكانية إظهار المرء عكس ما يؤمن به، لكن في تقديري المتواضع فقد كان مهما إظهار وحدوية المتهمين وارتباطهم بوطنهم كي يسحب البساط من تحت أقدام الإنفصاليين اللذين وظفوا قضية المعتقلين ليقولوا لأبناء الريف أنتم مدانون بتهمة الإنفصال مهما عملتم ومهما ادعيتم ومهما تشبتم بوحدة مغرب فالحاكمين فيه يتربصون الفرص عن سبق إصرار وترصد لادانتكم وسجنكم وإسكات أصواتكم ، وليقولوا آيضا لمن يدعم انفصالهم بالمال والبروباغاندا أنهم ليسوا ظاهرة صوتية فقط بل موجودين على الساحة ولهم معتقلين . وكما يقولون من لا إستراتيجية له يصبح بسهولة أداة في استراتيجية الآخرين. فالقاضي والنيابة العامة حينما أصروا على متابعة المتهمين بتهمة الإنفصال إنما خدموا أجندة الانفصاليين والدوائر التي يدورن في محيطها. وربط المعتقلين وعائلاتهم بالإنفصاليين اليوم هو إستمرار في تقديم الخدمات لأصحاب هذه الأجندات الكارثية المشبوهة .
من جهة ثانية أقدرأن من يطالب اليوم معتقلين يحسون بالغبن والحگرة ويؤمنون بأنه مظلومين، بموقف من عملية حرق علم مغربي حدث في باريس فهو إما بليد أو متآمروكلاهم خطر على مستقبل المغرب ووحدته . فالمتهمون لم يطالبوا حسب علمي بهذا الأمرولا طالبت عائلاتهم به كما أنهم جميعا -معتقلين وعائلات – لم يستحسنوا هذا الأمر ولا دعموه بل حسب ما قرأت ألمس من تصريح أب ناصر الزفزافي أنه يتهم من يريد الاصطياد في الماء العكر لمنع حلحلة قضية المعتقلين سواء كانوا انفصاليين أم جهات مغربية بالوقوف وراء هذا العمل الشنيع المدان .
يجب أن نستحظر قضية الصحراء وكيف كلفتنا أخطاء بدائية سنوات من الصراع والخسائر المادية والمعنوية ، يجب أن نستحظر قضايا مماثلة في ربوع العالم وفِي الوطن العربي في السودان والعراق وسوريا : كانت فكرة الانفصال فكرة شادة لدى رجل شاد تواق إلى سلطة ما ، تحولت بفعل أخطاء في التقدير والتصرف قام بها الحاكمون إلى قناعة لدى جماعة من محيطه، فقضية في جهة أو إقليم تبدل من أجلها الأموال والأرواح .
وأقول للمسؤولين ببلادنا ، المقاربة الأمنية لمثل هذه الظواهر مهمة وضرورية وليس في الدنيا دولة بدون مقاربة واستراتيجية أمنية، لكن الخطير أن تكون هذه المقاربة وحدها الفاعلة، وحدها الناجعة، والمقاربات الأخرى غائبة أو عاجزة أو فاشلة .
الفشل تلو الفشل في تدبيرملف الحسيمة منذ اللحظة الأولى التي استشهد فيها محسن فكري رحمه الله هو ما عقد المشكل، زاده فشل السياسيين والأحزاب السياسية والمجتمع المدني الفاقدين للكثير من المصداقية لدى المحتجين استفحالا، وزاده توظيف تلك الأحداث في الصراعات السياسية وفِي عرقلة تشكيل الحكومة كارثية، وكان لا بد من استعمال وزراء وحاكمين هم في الأصل توابل في الطبخة السيئة التي أوصلت الأحداث في الحسيمة لتصل الأوضاع إلى ما وصلت إليه .
اللي تلف يشد الأرض، نحن كلنا مطالبون بأن نفكر مشاكل المغرب بهدوء وروية والابتعاد عن الانفعال واتخاذ القرارات السريعة وغير مدروسة العواقب، لنفكر مستقبل بلادنا وكيفية دعم تماسك نسيجها الاجتماعي وكيفية إعادة الاعتبار إلى السياسة والسياسيين والمجتمع المدني. آن الأوان أن نفكر في كيفية دعم هويتنا الجامعة، آن الأوان لأن نعود إلى سيرورة الإنتقال الحقيقي إلى الديمقراطية على قاعدة مصالحة وطنية حقيقية وشاملة.
أختم كلمتي بطلب من ناصر الزفزافي ورفاقه أن يعيدوا النظرفي ما صرحوا به من تنازلهم عن جنسيتهم فالإنتماء إلى الوطن حق من حقوق الإنسان وسحب الجنسية قهرا هوإنتهاك لهذا الحق كما أن التنازل عنها تطوعا تفريط في هذا الحق لايبرره ما يتعرض له المرأ من ظلم وإحتقار !. تراجعهم عن ما نسب إليهم في هذا الصدد أهم عندي من اتخاذهم موقفا من حرق العلم المغربي !.
اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد
