ورقات من سيرة امرأة سلالية ( الرغيف الأسود)

                       من أجل سيدات حقول الفريزة

ماجدة الفلاحي

الوطن24/ بقلم: ماجدة الفلاحي

يا لسعد شعيبية وحسن حظها، وقلَّما شاءت لها الأيام سعدا وحظًا كهذا ! ويا للفرح الذي ملأ كيانها ووجدانها، وكاد أن يطير بقلبها بهجة وسرورا! هي التي اعتقدت جازمة أن الأفراح قد ضلت الطريق إلى قلبها، وإلى عنوان بيتها، وأن الحزن وحده يقف فوق رأسها، حارسا أمينا للأحلام، يكسرها كلما قامت، وينتف ريشها كلما صار لها جناح.

شعيبية، وهي في عز ألمها وانكسارها، وفي أوج معاناتها، ذهابا وإيابا بين المصالح الإدارية لانتزاع حقها، وبين اشتغالها في الضيعات والمزارع، من أجل كسرة خبز حافية، جاءتها البشارة على غير توقع أو انتظار.
نعم قُبلت، أخيرا استجاب القدر الرحيم لدعواتها، وقُبلت من بين مرشحات أخريات، للذهاب إلى إسبانيا، كعاملات في حقول الفريزة، الحقول التي يلمع فيها التوت أحمر كالذهب، الحقول التي تملأ جيوب الرأسمال ولا تتوقف، وتشرب عرق العمال ولا ترتوي.
ستذهب شعيبية مع أولى الدفعات من النساء الفلاحات هذه السنة، إلى هناك، لجني الفاكهة الحمراء. عمل موسمي، نعم،  ولكن ربحه خير ألف مرة من عمل سنوات في بلدتها، التي تبيح خيراتها للغرباء وتتنكر للمستضعفين والمستضعفات من أهلها.

اختارت شعيبية أن تحذو حذو الكثيرات من النساء، اللواتي سبقنها إلى هناك، وعدن  وقد تغيرت أحوالهن، كسبن المال، وحققن بعض الأحلام، بنين بيوتا من الآجر وفرشنها، واشترين عجولا وعنزات لوقت الشدة. 
    ضحكت الشعيبية في سرها، وهي تحلم بكل ذلك، وترى نفسها وأطفالها سعداء يرقصون من الفرح، لكل واحد كسوته ومحفظته، ولعبه أيضا، فأولاد الفقراء قلما يشترون اللعب، زوجها أيضا تراه في غاية السعادة، وهو يقول لها مفتخرا: “أنت سيدة القبيلة، وسيدة الرجال، فحلة بنت فحلة”.

العمل الموسمي في إسبانيًا، في بدايته، كان فرصة ذهبية هائلة ومهمة، لنساء كثيرات، انتشلهن من الفقر والتهميش والصمت، وأعطاهن مالا وصوتا، وبعض الكرامة، في وسط لا يقدر البسطاء والمستضعفين، وخاصة إن كن نساء.

هم شعيبية، هو عينه هم الكثير من نساء البوادي، الفلاحات بدون أرض، والعاملات في مزارع المستثمرين المحليين والأجانب. تحسين ظروف عيشهن، وعيش أسرهن، وتوفير السكن اللائق لحياة زوجية كريمة، السكن ليس مجرد أربعة جدران وكفى، بل هو بناء بطلاء وسقف، لا تهزه الريح ولا يخترقه المطر، هو أبواب ونوافذ من حديد وزجاج، هو شمس وأزاهير، وكهرباء وصنابير ماء. وأين هن جميعا من هذا؟
لطالما حدثها المرحوم والدها عن الخارج، وعن الهجرة، كان يقول: السبليون يا بنتي كانوا أفقر منا، ومنهم من كان يطوف على المداشر لبيع الأثواب، ومنهم من كان يشتغل في البناء كأي عامل بأجر يومي، ويبيت في العراء، وكنا نسميهم مازحين ” السبليون بو رقعة”
هذا هو البلد الذي تعلق به شعيبية اليوم حلمها. وكان الأولى أن تكون حياتها أفضل.
كل الشروط تتوفر في شعيبية، فهي امرأة، والمشغلون لا يقبلون سوى النساء، يقولون بأنهن يعملن أفضل، ولا يطمعن في البقاء هناك، ويشترطون أن يكون السن بين 25 و45 وهي كذلك، وأن يكن قويات ولهن أولاد، وهي قوية ولها أولاد، ولها خبرة كما هو مطلوب في المزارعات.
تذكرت مرة أخرى أحاديث والدها، وترحمت عليه، كان يقول أن المستعمر كان يشترط هو أيضا شروطا لاختيار من سيجندهم في جيشه، من الشباب البدوي، أو للسماح لهم بالعمل في معامله ومصانعه، كان يفحصهم كما يفحص الجزار البهيمة، ويراقب صحة الأسنان وقوة السواعد، كما يراقب النخاس سلعته من العبيد.  رغم كل شيء، كانت فرحة  شعيبية بلا ضفاف، حتى أن شفتاها ظلتا مفتوحتين عن ابتسامة لم تقدر على وقفها. ابتسامة الذهول والدهشة.

حياة الفقر والذل لم تسمح لها ولا لمثيلاتها بالتردد، لم يكن لهن خيار. الحلم أقوى من أن يتراجعن، وأجمل من أن يتخلين عن تحقيقه.

جاءت ليلة الرحيل، وتزاحمت الأوجاع في صدرها ورأسها، مر شريط حياتها سريعا أمام عينيها، العتمة والسواد والألم والغبن، لم تغمض لها عين، وبجانبها شريك الحياة والشقاء، يشد من عزيمتها ويشجعها، ويواسيها ويسلي عنها، ويحثها هو أيضا على الذهاب، فهي خشبة الخلاص الوحيدة لأسرته التعيسة. ثم إن ثقته فيها بلا حدود، هي رجل ونصف، يقول دائما، إذ حتى عندما نريد أن نعطي بعض القيمة للمرأة، نصفها بأنها رجل. أما شعيبية، فهي تصر على شيء واحد، أنها امرأة، وكلمة امرأة في فمها، تعني كل شيء.
فكرت في أطفالها كثيرا، وفي زوجها وفي أخواتها، تقلبت في فراشها، ضمت إليها صغيرتها وتشممت شعرها وثيابها، وكادت تبكي، لكنها حبست دموعها، حتى لا يسمع لها شهيق. تريد أن تغادر وهي في كامل قوتها، تريد أن تذهب إلى حلمها بلا ضعف، لأن الأحلام لا تستجيب للضعفاء.

مع بزوغ الخيوط الأولى لشمس اليوم الموعود، نهضت شعيبية، طوت فراشها كعادتها، وفعلت ما كانت تفعله كل يوم، اعتنت بتفاصيل بيتها الصغيرة والكبيرة، طبخت وكنست وغسلت ملابس صغارها، ارتدت الجلباب، وضعت منديلا على رأسها، انتعلت لأول مرة حذاء جديدا، لتسير به على طريق حلمها الجديد. تصفحت وجوه أطفالها، وهم يغطون في نومهم، شمت رائحتهم، ودعتهم، تأبطت حقيبتها ثم خرجت وزوجها يسير وراءها تارة في صمت، وتارة ناصحا، أو محذرا، أو مشجعا، ودمعه يسبق كلامه، خرجا معا، وجرا الباب وراءهما دون أن يسمع له أي صرير، لم يكونا يريدان أن يوقظا الأطفال، والجيران كذلك.

بين عشية وضحاها، أصبحت النساء هن المخلصات، والمنقذات، لبعض ذكور القبيلة من القهر والعوز، قد يغير المال الكثير من العادات والأعراف، لكنه يخلق عقدا جديدة، لقد أصبح ذكور القبيلة يقبلون بأن تهاجر المرأة،  لكي تأتي بالمال، ولكنهم لا يقبلون بالمرة أن تقاسمهم الحق في الأرض، وفي إرث السلالة. المال إذن لا يغير كل شيء، إن لم تتغير عقليات ذكور القبيلة.

والسفينة تمخر عباب البحر إلى الضفة الأخرى، أبت الدهشة أن تفارق وجه شعيبية، لم تصدق ما تراه عيناها، عيناها اللتان لم تريا إلا حدود قبيلتها، وناس قبيلتها، وأشياءهم البسيطة، ها هما الآن تريان مشاهد لم تخطر لها أبدا على البال، أزياء مختلفة ولغات مختلفة، وعالم لم تكن تحلم أن تراه حتى في النوم. بنايات شاهقة وأضواء وشوارع وحركة.
ثم انطفأ كل شيء، وقادها حظها إلى حيث يجب أن تكون هي ومثيلاتها، قادها حظها، وقادهن حظهن، إلى المزارع من جديد.

وما ان يصلن إلى المزارع، حتى تؤخذ منهن جوازات  السفر، وينخرطن وبسرعة في عمل شاق، ومنهك، لتدور عجلة الاستثمار بقوة سواعدهن، وطاقة عرقهن، وبؤسهن، وتنتج المال للرأسمال، وتنتج الهوان للعاملات، اللواتي هن  الحلقة الأضعف في نظام الاستغلال.  كانت شعيبية تقتسم سكنها مع مجموعة من رفيقاتها القادمات من مختلف مناطق المغرب، قرب الضيعة التي يشتغلن بها، لأول مرة تنام شعيبية على سرير، وهي التي تعودت أن تفترش  الحصير مع أطفالها، وتلتحف سقف بيت يهتز لكل هبة ريح.

 فعلى الأٌقل، وفر لهن صاحب المزرعة سكنا شبه لائق، وأسرة وأفرشة، وخزانة  لم. لم يكن ليحلمن بهذا، ولا بشيء قريب منه، وهن يُحملن كالبهائم في عربات، ويُسقن إلى حقول وضيعات المستثمرين في وطنهن. ولا يحظين إلا بما قد لا يكفي لمصروف الأسبوع الواحد من الشهر.

مع الخيوط الأولى للنهار، ينهضن من جديد، هن الفلاحات البدويات، بنات الأرض، ليعملن في أرض غريبة. يحكين قصصهن المتشابهة، يتكلمن لهجاتهن المختلفة، يرقصن ويغنين، وهن يحضِّرن فطور الصباح، يشعرن بأخوة غريبة تجمعهن، رغم كل الاختلافات، فكلهن نساء. نساء كادحات، نساء يبحثن عن مكانة لهن تحت الشمس، نساء بأطفال أو بغير أطفال، مطلقات أو متزوجات أو أرامل. تجمعهن القضية نفسها. قضية المرأة. يشعرن بذلك دون أن يعبرن عنه. يتحدثن عن الرجل، يتحدثن عن الزوج والأخ، وصاحب العمل، يتحدثن عن الاستغلال والتحرش، لكنهن يتشبتن بإثبات الذات، وبتحقيق الحلم.  إذ مهما كانت وضعية الرجال المهاجرين سيئة، فوضعية النساء أسوأ.
يتذكرن أطفالهن فيبكين قليلا، ثم ينصرفن للعمل. 
ترتدي شعيبية الزي الموحد الخاص بالمزرعة، تلف منديلا طويلا على رأسها، ومنديلا آخر تلثم به وجهها، كما كانت تفعل في مزارع بلدتها، تنتعل حذاء بلاستيكيا طويلًا، تضع قبعة على رأسها وتغادر مع رفيقاتها نحو  “حقول الفريزة “
يختلف المكان فقط، وتتكرر الحكاية، ربما بخسارة أقل، وربح زيادة. ما يكفي لبناء بيت، ما يكفي لاستعمال صنابير الماء، وما يكفي للنوم على أسرة.  من أجل هذا الحلم البسيط جدا، عليها وعليهن، أن ينحنين، ويتحركن كآلات آدمية من الصباح حتى المساء. لا يحظين إلا بنصف ساعة للاستراحة وقضاء الحاجة. وكل واحدة منهن تشتغل بهمة أكبر، كلما فكرت أن مصيرها سيكون الطرد والترحيل إلى الوطن، إن هي انتصبت واقفة، أو رفعت رأسها لتطالب بحق، أو بمعاملة أفضل على الأقل من معاملة البهيمة. إنهن بهائم الحقول. فحسب.
المهم أن يرسلن النقود إلى أسرهن، إلى الأم أو الأخ أو الزوج، من أجل بيت، من أجل بيت فقط.

” ماشي ساهل علينا نخليو كبدتنا، ونتغربو في بلادات الناس ولا يني قلة الشيء، والقهرة  دارتها، تما كاينة تمارة ولفلوس، هنا كاينة غير تمارة ولفلوس الله يجيب. فلوس الفريز درنا بهم محالات لولادنا، وتعاونا بهم على الزمان، باش تخدمي في لفريز خاصك تكوني مرا ونص، فحلة وتايكة، أمحزما بجوج حزامات “
تقول شعيبية باسمهن جميعا.
الفلاحات البدويات، عاملات المزارع والضيعات، تركن أزواجهن وأطفالهن، تركن رائحة التراب المبلل بالمطر، ورائحة الشجر الصامد في وجه الريح، تركن أرضهن التي يصر الإخوة على منعهن منها باسم عرف ظالم، وذهبن إلى بلد ليس بلدهن، ليشتغلن في أرض ليست لهن.
الفلاحات البدويات، سيدات التوت، العاملات في حقول الذهب الأحمر، العاملات في جني الفريزة.  يحلمن بتحرير رغيفهن من كل أشكال الاستعباد، يحلمن بأن يصبحن سيدات السلالة. لأنهن أمهات كل ذكورها وكل إناثها.