(فسحة الصيف) مباراة تاريخية: حين لعب فريق سوكيل ضد فريق الرومان – الحلقة (1)

الوطن 24/ بقلم: الدكتور أحمد التهامي جوهري
” قصة مهداة إلى قدماء نجوم فريق سوكيل لكرة القدم الذين أطربوا أعيننا بمواهبهم الفطرية الساحرة في الثلث الأخير من القرن الماضي، وإلى جماهيرهم الوفية، وكل أبناء سوكيل الواقعين تحت الحجر الصحي الثاني القاسي.”
أنتم لا تصدقون.. نعم، لقد لعب فريق مدينتي الصغيرة سوكيل ضد فريق الرومان العجيب، أبناء قيصر الذي تسمى باسمه كل القيصريات التجارية الموجودة في المدن، وحفدة البطل رومليوس الذي أرضعته الذئبة لوبي طفلا في جبال الأبنيني وبنى مدينة روما العجيبة كما في الحكايات الخرافية الرومانية القديمة. ومن المؤسف أنني لا أستطيع تذكر تاريخ يوم المباراة على وجه التدقيق، لكنني أذكر أنها جرت في زمن كانت النفوس فيه لديها من سعة الوقت ورحابة الإحساس ما يكفيها لتنتبه إلى تحول غيمة داكنة مسافرة في السماء إلى كتلة قطنية ناصعة البياض تحت أشعة الشمس الساطعة، ولتتأمل في بهجة ألوان لوحة قوس قزح البنفسجية، وتستمتع بعطر الليالي الدافئة تحت الأضواء القمرية.
كما أنني أذكر أنها جرت قُبَيْل استشهاد زهرة سوكيل اليانعة، الشاب الأسمر المتين البنيان الذي لم يُطلَقْ اسمه حتى اليوم لا على الملعب البلدي، ولا على الشارع الذهبي الذي كان يبيع فيه الفحم مع أبيه قبالة حانوت إكسير الحياة الليلية، الشاب النشيط والمرح الذي كم أضْحَكَنا، نحن أطفال حارته، بحركاته التمثيلية المحاكية لشخصية طرزان البدائية والقردة تشيطا، قبل أن يغتاله رصاص الجيش الصهيوني في أرض الجولان السورية خلال حرب أكتوبر المجيدة.
نعم.. شاهدت تلك المباراة التاريخية بأم عيني في الملعب البلدي. كنت في طفولتي المبكرة، وهي المرحلة التي يكون الذهن فيها قد ذاق أول قضمة من تفاحة المعرفة، وبدأ يغرس قدميه النقيتين في وحل طين التاريخ بحروفه الجديدة الطرية، وأرقامه المتشابكة والمعقدة تحت تلويح عصا المعلمين. وحينها كان رجل طيب في الخمسين من عمره يدعى “الحليب”.. نعم “الحليب” لا تستغربوا من الاسم.. هو من يقوم بالدعاية لمباريات سوكيل قبل موعدها. ولست أدري لماذا كانوا ينادونه باسم الحليب، ربما لأنه كان وجهَ سَعْدٍ على فريق سوكيل، أو لأن شَعره أبيض كلون قطع الحليب المثلجة. ومهما يكن، فقد كان اسم “الحليب” وسيلة شهية لجلب اهتمام الأطفال مثلي لندائه ولمباريات سوكيل.
كان المسكين يجوب شوارع المدينة طيلة اليوم بجرس في عنقه، ويحمل فوق متن ظهره وكتفيه لوحة سوداء عريضة وثقيلة، عبارة عن نصف سبورة سقطت من جدار أحد أقسام المدارس دون شك، مكتوب عليها بخط طبشور أبيض سميك: “مباراة فريق سوكيل ضد فريق الرومان”.. قد تظنون أن قيام “الحليب” الرجل الطيب المسكين بهذه المهمة كان بسبب قلة عربات البهائم. وأؤكد لكم أن هذا التفسير خاطئ.. فعربات الحمير والبغال هي أهم ما يثير بصرَك في مدينة سوكيل.. حمير وبغال من مختلف الأصناف والألوان، البيضاء والشهباء، والرمادية والسوداء، والكميت والصهباء، والنحيفة والسمينة والعرجاء، حتى إن طرقات الشوارع والأزقة كلَّها موشاةٌ بما تطرحه بطونها من بقايا ثمار زكية الروائح. وإن لم تصدقوني فعليكم أن تتأكدوا من ذلك بأنوفكم.
لقد كان سبب قيام “الحليب” بتلك المهمة الشاقة يكمن ببساطة في أن ثمن الإنسان كان، ولا يزال، أبخس من ثمن عربة البغال. بل إن ظني يميل إلى أن “الحليب” الطيب الشغوف بنجوم فريق سوكيل كان يقوم بذلك الواجب تطوعا دون مقابل، إذ كنَّا نراه خلال المباريات بجانب خط شرط الملعب ينِطُّ في السماء، ويتكوَّر في رمل الملعب حين كان فريق سوكيل يسجل هدفا… (يتبع)
