الأربعاء , 25 نوفمبر 2020
الرئيسية / القانون / استراحة قانونية رقم 13 السياسة الجنائية بالمغرب

استراحة قانونية رقم 13 السياسة الجنائية بالمغرب

الوطن24/ إعداد: عبد العالي المصباحي محامي عام بمحكمة النقض باحث في الشأن القانوني تخصص نيابة عامة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يجد المرء نفسه في بعض الأحيان, يستعمل بعض المصطلحات في كلامه اليومي وفي لغته التواصلية، دون أن يتساءل عن مفهومها وعن مصدرها، ودون أن يتساءل إن كانت هذه الكلمة هي المصطلح المراد استعماله لإيصال الفكرة ذاتها، وأن هذه الكلمة حتى وإن قام بترجمتها إلى لغة أخرى، فهل سيكون لها نفس المفهوم وستوصل له بالتالي، ما يخالجه من أفكار في باله إلى الشخص المخاطب، محققة بذلك الغاية المثلى من الحوار الدائر بينه وبين الأشخاص الذين يتجاذب معهم الحديث، وتحصل المسألة نفسها في مجال الكتابة والتأليف، فيضطر المؤلف إلى كتابة الكلمة ووضع تفسيره لها بين مزدوجتين، حتى يفهم القارئ المعنى المرجو من الكلمة بمفهومها عند المؤلف، تجنبا لمخالفة القاعدة القائلة: الكلمة بمفهومها عند سامعها لا عند قائلها، من هنا جاءتني فكرة التطرق لمفهوم السياسة الجنائية، إذ تبقى كلمة مركبة من كلمة سياسة – وكلمة جنائية، والكلمتان في حد ذاتهما مستقلتان ومتباعدتان عن بعضهما البعض، فالسياسة هي مجال اشتغال الأحزاب والحكومات، وهي فكرة أو هدف يراد تحقيقه في زمان أو مكان معين، في حين كلمة الجنائية هي مجال الإجرام والعقاب والقضاء, فإن كان للأولى ارتباط بالسلطة التنفيذية فالثانية لها ارتباط بالسلطة القضائية, وإن كانت الأولى استباقية وقائية، فالثانية علاجية لاحقة، لهذا يبدو من اللازم توضيح مفهوم هذا المصطلح, في إطار هذا الموضوع الذي سيبقى بمثابة عمل متواضع وتجربة بسيطة, أتمنى من الله سبحانه وتعالى أن تنور القارئ ولو بفكرة واحدة أو رأي ضيق أو مفهوم بسيط، يعطيه بالتالي تصورا للسياسة الجنائية, ويجعل من هذا المصطلح المركب تصورا لهذه المنهجية, التي أضحت كل الدول والمنظمات ورجالات السياسة والقانون, يستعملونها في خطاباتهم ومداخلاتهم وكتاباتهم, لشرح ظاهرة إجرامية أو اقتراح استراتيجية لمكافحتها, أو إعطاء تحليل لانحراف معين والبحث عن مسبباته.

 فهل الفكرة هي واحدة عند كل هؤلاء الفاعلين، أم أن كل واحد منهم يعطي لها تفسيرا، من خلال زاويته العلمية أو المهنية أو من خلال توجهه أو موقعه المجتمعي؟

وهل السياسة الجنائية هي سابقة للجريمة والانحراف، إذ يتم اقتراحها للقضاء على هذه الأفعال قبل وجودها، أم أنها لاحقة تأتي لمحاربة الجريمة والحد من تفاقمها؟

أسئلة كثيرة ومتنوعة تخالج كل مهتم، وتجعل من الفهم باعتا للاستفهام، ومن السؤال هدفا للتساؤل والاستيضاح، فتسيل لعاب المهتمين والباحثين وتفتح أعين المترقبين وتشغل دماغ المفكرين، لأنه بتحديد المفاهيم تتحدد الأهداف، وبتلوين الأشكال تتحدد اللوحات، وبرسم الخارطة تتحدد الوجهة. فهل دراسة هذا الموضوع هو مجال اشتغال رجل القانون، مادام الأمر يتعلق بالمسائل الجنائية؟

أم أن الدراسة هنا هي من اختصاص رجل السياسة، كون السياسة الجنائية هي جزء من السياسة العامة؟

وهل لرجل علم الاجتماع حيز للاشتغال على هذا الموضوع، ما دامت النتائج هي مرصودة أصلا لأفراد المجتمع، وهم موضوع التجربة؟

وكيف للقاضي صاحب المهمة العلاجية أن يساهم في الوقاية بدوره، عن طريق التنظير والمكافحة والاقتراح؟

السياسة بمفهوم اللغة العربية:

السياسة لغة هي تدبير الأمور وتصريفها ومصدرها ساس يسوس سياسة، فيقال ساس الدابة أو الفرس: إذا قام على أمرها من العَلَف والسقي والترويض والتنظيف، أي رعاها من الرعي, فالسائس راع، والراعي مسؤول لأنه مؤتمن، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) رواه البخاري و مسلم,  وقد ذكرت أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تخدم الزبير زوجها, وكان له فَرَسٌ فقالت « كُنْتُ أَسُوسُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ الْخِدْمَةِ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِيَاسَةِ الْفَرَسِ».

 والسياسة في الاصطلاح هي تدبير شؤون الجماعة من الناس في مجتمع أو دولة معينة، وتولي أمر معين والاشتغال به ولو كان صغيرا أو عابرا، فساس الأمر سياسة إذا دبَّره. قالت عائشة عن حديث الإفك:

« .. وَكَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ مِسْطَحٌ وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَالْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسُوسُهُ وَيَجْمَعُهُ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ …»، رواه الترمذي في تفسير سورة النور.

 وفي الاصطلاح الشرعي لا وجود لكلمة سياسة في القرآن الكريم, أما في السنة النبوية: فقد جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: “كادت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي …”رواه مسلم, وعدم وجود كلمة سياسة في القرآن لا يعني أنها مصطلح جديد, ولكن جاءت في معاني ومرادفات أخرى, تفيد في حد ذاتها مسألة تولي شؤون القوم ورعايتهم وفق أحكام الشرع, ومثلها مثلا, قول الله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) سورة النحل, وقال تعالى: ” قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ, يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” سورة المائدة, وقال عز وجل: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ المائدة,  كما أنه في سورة النمل هناك إشارة واضحة من بلقيس لقومها تفيد قدم وجود السياسة في مختلف الحضارات, في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ, قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ سورة النمل. فمادامت السياسة تدبيرا وتسييرا وسهرا على شؤون القوم, فالإسلام رسالة سماوية نزلت على خير البشر ليبلغها للعالمين في شكل سياسة محكمة ومدبرة وناجحة في وقتها وأمدها وكونيتها, وكانت أول تمظهراتها الهجرة النبوية الشريفة, التي أبانت عن هذه السياسة العالمية ذات الأفق البعيد في تخطيطه, والمؤسسة للدولة الإسلامية بالمفهوم المعاصر, – هذا المفهوم الذي بلغت إليه البشرية بعد أربعة عشر قرن من الجهد والصراع والمشاورة بين مختلف الحضارات -, فكان أول ما قام به صلى الله عليه وسلم بمجرد نزوله بالمدينة, بناء المسجد إعلانا منه بقيام دولة الإسلام لتوحيد صف المسلمين وراء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله, وجعل هذا المسجد في نفس الوقت بمثابة مكان للاجتماع وتدارس شؤون الأمة واستقبال الوفود, أي برلمانا بالمفهوم الحديث, ثم سارع مباشرة بعد ذلك بأبي هو وأمي, إلى تأسيس سوق للبيع والشراء والتبادل, شعاره لا ربا ولا خداع ولا تدليس, وإشارة قوية إلى أن الأمة الإسلامية أمة كفاح وعمل, لا أمة تواكل وخمول, ثم آخ بين الأنصار و المهاجرين للقضاء على الضغينة والحسد وخلق روح التكافل والتعاون, وهو ما يصطلح عليه اليوم باتفاقيات التعاون والتوأمة والاتحاد, وواصل صلى الله عليه وسلم مسيرة سياسته الهادفة بإبرام  معاهدة مع اليهود, ليأمن جيرانه ويخلق هدنة في المدينة حالة السلم وتحالفا ضد الأجانب في حالة الحرب, فكان بحق أحسن سياسي عرفته البشرية, ولأن السياسة هي مشروع يجب أن يكون صاحبه موفقا فيه, في فترة وزمان محددين, فما إن أصبح على مشارف إكمال مهمته الربانية حتى نزل فيه قول ربه تعالى:  ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا ﴾ سورة المائدة, ليشهد الناس أنه أتم رسالته على خير وجه, فلتكن لنا أسوة حسنة في نبينا المختار. ولم تقف هذه السياسة الهادفة إلى  نشر الدين الإسلامي عند هذا الحد, بل ورثها صحابته من بعده واتبعوا نهجه, واتقين في صدق الرسالة ومؤمنين بشرعيتها, فهذا أبو بكر يعلن حربا ضروسا على المرتدين, للقضاء على النفاق والمنافقين وشد أواصر المؤمنين, وهذا عمر بن الخطاب يعطل الحد في السرقة الذي أمر به الله سبحانه وتعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم  (سورة المائدة), بسبب المجاعة ولظروف اقتضتها مصلحة الأمة آنذاك, ولم يكن بهذا مبتدعا وإنما كان متبعا مستعملا للقياس في قوله تعالى: فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم  (سورة المائدة), ولأن الحدود تدرأ بالشبهات, فكانت شبهة الحاجة أقرب من نية السرقة, وعثمان بن عفان جمع القرآن في وقت كان كتاب الله هو المرجعية الأولى للمسلمين, ودستورهم السماوي وناموسهم الأعلى, فاستطاع بسياسته هاته سد أبواب التأويل والتشكيك والتحريف, وإن كان هذا الفرقان محروسا من رب حفيظ عليم, مصداقا لقوله تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} صدق الله العظيم.

وهذا عمر بن عبد العزيز يؤسس مجلس الشورى بالمدينة، فعند ما جاء الناس للسلام عله، دعا عشرة من فقهاء المدينة، فدخلوا عليه وجلسوا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعواناً على الحق، إني لا أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحداً يتعدى، أو بلغكم عن عاملٍ لي ظلامة، فأحرّج الله على من بلغه ذلك إلا أبلغني، ثم حدد صلاحيات هذا المجلس في أمرين:

– أنهم أصحاب الحق في تقرير الرأي، وأنه لا يقطع أمراً إلا برأيهم. وبذلك يكون الأمير قد تخلى عن اختصاصاته إلى هذا المجلس.

– أنه جعلهم مفتشين على العمال، ورقباء على تصرفاتهم. فإذا ما اتصل بعلمهم أو بعلم أحدهم أن عاملاً ارتكب ظلامة، فعليهم أن يبلغوه وإلا فقد استعدى الله على كاتم الحق.

ثم أعلن استئناف الحرّية السياسية التي منحها الإسلام للمسلمين إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، حتى وإن كان حاكما أو والياً.

فهكذا بدأت الأمة الإسلامية مسارا ناجحا, تحكمه سياسة شعارها الفرد يذوب في الجماعة والمصلحة الفضلى في خير يعم الجميع, ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه, والمؤمن مرآة أخيه والصلح خير, مبادئ متعددة وقوية, جعلت الحاكم يدبر في الليل ما فيه مصلحة لأمته التي نامت لأمنه واستراحت, والرعية لا تطلب أكثر مما لها وتطيع ولي أمرها ما دام هو في طاعة الله ورسوله, مصداقا لقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا. سورة النساء آية 59.

السياسة بالمفهوم الغربي أو اللاتيني:

إذا كان مفهوم السياسة في اللغة العربية هو ما سبق ذكره, فهل كلمة politique باللغة الفرنسية, والتي هي امتداد للغة اللاتينية, لها نفس المفهوم, إذ نلاحظ أن هذه الكلمة الفرنسية لها مرادفها وترجمتها بالعربية, مما يؤكد أن السياسة قديمة في العالم العربي والإسلامي قدم النشأة والتاريخ, فلو كانت السياسة مصطلحا لاتينيا لتم تعريبه فقط, كما هو عليه الأمر في كلمة ديمقراطية واستراتيجية وديمغرافية, فهل مصدر كلمة politique مشتق من الترويض والعناية والرعاية, أم من مفهوم آخر ولكن يلتقي مع نظيره العربي في المعنى, يرجع مصدر كلمة politique  إلى الكلمة اليونانية politikè أو Politikos وباللاتينية politicus والتي تعني علم شؤون المدينة, أو تنظيم شؤون المدينة, فمن هنا يختلف المفهومان العربي واللاتيني لكلمة سياسة, فإن كانا يلتقيان ظاهريا في مسألة التنظيم والتسيير, فإنهما يختلفان في العمق المصدري, فالسياسة بمفهوم اللغة العربية التدجين بالنسبة للدواب, والولاية ورعاية شؤون الأمة بالنسبة للبشر والمجتمعات, أما السياسة بالمفهوم اللاتيني فهي مقصورة على تنظيم شؤون المدينة, التي كانت تسمى آنذاك polis أي la cité, وهذا لما كانت تحضا به المدن من عناية وتقديس ورمزية للتقدم, مثل آتينا وإسبارطا, ولكن بالمفهوم المعاكس نستشف أن السياسة آنذاك كانت حكرا على المدنيين وحدهم, دون الأجانب وسكان القرى, أي أن السياسة كانت مادة أرستقراطية خاصة بالنبلاء, جاءت لتخدم مصالحهم وحدهم دون غيرهم ولو على حساب الآخرين, لأنه كان لا يكتسب صفة المدني أي citoyen, إلا الأشخاص الذين تتوفر فيهم بعض الشروط المحددة مسبقا, من طرف المجالس الساهرة على شأن المدينة, وذلك بعد أن يكون قد تم اختباره والتأكد من ولاءه ومواطنته الحقيقيتين, وكذا شجاعته وقدرته على العطاء,

السياسة بالمفهوم المعاصر أو الحالي:

  أصبحت كلمة السياسة في عصرنا الراهن تحتل مقدمة المشاريع, وتعنون كل عمل يدخل في الشأن العام, بل أضحت مجالا مستقلا بذاته, إذ أصبح المرء يسمى بالسياسي إن هو اشتغل في مجالها, وهكذا ترسخ لدى الجميع أن تسيير أمور المجتمع على أي مستوى, يدخل في العمل السياسي, فالسياسة إذن هي اقتراح طريقة عمل لمعالجة ظاهرة معينة, فهي بالتالي مشروع لكل استراتيجية, علما أن الاستراتيجية هي في حد ذاتها تشريع متسلسل, فحسب رأيي المتواضع تبقى السياسة بالمفهوم المعاصر هي :مجموع أفكار لشخص أو عدة أشخاص أو هيئة أو حزب, يراد تطبيقها على جمهور معين أو مجال معين, في إطار استراتيجية محددة مسبقا في زمانها ومكانها للوصول إلى هدف أو أهداف معينة. ولكن رغم كل الأقلام التي جفت والمداد الذي سال, لا يمكن إعطاء تعريف موحد ومتفق عليه لمفهوم السياسة, لأن مفهوم السياسة يختلف انطلاقا من منظور كل واحد منا ومن موقعه الاجتماعي, فرجل مثلا منخرط في جمعية ما, نعتبر جميع تحركاته في هذا المجال, بأنه ناشط جمعوي, وإذا انخرط في حزب معين نسميه متحزب, وإذا تقلد منصبا ساميا نسميه سياسيا, وإن أصبح رئيس حكومة نعتبر أي قرار أو زيارة أو خطاب له بأنه سياسي ويهدف من خلاله إلى إبلاغ رسالة معينة, وإن سألنا هذا الرجل بالذات عن مساره, لأجاب أنه منذ البداية وهو يدافع عن مبدئ أو اقتناع معين, كالدفاع عن حرية التعبير أو الحق في التشغيل أو محاربة الفقر, رغم أنه كان يغير المنابر التي ينادي من خلالها بالمبدئ نفسه, لكن المتتبع أو المجتمع هو الذي كان يصمه كل مرة بوصمة مختلفة, انطلاقا من الزاوية التي يراه منها, وهذا ما يصطلح عليه في علم الإجرام بالنظرية الوصمية أو L’étiquetage, فكفاح هذا الرجل لم يسمى سياسة إلا بعد أن أصبح ينظر إليه من الأسفل, ولما وصل هو إلى مناصب مهمة تتحكم في مصير الأشخاص, ومن خلال هذا التحليل المتواضع يمكننا طرح الأسئلة التالية:

– فهل السياسة لصيقة بالمكانة الاجتماعية؟

– وهل هي حكر على الطبقة المتحكمة في المجال المالي والاقتصادي؟

– ولماذا نجد عزوف المثقفين عن هذا الميدان؟

– وما السر وراء الاشتغال بالسياسة ومعادلاتها في كل المجالات؟

مفهوم السياسة الجنائية:

لقد اختلف الفقهاء ورجال القانون حول مفهوم السياسة الجنائية, وذلك لإعطاء كل واحد منهم مفهوما لها من خلال موقعه أو منصبه أو تصوره للمسألة, فالفقيه فيورباخ Feurbach اعتبر السياسة الجنائية أنها مجموع الوسائل الزجرية التي تواجه بها الدولة الجريمة، وذهب  الفقيه VONLIZET في حصر مفهوم السياسة الجنائية في المجموعة المنظمة من المبادئ التي يتحتم على الدولة والمجتمع اعتمادها لتنظيم عملية محاربة الجريمة, لكن هذه المفاهيم تطورت بتطور المجتمعات وتفاقم الجريمة, فانتقلت السياسة الجنائية من سلسلة تشريع جنائي يحارب الجريمة, إلى علم جنائي يبحث في الظاهرة الإجرامية وسبب انتشارها, أي أن السياسة الجنائية انتقلت من العلاج للوقاية, إلا أن تعريفها الشمولي والجامع يبقى هو التالي:

السياسة الجنائية حقل علمي ومعرفي تدرس وتراقب فيه الآليات المعتمدة في مجتمع من المجتمعات لمواجهة الظاهرة الإجرامية بمكونيها الجريمة والانحراف.

فعلى ضوء هذا التعريف, نجد أن مجال الاشتغال في السياسة الجنائية مجال مفتوح على مصراعيه لكل مهتم وكل مسؤول, ما دام أنه حقل علمي ومعرفي, فهو حقل أي أنه قابل للحرث والنبش والتنقيب والزرع والتسميد والحصاد والدرس والجني, وهو علمي أي أنه قابل للاختبار والتحليل والتجربة والفحص, وهو معرفي أي أنه قابل للدراسة والبحث والتعليم والاستبيان والاستدلال, فميدان الاشتغال في السياسة الجنائية مفتوح في وجه, رجال القانون ورجال السياسة ورجال التعليم والدراسة الأكاديمية ورجال الاقتصاد, بل في وجه كل الفاعلين في مجتمع معين, كل حسب تخصصه واهتمامه, لأنه إذا جعلنا منطلق كل سياسة جنائية ومصدر وحيها, هو ثوابت أمتها المترسخة في ناموسها الأسمى أي في دستورها, الذي يبقى الحامي لها, فإن مجال عمل هذه السياسة لن يبرح مهمة الدفاع والدود عن هذه المبادئ الثابتة, الخاصة بهويته ومرجعيته ونظامه, فإذا أخذنا الدستور المغربي كمثال على هذا, نجد تصديره يتطرق لهذا المفهوم بكل توضيح, إذ جاء فيه:

إن المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل إقامة مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة.

المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية – الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية. كما أن الهوية المغربية تتميز بتبوء الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، وذلك في ظل تشبث الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء.

ومن هنا نرى بأن القانون الجنائي العام والقوانين الجنائية الخاصة، شرعت كلها لحماية هذه المبادئ والثوابت وزجر كل عابث بها، فهناك فصول تعاقب كل من اعتدى على شخص الملك حماية للملكية، وأخرى تعاقب من حاول زعزعة عقيدة مسلم أو اعتدى على الأماكن المخصصة للعبادة حماية للدين الإسلامي، وفصول تعاقب عن الميز العنصري حماية للمساواة، وفصول تعاقب المعتدين على حياة الأشخاص وأجسادهم ومالهم حماية للحق في الحياة وفي السلامة الجسدية والحق في الملكية وهكذا.

لهذا لا يجب أن تحيد السياسة الجنائية عن الاشتغال في هذا المسار، المتمثل في حماية هذه المسلمات، بزجر المخالفين لها، في إطار استراتيجية تشريع متسلسل يهتم بالجريمة والانحراف، وعملا بهذا، فإن انكبت السياسة الجنائية المغربية على حماية مواد الدستور، في محاولة إلباس مقتضياته القانونية للقالب الواقعي، لنجحت في مسيرتها ذلك، خصوصا ما نص عليه الدستور بالباب الثاني الخاص بالحريات والحقوق الأساسية في المواد التالية:

 الفصل 19: يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، الواردة في هذا الباب من الدستور، وفي مقتضياته الأخرى، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، كما صادق عليها المغرب، وكل ذلك في نطاق أحكام الدستور وثوابت المملكة وقوانينها. تسعى الدولة إلى تحقيق مبدا المناصفة بين الرجال والنساء. وتُحدث لهذه الغاية، هيئة للمناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز.

الفصل 20: الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان. ويحمي القانون هذا الحق.

 الفصل 21: لكل فرد الحق في سلامة شخصه وأقربائه، وحماية ممتلكاته. تضمن السلطات العمومية سلامة السكان، وسلامة التراب الوطني، في إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع.

 الفصل 22: لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة. لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية.

ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون.

الفصل 23: لا يجوز إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله أو متابعته أو إدانته، إلا في الحالات وطبقا للإجراءات التي ينص عليها القانون. الاعتقال التعسفي أو السري والاختفاء القسري، من أخطر الجرائم، وتعرض مقترفيها لأقسى العقوبات.

يجب إخبار كل شخص تم اعتقاله، على الفور وبكيفية يفهمها، بدواعي اعتقاله وبحقوقه، ومن بينها حقه في التزام الصمت. ويحق له الاستفادة، في أقرب وقت ممكن، من مساعدة قانونية، ومن إمكانية الاتصال بأقربائه، طبقا للقانون. قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان.

يتمتع كل شخص معتقل بحقوق أساسية، وبظروف اعتقال إنسانية. ويمكنه أن يستفيد من برامج للتكوين وإعادة الإدماج.

يُحظَر كل تحريض على العنصرية أو الكراهية أو العنف.

يُعاقب القانون على جريمة الإبادة وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وكافة الانتهاكات الجسيمة والممنهجة لحقوق الإنسان.

الفصل 24: لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة. لا تنتهك حرمة المنزل. ولا يمكن القيام بأي تفتيش إلا وفق الشروط والإجراءات، التي ينص عليها القانون. لا تنتهك سرية الاتصالات الشخصية، كيفما كان شكلها. ولا يمكن الترخيص بالاطلاع على مضمونها أو نشرها، كلا أو بعضا، أو باستعمالها ضد أي كان، إلا بأمر قضائي، ووفق الشروط والكيفيات التي ينص عليها القانون.

حرية التنقل عبر التراب الوطني والاستقرار فيه، والخروج منه، والعودة إليه، مضمونة للجميع وفق القانون.

الفصل 25: حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها.

حرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الإبداع الأدبي والفني والبحث العلمي والتقني مضمونة.

فبقراءة لهذه الفصول التي تطرقت لضرورة المساواة بين الجنسين, والحق في الحياة والحق في السلامة الشخصية, والحق في الملكية وفي السكن, ومنع التعذيب والمعاملة القاسية ومنع الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري, ومنع الكراهية, وحماية الحياة الخاصة الأشخاص والحق في الفكر والرأي والتعبير, نجد أرضية خصبة وشاملة للعمل عليها والانكباب على تحصينها وحمايتها, في إطار سياسة بعيدة المدى, تلقائية التجديد, مرنة في تفاعلها مع المتغيرات الظرفية, قادرة على احتواء تفاقم الجريمة ومسايرة في تشريعها لتجريم الانحراف, بعيدة كل البعد عن الحسابات الضيقة والتوجهات الفئوية والمخططات الرامية لخدمة الطبقية.

السياسة الجنائية في التشريع المغربي:

بالرجوع للتشريع المغربي لا نجد للسياسة الجنائية مفهوما في سياقه التاريخي, سواء منه القانوني أو القضائي, وذلك لما كان يعرفه هذا البلد من تطبيق لأحكام الشرع الإسلامي ما قبل عهد الحماية, لينتقل بعدها إلى تطبيق قوانين دخيلة وغريبة على ثقافته, كانت تخدم بالدرجة الأولى مصالح المستعمر, ثم ينتقل بعد حصوله على الاستقلال إلى تشريع عدد من النصوص المخضرمة, التي جمعت إلى حد ما, بين مرجعيته الإسلامية وما استقاه من حضارة غربية بقانونها الوضعي, لهذا لا نجد لكلمة السياسة الجنائية مفهوما في القاموس القانوني المغربي, اللهم ما نصت عليه المادة 51 من قانون المسطرة الجنائية التي جاء فيها: يشرف وزير العدل على تنفيذ السياسة الجنائية, ويبلغها إلى الوكلاء العامين للملك الذين يسهرون على تطبيقها. وله أن يبلغ إلى الوكيل العام للملك ما يصل إلى علمه من مخالفات للقانون الجنائي، وأن يأمره كتابة بمتابعة مرتكبيها أو يكلف من يقوم بذلك، أو أن يرفع إلى المحكمة المختصة ما يراه الوزير ملائما من ملتمسات كتابية.

وإذا كانت الفقرة الأولى من هذه المادة, لا توحي في مظهرها بوجود سلطة مباشرة ورئاسية لوزير العدل على قضاة النيابة العامة, لأنها تضمنت عبارتي الإشراف على التنفيذ والتبليغ, فإن الفقرة الثانية من نفس المادة جاءت في قراءتها بصيغة واضحة, يتبين من خلالها السلطة الحقيقية والاختصاصات الواسعة لوزير العدل في مجال تحريك الدعوى العمومية وتسيير عمل النيابة العامة, حينما جعلت منه الساهر على تبليغ جميع الجرائم للوكلاء العامين للملك, والآمر بالمتابعة, وصاحب الملتمس الكتابي المرفوع للمحكمة المتضمن لما يراه مناسبا في قضية معينة, فهو بهذا يحرك أي دعوى عمومية في أي واقعة معينة, حينما يبلغها للوكلاء العامين للملك, فالتبليغ هنا هو أقرب للأمر منه للإخبار، ويمارس هذه الدعوى العمومية بالأمر بالمتابعة, وكلمة أمر هنا تعني المتابعة الحتمية دون إبداء أي وجهة نظر أو اقتناع, بل ويفرض نظريته حتى على المحكمة, حينما ترفع ملتمساته الكتابية بواسطة ممثل النيابة العامة, والتي تعكس ميوله – ما يراه مناسبا – في ذات القضية, وفي هذا تعارض مع المادة 38 من نفس القانون التي تنص على ما يلي: يجب على النيابة العامة أن تقدم ملتمسات كتابية, طبقا للتعليمات التي تتلقاها, ضمن الشروط المنصوص عليها في المادة 51 وهي حرة في تقديم الملاحظات الشفهية التي ترى أنها ضرورية لفائدة العدالة. فكيف يمكن لممثل النيابة العامة داخل الجلسة وفي نفس القضية، أن يأخذ الكلمة ليرافع فيؤكد ملتمسات وزير العدل الرامية للإدانة مثلا، ويلتمس هو البراءة وفقا لقناعته بما راج في الجلسة.

كما أن هذه الأوامر الكتابية الصادرة عن وزير العدل, وملتمساته الموجهة للمحكمة في قضية معينة, لا يمكن أن تكون وليدة الصدفة أو أنها تدخل في العمل اليومي والروتيني لدور وزير العدل بالدعوى العمومية, ولكن الأمر لا يخلو من توجه سياسي, يراد اتباعه في قضية معينة, فلا نتصور أن وزير العدل يشتغل في منآ عن حكومته أوعن حزبه, فقد يكون الدافع وراء تحريك متابعة ما, هو المساس بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي, أو أن الأمر له تأثير على الرأي العام أو الأمن القومي, كما يمكن أن يكون له توجه آخر لا يظهر في بداية الأمر, إلا من خلال كشف خباياه من طرف جهة معنية أو من طرف وسائل الإعلام, فمثلا بقراءة بسيطة لمسطرة تسليم المجرمين, المنصوص عليها في الفصول 718 وما بعده من قانون المسطرة الجنائية, يتضح أن الإجراءات القضائية المتبعة هي ناتجة عن اتفاقيات سياسية مسبقة, وتخدم في عمقها أمورا سياسية, بل حتى بعد الحكم بتسليم الشخص موضوع المسطرة, يحال الأمر للسلطة الحكومية لتقرر ما إن كانت ستسلمه أم لا, فمسطرة التسليم إذن هي مسألة سيادية تخضع للمراقبة القبلية من طرف القضاء, لأن الأمر يدخل في إطار العلاقات بين الدول, التي تتعامل بمبدئ المعاملة بالمثل المعترف بها دوليا, فأين استقلال القضاء هنا من العمل السياسي, وأين الباعث الأسمى من القضاء الذي يبقى هو إنزال العقاب بالمجرم, ما دام الأمر سيصبح معلقا ومرتبطا بمفاوضات بين الدول المعنية, والأمر نفسه نجده في مسطرة التسليم المراقب, إذ لا يمكن -حسب نص الفصل 749-1 من قانون المسطرة الجنائية- للوكيل العام للملك منح الإذن بالتسليم المراقب إلا بعد موافقة وزير العدل, وباطلاعنا على واقع الحال بالنسبة للمحاكم المالية المنظمة للمجلس الأعلى للحسابات الذي يبقى الحامي الأول للمال العام, والساهر على مدى قانونية النفقات والصفقات, والرادع لكل الموظفين والأطر الذين يستغلون مناصبهم في الغدر والشطط والرشوة واستغلال النفوذ, فإن منصب الوكيل العام للملك بهذه المؤسسة الدستورية الوطنية, لا زال شاغرا ولم يتم تعيين أي أحد به, ونحن نعلم ما للوكيل العام للملك بهذه المؤسسة من دور في تحريك المتابعات وإثارة المخالفات للقانون الجنائي, فكيف يمكن للقضاء إذن أن ينسب إليه التقصير والمسؤولية في انتشار الجريمة وتردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية, ويده مغلولة إلى عنقه, وإمكانياته ضعيفة وعمله مراقب بفيتو وزير العدل.

وإذا كانت كلمة السياسة الجنائية ذكرت مباشرة في مادة واحدة, فإنه بقراءة قانون المسطرة الجنائية وعدد من القوانين الأخرى, نجد السياسة الجنائية حاضرة بطريقة مباشرة وغير مباشرة من خلال التنصيص على اختصاصات وزير العدل في مجال القضاء ومساعديه والعدالة وما يتفرع عنها, وذلك في عدد من المقتضيات, فبالرجوع للمرسوم رقم 385.98.2 صادر في 28 صفر 1419 (23 يونيو 1998) بتحديد اختصاصات وتنظيم وزارة العدل, ومرسوم رقم 2.10.310 صادر في 7 جمادى الأولى 1432 (11 أبريل 2011) بتحديد اختصاصات و تنظيم وزارة العدل والحريات, والذي نسخ الأول إلا في بعض الاختصاصات, نجد وزير العدل بصفته أعلى سلطة في الوزارة, قد أوكلت إليه عدة اختصاصات بالأهمية بما كان, إذ من شأن ممارستها التأثير سلبا أو إيجابا في مسار الجريمة والعقاب, والحد من الإجرام والانحراف أو انتشاره وتفاقمه, والتأثير في مجالات أخرى بالتطور أو التدهور اقتصادية كانت أم تربوية أم اجتماعية, ويكفي الرجوع إلى اختصاصات مديرية الشؤون المدنية والجنسية ومديرية الشؤون الجنائية والعفو ومديرية إدارة السجون, للاطلاع عن قرب على هذه المهام, والتي تجعل منه المشرف الرئيسي، على الديوان وكتابة المجلس الأعلى للقضاء والمفتشية العامة والمعهد الوطني للدراسات القضائية – الموضوعين تحت السلطة المباشرة له, نجد كذلك إشرافه على عمل النيابة العامة في المجالين الجنائي والمدني, مصالح مراقبة الشكايات, الإشراف على جميع المصالح المكلفة بمراقبة مساعدي القضاء, مصلحة الجنسية مصلحة الإفراج المقيد, مصلحة رصد ظاهرة الإجرام مصلحة الشيكات مصلحة تسليم المجرمين والتعاون الدولي, وعدد من الاختصاصات الأخرى, وحتى لا أسهب في سردها, يمكن الرجوع إليها في آخر الموضوع, إذ يوجد المرسومين بأكملهما, ورغم أن الثاني جاء بنسخ الأول إلا في بعض مقتضياته التي لازالت قيد التنفيذ إلى حين صدور قوانين جديدة لاستبدالها, فقد تعمدت التطرق إليه لمعرفة أوجه التطور الذي طال تنظيم واختصاص وزارة العدل والحريات خلال 12 سنة.

أما إذا اطلعنا على باقي القوانين الأخرى، فإننا نجد في:

القانون الجنائي الصادر سنة 1962:

تتحدد اختصاصات وزير العدل من خلال الفصول التالية:

الفصل25: الإقامة الإجبارية هي أن تحدد المحكمة مكانا للإقامة……وفي حالة الضرورة يجوز لوزير العدل أن يسلم للمحكوم عليه رخصة مؤقتة للتنقل داخل القطر

الفصل53: العفو من حقوق الملك ويباشر وفق الترتيبات التي تضمنها الظهير……وإذا قدم طلب العفو عن محكوم عليه، معتقل من أجل جنحة أو مخالفة، جاز لوزير العدل، بصفة استثنائية، أن يأمر بالإفراج عنه ريثما يبت في الطلب.

قانون المسطرة الجنائية الصادر سنة 2002:

نجد مجالا واسعا لاختصاصات وزير العدل المذكورة في المواد الآتية:

ملاحظة: تتم كتابة مضمون المادة أو الفقرة المتضمنة لمهام الوزير.

المادة20: يصدر قرارا مشتركا بينه وبين وزير الداخلية، أو بينه وبين السلطة المكلفة بالدفاع الوطني، يخول صفة ضابط لمفتشي الشرطة أو الدرك ممن قضوا ثلاث سنوات،

المادة22-1: ينشأ بقرار مشترك مع السلطة الحكومية المختصة فرقا وطنية أو جهوية للشرطة القضائية،

المادة45: يرفع إليه الوكيل العام للملك تقريرا حول الإخلالات الخاصة بتدابير الحراسة النظرية وعمل ضباط الشرطة القضائية،

المادة46: يشعره الوكيل العام للملك فورا بقرار انتداب أحد نوابه لشغل منصب شاغر بالنيابة العامة،

المادة51: يشرف على تنفيذ السياسة الجنائية، ويبلغها إلى الوكلاء العامين للملك قصد تطبيقها،

المادة52: يعين بقرار قضاة التحقيق لمدة ثلاث سنوات، قابلة للتجديد كما يمكن أن يعفيهم من مهامهم بنفس الكيفية،

المادة326: يقدم تقريرا للمجلس الوزاري بخصوص استدعاء أحد أعضاء الحكومة،

المادة556: ترفع إليه نسخة من قرار محكمة النقض القاضي بإبطال مقرر بسبب خرقه لإجراءات جوهرية للمسطرة،

المادة558: تقدم طلبات الطعن بالنقض لفائدة القانون بأمر منه،

المادة 560: يوجه أمرا كتابيا للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بخصوص القرارات الصادرة خرقا للقانون،

المادة561: لا تقبل الطعون الصادرة بأمره، إذا سبق رفضها بمناسبة طعن سابق،

المادة566: المراجعة طبقا للحالة الرابعة، أنظر المادة 567,

المادة567: له الحق في طلب المراجعة عن طريق الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض،

المادة568: بخصوص الإحالة على الغرفة الجنائية بمحكمة النقض،

المادة569: إيقاف تنفيذ العقوبة بأمر منه،

المادة596: يعين قضاة تطبيق العقوبة لمدة ثلاث سنوات،

المادة601: ترفع إليه كل القرارات الصادرة بالإعدام،

المادة602: لا تنفذ عقوبة الإعدام إلا بأمره،

المادة603: لا يكون تنفيذ عقوبة الإعدام علنيا إلا بقرار منه،

المادة608: لا تطبق العقوبة إلا في مؤسسة تابعة لوزارة العدل،

المادة616: يوجه إليه قاضي تطبيق العقوبة فورا محاضر تفتيش السجون،

المادة620: يعين أعضاء متطوعين لينضمون للجنة مراقبة السجون

المادة621: ترفع إليه ملاحظات اللجنة، ويعين متطوعين لينضمون للجنة مراقبة مراكز رعاية الأحداث،

المادة624: تكون بوزارة العدل لجنة للإفراج المشروط، يرأسها نيابة عنه مدير الشؤون الجنائية،

المادة625: يعد رئيس المؤسسة السجنية اقتراح الإفراج المقيد، باقتراح منه،

المادة627: يمنح قرار الإفراج المقيد بشروط، 

 المادة629: وجوب إخباره داخل ثمان وأربعين ساعة، حول اعتقال المفرج

عنه، وله أن يقرر حول الإبقاء على التدبير من عدمه،

المادة654: يعين بقرار مراكز محلية للسجل العدلي،

المادة675: يوجه إليه نظير البطاقة رقم 1 الخاصة بأجنبي ليبعثها بالطريقة الديبلوماسية،

المادة676: يوجه لمركز السجل العدلي ما يتوصل به من أحكام أجنبية،

المادة714: توجه إليه الإنابات القضائية قصد تبليغها بالطرق الدبلوماسية،

المادة715: يمكن له أن يأذن لممثلي السلطة الأجنبية بحضور تنفيذ الإنابات القضائية كملاحظ،

المادة727: يتسلم من وزير الشؤون الخارجية طلبات تسليم المجرمين ويتخذ بشأنها ما يلزم قانونا،

المادة729: يتعين على وكيل الملك إشعاره فورا بما اتخذه في شأن الأمر الدولي بإلقاء القبض،

المادة735: تحال عليه نسخة من قرار محكمة النقض عن طريق الوكيل العام للملك،

المادة736: توجه إليه خلال ثمانية أيام نسخة من القرار القاضي بعدم التسليم لتبليغه للدولة الطالبة،

المادة737: توجه إليه خلال ثمانية أيام نسخة من القرار القاضي بالتسليم ليحيله على رئيس الحكومة،

المادة749-1: لا يمنح الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف الإذن بالتسليم المراقب إلا بموافقة وزير العدل،

النظام الأساسي لرجال القضاء الصادر بتاريخ 11/ 11/1974:

نجد لوزير العدل عدة اختصاصات هي:

الفصل1: يعين القضاة بوزارة العدل بظهير باقتراح من وزبر العدل،

الفصل 6و7و10: يعين وزير العدل الملحقين القضائيين ويعفيهم، ويصدر في حقهم عقوبات باسم لجنة يرأسها،

الفصل15: لا يمكن للقاضي أن يذكر صفته القضائية في أي مؤلف أدبي أو علمي أو فني إلا بإذن لوزير العدل،

الفصل17: تفتحص لجنة يرأسها وزير العدل تطور التصريح بالممتلكات، كما يكلف وزير العدل بتتبع ثروة القضاة وترفع إليه تقارير المفتشين،

الفصل21: يرخص وزير العدل استثناء للقاضي بالإقامة خارج الدائرة القضائية،

الفصل23: يهيئ ويحصر وزير العدل لائحة الأهلية الخاصة بالقضاة،

الفصل26: يرقى القضاة العاملين بوزارة العدل باقتراح منه،

الفصل30: يحق لوزير العدل وحده الحق في تجزيئ الرخصة الإدارية للقاضي من عدمها،

الفصل32: إذا استفاد القاضي من رخصة مرضية يحق لوزير العدل إجراء كل مراقبة ضرورية،

الفصل43: ترفع نشرات القضاة الملحقين لوزير العدل،

الفصل56: يوضع قضاة النيابة العامة تحث سلطة وزير العدل ومراقبة وتسيير رؤسائهم الأعليين، يتم نقلهم بظهير باقتراح من وزير العدل،

الفصل57: يمكن له أن ينتدب بقرار عند الحاجة قضاة لملء فراغ في قضاء الحكم التحقيق أو النيابة العامة،

الفصل60: تصدر العقوبات من الدرجة الأولى بقرار لوزير العدل بعد استشارة المجلس الأعلى للسلطة القضائية،

الفصل61: ينهي وزير العدل للمجلس الأعلى الأفعال المنسوبة للقاضي ويعين له مقررا،

الفصل62: يوقف القاضي عن مزاولة مهامه بقرار لوزير العدل إذا توبع جنائيا أو ارتكب خطأ كبيرا،

الفصل70: يمارس مهام كتابة المجلس قاض يعين بظهير باقتراح من وزير العدل، وإذا عاقه مانع ناب عنه قاض من الوزارة باقتراح من وزير العدل كذلك.

قانون المسطرة المدنية:

المادة 179: ….. يمارس مهام قاضي الأسرة المكلف بالزواج قاض من المحكمة الابتدائية يعين لمدة ثلاث سنوات بقرار لوزير العدل.

المادة 182: يمارس مهام القاضي المكلف بشؤون القاصرين قاض من المحكمة الابتدائية عين لمدة ثلاث سنوات بقرار لوزير العدل.

قانون القضاء العسكري رقم :270/56/1:

المادة22: يعين رؤساء المحكمة العسكرية في أوائل كل سنة قضائية، وذلك بموجب مرسوم يصدر باقتراح من وزير العدل…..

المادة48: إذا كان الأمر يتعلق بمخالفة يرجع النظر فيها إلى المحاكم العادية فإن وزير الدفاع الوطني يرسل الأوراق إلى وزير العدلية….

المادة110: ……..بتنفيذ طلبه بوزارة العدل قصد مراجعة الحكم الصادر عليه وكذا إذا رفض وزير العدل هذا الطلب…….

المادة 197: إذا حكمت المحكمة العسكرية بالإعدام…..

(لابد لكل نيابة عامة بإشعار وزير العدل بكل حكم صدر بالإعدام)

المادة 205: ……فتوضع اقتراحات الإفراج….. ويبلغها وزير العدل….

قانون تنظيم وتسيير المؤسسات السجنية رقم 98/23:

المادة3: تقسم المؤسسات السجنية إلى أصناف بقرار لوزير العدل،

المادة45: يمنح للمعتقلين الذين يزاولون نشاطا منتجا مقابلا منصفا، يحدد مبلغه بقرار مشترك لوزير العدل ووزير المالية،

المادة46: يمنح لبعض المدانين المتميزين بحسن السلوك، رخصة للخروج لا تتعدى عشرة أيام،

المادة84: لا يمكن لأعضاء المنظمات الحقوقية والجمعيات دخول أماكن الاعتقال ولا الاتصال بالمعتقلين بالسجن إلا بإذن خاص من وزير العدل،

المادة86: يمنع أخذ صور فتوغرافية وتسجيلات داخل المؤسسات إلا بإذن من وزير العدل،

المادة97: تسلم إليه رسائل السجناء في أظرفة مختومة،

المادة136: لا يودع المعتقلين بمصحات خصوصية إلا بموافقة منه،

قانون الصحافة بالمغرب رقم 738/58/1:

الفصل71: الفقرة 4: في حالة السب والقدف الموجه إلى الموظفين أو المسندة إليهم مباشرة السلطة العمومية، تقع المتابعة بشكاية منهم أو من السلطة الحكومية التي ينتسب إليها الموظف يوجهها مباشرة إلى وزير العدل.

قانون المحاكم المالية رقم 99/62:

المادة 111: ……إذا كان الأمر يتعلق بأفعال يظهر أنها قد تستوجب عقوبة جنائية، رفع الوكيل العام للملك الأمر من تلقاء نفسه أو بإيعاز من الرئيس الأول إلى وزير العدل قصد اتخاذ ما يراه ملائما، وأخبر بذلك السلطة التي ينتمي إليها المعني بالأمر. ويخبر وزير العدل المجلس بالتدابير التي اتخذها.

المادة 114: …….ويخبر الوكيل العام للملك بذلك وزير العدل لأجل اتخاذ ما يراه ملائما بصرف النظر عن العقوبات التأديبية…….ويخبر المجلس من طرف كل من وزير العدل والسلطة التي لها حق التأديب……

المادة 162: …… إذا كان الأمر يتعلق بأفعال يظهر أنها قد تستوجب عقوبة جنائية، أخبر وكيل الملك بذلك الوكيل العام للملك الذي يرفع النازلة من تلقاء نفسه أو بطلب من الرئيس الأول إلى وزير العدل قصد اتخاذ ما يراه ملائما، ويخبر بذلك السلطة التي ينتمي إليها المعني بالأمر. ويخبر وزير العدل المجلس بالتدابير التي اتخذها.

المادة163: …. ويخبر وكيل الملك بذلك الوكيل العام للملك الذي يرفع الأمر إلى وزير العدل قصد اتخاذ ما يراه ملائما……

قانون التراجمة رقم 00/50 :

 لوزير العدل عدة اختصاصات متنوعة وفاعلة، تتعلق بتعيين أعضاء اللجنة وكل ما يتعلق بتعيين التراجمة, وجاءت في المواد:

 5- 8- 10 -11 -12- 17- 22- 36 -37 -49 -64- 65- 66 .

القانون المتعلق بمهنة التوثيق الصادر بتاريخ 22/نوفمبر/2011:

تنعقد اختصاصات وزير العدل في قانون التوثيق في المواد التالية:

10-11-14-21-22-51-60-61-78-80-83-91-129.

كما يعتبر هو رئيس المجلس الإداري لمعهد التكوين المهني للتوثيق، طبقا للمادة 4 من المرسوم التنظيمي، ويقترح مديره طبقا للمادة 8, كما يحدد بقرار شكل سجل التحصين، وسجل الوصايا، وشكل اللوحة البيانية التي توضع داخل أو خارج البناية، ويعلن بقرار عن تاريخ مباراة الانخراط ومكانها وكيفية اجتيازها وعدد المناصب موضوع التباري،

قانون الخبراء القضائيين رقم 00/45 :

يحدد هذا القانون اختصاصات وزير العدل في المواد التالية: 6- 9- 14-26- 29- 30-32-37-39-

قانون مهنة المفوضين القضائيين رقم 03/81:

تحدد اختصاصات وزير العدل في المواد التالية: 8-9-12-13-20-25-41-48-

قانون خطة العدالة رقم 03/16:

تحدد اختصاصات وزير العدل في المواد التالية: 1-2-3-4-5-10-14-15-16-22-24-29-31-34-36-37-39-45-

قانون مهنة النساخة رقم 00/49:

تحدد اختصاصات وزير العدل في المواد التالية: 2-8-10-19-20-21-33-35-42-

قانون الجنسية المغربي:

الفصل 9: أولا- اكتساب الجنسية المغربية عن طريق الولادة في المغرب والإقامة به:

 يكتسب الجنسية المغربية كل ولد مولود في المغرب من أبوين أجنبيين مولودين هما أيضا فيه بعد إجراء العمل بظهيرنا الشريف هذا بشرط أن تكون له إقامة اعتيادية ومنتظمة بالمغرب وأن يصرح داخل السنتين السابقتين لبلوغه سن الرشد برغبته في اكتساب هذه الجنسية مالم يعارض في ذلك وزير العدل طبقا للفصلين 26 و27 من ظهيرنا الشريف هذا. إن كل شخص مولود في المغرب من أبوين أجنبيين وله إقامة اعتيادية ومنتظمة في المغرب، وكان الأب قد ولد هو أيضا فيه يكتسب الجنسية المغربية بتصريح يعبر فيه عن اختياره لها فيما إذا كان هذا الأب ينتسب إلى بلد تتألف أكثرية سكانه من جماعة لغتها العربية أو دينها الإسلام وكان ينتمي إلى تلك الجماعة، وذلك مع مراعاة حق وزير العدل في المعارضة طبقا لمقتضيات الفصلين 26 و27.

ثانيا- اكتساب الجنسية المغربية عن طريق الكفالة:

يمكن للشخص المغربي الجنسية الذي يتولى كفالة مولود ولد خارج المغرب من أبوين مجهولين مدة تزيد عن خمس سنوات، أن يقدم تصريحا لمنح المكفول الجنسية المغربية، ما لم يعارض في ذلك وزير العدل طبقا للفصلين 26 و27 من هذا القانون. غير أنه يمكن للمكفول الذي توافرت فيه الشروط المذكورة أعلاه، والذي لم يتقدم كافله بتصريح بعد مرور خمس سنوات على الكفالة، أن يقدم بصفة شخصية تصريحا للحصول على الجنسية المغربية خلال السنتين السابقتين لبلوغه سن الرشد، وذلك مع مراعاة حق وزير العدل في المعارضة طبقا للفصلين المذكورين أعلاه.

الفصل 10: اكتساب الجنسية المغربية عن طريق الزواج

يمكن للمرأة الأجنبية المتزوجة من مغربي بعد مرور خمس سنوات على الأقل على إقامتهما معا في المغرب بكيفية اعتيادية ومنتظمة أن تتقدم أثناء قيام العلاقة الزوجية إلى وزير العدل بتصريح لاكتساب الجنسية المغربية. لا يؤثر انتهاء العلاقة الزوجية على التصريح المقدم من طرفها قبل انتهاء تلك العلاقة.

يبت وزير العدل في التصريح المقدم إليه داخل أجل سنة من تاريخ إيداعه، ويعتبر عدم البت داخل هذا الأجل بمثابة معارضة….. غير أن التصرفات القانونية التي سبق للمعنية بالأمر أن أبرمتها طبقا لقانونها الوطني قبل موافقة وزير العدل تبقى صحيحة……….

الفصل 19: حالات فقدان الجنسية ………….. يعبر بواسطة تصريح يقدم لوزير العدل، عن رغبته في الاحتفاظ فقط بجنسية أحد أبويه ….. أن تعبر بواسطة تصريح يقدم لوزير العدل عن رغبتها في احتفاظ ابنها بجنسية أحد أبويه. ويحق للمعني بالأمر أن يعبر عن عدوله عما صرحت به أمه بخصوص الاحتفاظ بجنسية أحد الأبوين بواسطة تصريح يقدم لوزير العدل وذلك ما بين الثامنة عشرة والعشرين من عمره. ويسري أثر الاحتفاظ المعبر عنه ابتداء من تاريخ التصريح المقدم بكيفية صحيحة من طرف المعني بالأمر أو أمه.

الفصل 25: إيداع الطلبات والتصريحات، إن الطلبات والتصريحات المقدمة لاكتساب الجنسية المغربية أو لفقدانها أو التنازل عنها وكذا استرجاعها ترفع إلى وزير العدل مصحوبة بالشهادات والوثائق والمستندات التي من شأنها:

الفصل 26: عدم القبول – الرفض والتعرض: إذا كان الطلب أو التصريح غير مستوف للشروط القانونية فإن وزير العدل يعلن عن عدم قبوله للطلب أو التصريح بموجب مقرر مدعم بأسباب يبلغ للشخص المعني بالأمر. وإذا كانت الشروط القانونية متوفرة فإن وزير العدل يمكنه بموجب مقرر…….  

الفصل 27: أجل البت في التصريح: يبت وزير العدل في التصريحات المقدمة إليه داخل أجل سنة ابتداء من تاريخ ثبوت التصريح ويعد عدم البت داخل الأجل بمثابة معارضة.

الفصل 32: إثبات الجنسية المكتسبة: إذا كانت الجنسية المغربية مكتسبة بمقتضى ظهير شريف أو بموجب مرسوم يجب إثباتها باستظهار نظير منه أو نسخة من الظهير الشريف والمرسوم يسلمها وزير العدل.

وفي حالة ما إذا كانت مكتسبة بمقتضى معاهدة فيجب أن يتم الإثبات طبقا لهذه المعاهدة.

الفصل33: شهادة الجنسية: تثبت الجنسية المغربية بالإدلاء بشهادة الجنسية المغربية يسلمها وزير العدل أو السلطات القضائية أو الإدارية التي يعينها الوزير لهذا الغرض.

الفصل 34: إثبات فقدان الجنسية والتجريد منها……..

 عنها المنصوص عليه في الفصل 18 أعلاه فإن إثبات الفقدان يتم الإدلاء بشهادة من وزير العدل …..

الفصل 44: إجراءات انتقالية: يحق للأشخاص المزدادين قبل تاريخ نشر هذا القانون والمخولة إليهم الجنسية المغربية بمقتضى أحكام فصله السابع أن يتنازلوا عن هذه الجنسية بواسطة تصريح يدلون به إلى وزارة العدل داخل أجل غايته سنة واحدة تبتدئ من تاريخ العمل بهذا القانون مع مراعاة حق وزير العدل في المعارضة طبقا لأحكام الفصلين 26 و27 أعلاه…… 

الفصل 45: مقتضيات استثنائية: إن كل شخص أصله من بلاد يتألف سكانها من جماعة لغتها العربية أو دينها الإسلام وينتسب إلى تلك الجماعة، يخول له هذا القانون مع مراعاة حق وزير العدل في المعارضة طبقا لأحكام الفصلين 26 و27 أعلاه………… مع مراعاة حق وزير العدل في المعارضة طبقا لأحكام الفصلين 26 و27 أن يصرح باختياره الجنسية المغربية داخل أجل سنة واحدة تبتدئ من تاريخ نشر المرسوم الذي تعين بموجبه المناطق المجاورة للحدود المغربية.

  قانون مهنة المحاماة رقم 08/28:

 على خلاف باقي المهن التي تدخل في إطار مساعدي القضاء, فإن مهنة المحاماة وإن كانت في مادتها الأولى تنص على أنها تساعد القضاء, وتساهم في تحقيق العدالة, والمحامون بهذا الاعتبار جزء من أسرة القضاء, فإنه بقراءة هذا القانون وجميع النصوص والمراسيم الأخرى المنظمة لهذه المهنة, لا نجد موادا تحدد اختصاصات وزير العدل, على غرار باقي المهن الأخرى, وعلى غرار النظام الأساسي لرجال القضاء, الذي خصه بثمانية عشر فصلا، تحدد اختصاصاته الواسعة التي يمارسها على القضاة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الساهرين على شأن ومسار هذه المهنة استطاعوا أن يتخلصوا من كل رقابة محتملة لوزير العدل عليهم, ابتداء من معاهد التكوين التي جعلوها تابعة للنقابات إلى باقي الممارسات الأخرى الصادرة عن المحامي, بل الأكثر من هذا، فإنه نظرا للمناشير والدوريات المتكررة الصادرة عن وزارة العدل, فقد دأبت النيابات العامة على عدم تحريك أي متابعة ضد محامي إلا بعد إخطار وزارة العدل وانتظار جوابها في الموضوع, كما أنه بالرجوع للمادة 59 من قانون المحاماة, المذكورة في الباب الخامس المعنون بحصانة الدفاع, التي تنص على ما يلي:

 لا يمكن اعتقال المحامي أو وضعه تحت الحراسة النظرية إلا بعد إشعار النقيب، ويستمع إليه بحضور النقيب أو من ينتدبه لذلك.

لا يجرى أي بحث مع المحامي، أو تفتيش لمكتبه، من اجل جناية أو جنحة ذات صلة بالمهنة، إلا من طرف النيابة العامة أو قاضي التحقيق وفق المقتضيات أعلاه. لا يمكن تنفيذ حكم إفراغ مكتب محام إلا بعد إشعار النقيب، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان مصالح موكليه.

 فإن الضمانات القانونية القوية المخولة للمحامي بشأن الاعتقال والوضع تحث الحراسة والتفتيش والإفراغ, أسالت أقلام وتساؤلات فقهاء القانون حول مضامينها, كما كانت موضوع بحث من طرف مديرية الشؤون الجنائية والعفو, لإلقاء الضوء عليها وتحديد مجال تأويلها وتطبيق مقتضياتها, وهذا يطرح سؤالا عريضا حول السياسة الجنائية التي ينفذها وزير العدل, هل هي حكر على جهات معينة من أسرة العدالة أم أنه يجب تعميمها على جميع المنتمين لهذه الأسرة, إذ يلاحظ في مشروع إصلاح خطة العدالة الذي انطلق سنة 2012, تحث الرعاية السامية لجلالة الملك, وبمبادرة من وزير العدل, حضور قوي للمحامين, مما يؤكد أن هذه المهنة معنية بشكل كبير بهذا الإصلاح, فلماذا بقي وزير العدل خارج سياجها الوظيفي, رغم اختصاصاته الواسعة في مجالات أخرى,

– فهل يستطيع وزير العدل القيام بكل هذه المهام المسندة إليه؟

– وهل من خلال هذه المهام يستطيع تسطير سياسة جنائية ناجحة؟

– وهل وزير العدل وحده المكلف بوضع السياسة الجنائية لبلده؟

– ولماذا لا نرى مناشير توزع على المسؤولين لمكافحة ظاهرة معينة؟

فمثلا يلاحظ مؤخرا, تفاقم ظاهرة السرقة عن طريق القوة, باستعمال السلاح الأبيض أو العنف أو التعدد أو الناقلة أو التهديد أو استغلال ظرف الليل أو التسلق, وهذه ظروف مشددة ترفع جنحة السرقة إلى جناية, ورغم تعالي أصوات الجمعيات والهيئات والأشخاص, احتجاجا على هذا الوضع الأمني المتردي, الذي تؤكده الشكايات المتعددة ومذكرات البحث ضد مجهول وتضرر المواطنين في أجسامهم وأموالهم, فلا زلنا نلاحظ أن أغلب النيابات العامة بمحاكم الاستئناف, تنهج سياسة التجنيح في هذه الجنايات, ولم يتم تشكيل فرق عمل متخصصة من طرف كل المسؤولين على القطاع لمحاربة الظاهرة, كما لم يتم تشريع أي مواد قانونية تعاقب من يساعد هؤلاء المجرمين على أفعالهم, كمن يصنع لهم سيوفا معدة خصيصا للاعتداء وترهيب المواطنين, ومن يبيع أقنعة معدة لإخفاء وجه ومعالم المجرم, وانتشار أسواق متخصصة في ترويج المسروقات, وعدم تثبيت كاميرات للمراقبة والترصد, وعدم تعديل القانون الخاص بالبطاقة الإلكترونية لحث المواطن على التبليغ عن تغيير عنوانه كلما اقتضت الظروف ذلك, وعدم إدراج برامج إذاعية توعي المواطنين, وتشركهم في محاربة ظاهرة الجريمة بالتبليغ عن كل حالة اشتباه, وإدراج برامج تربوية بالمدارس لتربية الناشئة على الخلق السوي والمواطنة, وتكريس اجتهادات قضائية عقوباتها تحقيق الردع بنوعيه الخاص والعام, وتقضي بتعويضات تتلاءم وحجم الضرر وخطورة الإصابات, فيعمل وزير العدل في إطار هذه الاختصاصات الممنوحة إليه, على فتح خلايا لحل الأزمة وتوجيه تعليماته الكتابية لمختلف النيابات العامة, لتكثيف الجهود لمحاربة الظاهرة والتصدي لها بالمكافحة, والتنسيق مع مختلف الوزارات والمصالح المعنية لتوحيد العمل, والتقدم أمام البرلمان بمشاريع القوانين الهادفة للقضاء على هذا الجنوح, مع إشعار السلطة التشريعية بخطورة الأمر وتحميلها مسؤولية التأخير المحتمل, فبهذا يكون وزير العدل قد ساهم بشكل إيجابي من خلال هذه السياسة الجنائية في القضاء على الظاهرة الإجرامية, التي قضت مضجع المواطنين واستطاع من خلال هذه الاستراتيجية الوزارية أو الحكومية, أن يحقق الهدف من السياسة الجنائية, هذه الكلمة التي يتشدق بها كل متكلم, وتسمعها في الخطابات دون أن تلامسها على أرض الواقع لأنها أكبر من أن تكون موضوع شعارات, أو تقاس بواسطة أعمال بسيطة ومحتشمة, بل هي مشروع مجتمع بكامله, تبدأ من إرادة قوية واهتمام شمولي ومبادرة وطنية وإشراك كلي وتشريع متسلسل, مرجعيته ثوابت الأمة وما استقرت عليه من أحوال اجتماعية.

السياسة الجنائية ومقاربة النوع:

تلتقي السياسات الجنائية لكل الدول حول هدف واحد, وهو مكافحة الجريمة وتقويم الانحراف, فإذا كانت السلط الثلاث للدولة – التشريعية التنفيذية والقضائية – تنكب على الحد من الجريمة والوقاية منها وزجر مرتكبيها, فإن تقويم الانحراف يدخل ضمن مهام المجتمع المدني, الذي عليه الانكباب على دراسة الظاهرة ومحاولة وجود حلول لها مستمدة من ثوابته وأخلاقياته وأعرافه, مادام أن هذا الانحراف لم يصل لدرجة التجريم, فما هو الانحراف وما هي تعريفاته, لنتمكن من رصد هذه الظاهرة, التي تعتبر مشتلا للجريمة وبدورا لزراعة الإجرام.

– الانحراف هو الخروج عن المعايير الاجتماعية أو الأهداف العليا للمجتمع سواء من جانب الأشخاص أو النظم الاجتماعية أو التنظيمات المجتمعة,

– الانحراف هو الخروج عن جادة الصواب ، والبُعد عن الوسط المعتدل ، وترك الاتزان.  

– الانحراف هو ذلك النوع من الفكر الذي يُخالف القيم الروحية والأخلاقية والحضارية للمجتمع ، ويُخالف الضمير المجتمعي، وهو ذلك النوع من الفكر الذي يُخالف المنطق والتفكير السليم,   ويؤدي إلى ضرب وتفكك وحدة وكيان المجتمع.

فبالنظر إلى هذه التعاريف نجدها تصب في مفهوم واحد, هو أن الانحراف يبقى ذلك السلوك الخارج عن العادة والخادش للحياء العلني, وهذا ما تسعى كل حضارة إلى القضاء عليه متى أصبح جريمة, من خلال سن تشريعات عقابية, علما أن ما يعتبر إخلالا في بلد قد لا يكون كذلك في آخر لاختلاف الثقافات, لكن المقاربة هنا تلتقي في الغاية وتختلف في الوسيلة وطرق العلاج, فكل الأنظمة تسعى لإقرار العدل والمساواة بين كل مكونات المجتمع, وتنزيل قوانين ومبادئ لخلق روح تعايش وانصهار بين المواطنين, ساعية في ذات الوقت إلى نبد التنافر والاختلاف الهدام الذي يكرس التطرف في طرق التفكير والتصرف.

وإذا رجعنا إلى علم القانون المقارن le droit compare وخصوصا منه، القانون الجنائي المقارن, Le droit pénal compare، ما دام أنه القانون الأول المرتبط بالسياسة الجنائية, فإننا نلاحظ أنه يرتكز في تحليله على إجراء المقاربات وكشف الاختلافات من خلال إجراء مقارنة بين القوانين الجنائية للدول, من حيث التجريم ومن حيث العقاب, لكشف الاختلاف بين ما تم تجريمه في قانون معين وما أغفل في الآخر, وبين ما تم التشديد عليه في العقوبة في هذا القانون, ولم يتم في الآخر, ولكن هذه المنهجية لن تفيد في دراسة ظاهرة الإجرام, وطرق القضاء عليها من خلال الاقتداء بتجربة الآخر, لأنه متى اختلفت الغايات اختلفت معها الوسائل, ومتى اختلفت أرضية الاشتغال اختلفت معها طرق التأسيس, وهذا يعطينا مفهوما واضحا هو أنه لا يمكن الاقتداء بتجربة الغير في مجال السياسة الجنائية, ومحاولة إلباسها على واقع وطني مختلف عقائديا واجتماعيا وإيديولوجيا, بل لا بد من أن تكون السياسة الجنائية منتوجا وطنيا بامتياز, ولا ضير إن تم الاطلاع على تجارب الآخر, في إطار توسيع الرؤيا والاستفادة من أخطاء التجربة المقارنة.

العقوبات الزجرية التقليدية:

  انتقل مفهوم العقوبة عبر التاريخ و الحضارات المقامة من طرف بنو البشر, من تطهير روح المجرم الآثمة جراء اقترافها ذنب الإجرام, إلى مبدأ المعاملة بالمثل وذلك بإنزال عقاب مماثل للجرم, لا فرق في ذلك بين من كان تحث تأثير استفزاز أو خوف أو تهديد, أو له ظروف تخفيف أو تشديد أو إعفاء من المسؤولية حتى, المهم أن العقوبة كانت تصدر في شكل قصاص, ثم تطورت عبر الزمن والتجربة, إلى أن رقت لمجرد تحقيق الردع والتخويف في نفس الفاعل, لتستقر أخيرا في شكل الحرمان من الحرية, عن طريق حبس الجاني أو سجنه أو إكراهه بدنيا, أو حرمانه من التجول, كالإقامة الإجبارية أو الإبعاد أو الترحيل, أو المس بذمته المالية كالاقتصاص من ماله عن طريق الغرامات, لتتظافر الجهود والنظريات عبر التجربة القانونية والقضائية, للعمل على تقويم سلوك الجاني وإعادة إدماجه في المجتمع وتأهيله مهنيا. فأصبحت المؤسسات السجنية تهتم بتأهيل السجناء والعمل على إعادة إدماجهم في المجتمع، واحتضان الأحداث الجانحين في إطار حرية محروسة ومراكز تهديب., إيمانا منها بأن كل جان فهو جزء من المجتمع لا يمكن التخلي عنه أو إقصائه، مادام أنه نتاج لهذا المجتمع نفسه.

العقوبات البديلة المحدثة:

تبلغ أهمية العقوبة في الدراسات الجنائية الحدَّ الذي تأثرت به تسمية القانون, بالجنائي أو القانون الجزائي نسبة للجزاء, أو قانون العقوبات نسبة إلى العقوبة, إذ لا معنى لتجريم بلا عقاب يقترن به, وبتغير نظرة المجتمع للمجرم تغيرت العقوبة وظهرت عقوبات بديلة في إطار عدالة تصالحية, أصبحت تؤمن بملاءمة المتابعة والصلح والتحكيم والوساطة والسند التنفيذي والغرامات الإدارية, ووقف سير الدعوى العمومية والإعفاء من الشكوى, والمتابعة في حالة سراح مقابل ضمانة مالية أو شخصية ثم الحرية المحروسة, وفي مجال النيابة العامة التي تتابع إذا شكت, فإنها بدورها نهجت سياسة ترشيد المتابعات, وأصبحت تحفظ الشكايات والمحاضر, لعدم كفاية الأدلة أو حفاظا على الروابط العائلية أو لتفاهة الشيء موضوع الشكوى أو لانعدام الضرر, أو لتنازل المشتكي رغم أن التنازل لم يكن شرطا لسقوط الدعوى العمومية, أو لعدم تأكيد شكايته مما يؤكد أنه أصبح غير راغب في مواصلة الدعوى, وكل هذا يدخل بطبيعة الحال في إطار ملاءمة المتابعة, الذي تتحرى من خلاله النيابة العامة, الترجيع بين الحق في المتابعة والتكاليف أو المكاسب المحققة من وراءها, كل هذا في إطار نفس السياسة التصالحية, التي تتحاشى متابعات قد تحدث أضرارا أكثر من أنها ستقوم انحرافا, وذلك للحد من لغة السجن والحبس والاعتقال واستبدالها بعقوبات بديلة تحقق نفس الغاية أو غاية أفضل من تقييد حرية الجاني, وهنا نجد الأنظمة الأنجلو سكسونية قد قطعت شوطا مهما في هذا المجال, إذ تعطي للقاضي الحق في إقرار عقوبات تدخل في إطار الخدمات الاجتماعية, كالاشتغال بمصلحة التنظيف التابع للبلدية, أو المؤسسات الخيرية أو الاجتماعية, أو تقديم خدمة معينة للضحية نفسها جبرا لها عن الضرر اللاحق بها من فعل الجاني, وهذا لأن الجرم في أساسه لم يكن بالخطورة التي ترقى لحبس الجاني, أو لأن حبسه ما كان ليحقق الغرض من العقوبة المحكوم عليه بها, فتكون العقوبات البديلة هي الحل الأنسب للأطراف الثلاثة في الجريمة وهي : الجاني المجني عليه والمجتمع ممثل في النيابة العامة.

عقوبة الإعدام:

كانت عقوبة الإعدام في العدالة الجنائية تدخل ضمن “التكفير عن الإثم” ومنطق القصاصَ عينٌ بعين وسنٌّ بسن ثم موتٌ بموت، لتتطور في مضمونها إلى نص قانوني نابع من إرادة تشريعية،

ولأن رهان مسألة عقوبة الإعدام هو خيار مجتمعيٍّ حقيقي، مرجعيته ثوابت الأمة بدينها وأعرافها ومفهومها الحضاري، الشيء الذي جعلها تصمد وتقاوم التاريخ، منذ قانون حمو رابي الذي كان أول تشريع أقرها إلى يومنا هذا، وإذا كانت بعض الدول والمنظمات تنادي بإلغائها انطلاقا من أن الديموقراطية تهدفُ إلى وضع العنف خارج إطار القانون، وأن الإعدام هو قضاء على حرمة الحياة وكرامة الإنسانية، معتمدين في ذلك على مبادئ يعتبرونها سببا للقول بالتخلي عن عقوبة الإعدام أهمها:

– أن الدولة لم تمنح الفرد حق الحياة حتى يخول لها إزهاق روح إنسان في شكل الإعدام.

– جسامة الضرر الناتج عن عقوبة الإعدام والذي لا يتناسب مع جسامة الجريمة المرتكبة.

– أن الأحكام تصدر عن بشر وهم معرضون للخطأ والذي لا يمكن جبره في حالة تنفيذ عقوبة الإعدام.

– أن العقوبة تهدف إلى إصلاح الجاني وتهذيبه ليعود عضواً صالحاً في الجماعة، وهذا لا يتحقق بالنسبة لعقوبة الإعدام والتي تستأصل المحكوم عليه من الجماعة كلية.

لكن أول من خرق هذه المبادئ هو ذلك الجاني الذي أزهق روح الضحية وحرمه الحياة، علما أنه لم يكن هو من منحه إياها في أول الأمر، وأن جسامة القتل هي أفظع من عقوبة الإعدام، لأن الأولى همجية والثانية بمقتضى عقد اجتماعي ودستور شرعي وحكم قانوني لم يكن لولا وجود الجريمة، ثم إن هذا الجاني مس بكرامة الضحية كإنسان، باستعمال عنف خارج الإطار القانوني في جريمة اهتز لها الرأي العام واخترقت حرمات الدساتير وغاب الأمن وتوارت السكينة، فمن الأحرى بالمساءلة.

وبالرجوع للتشريع المغربي نجده يستمد مصادر قانونه من الدين الإسلامي، طبقا للفصل الأول من الدستور الذي ينص على ما يلي:

نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية، ديمقراطية برلمانية واجتماعية.

يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. تستند الأمة في حياتها العامة على ثوابت جامعة، تتمثل في الدين الإسلامي السمح، والوحدة الوطنية متعددة الروافد، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي. التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة.

لهذا نجده يقر عقوبة الإعدام في قوانينه الجنائية، استنادا لمرجعيته الدينية

الممتدة من ثوابت الأمة، فالقرآن تطرق لمسألة القصاص في عدد من السور، نذكر منها، قول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب اليم. سورة البقرة آية 178. وقوله عز من قائل: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون. سورة البقرة آية 179  

وقد حمى القرآن الكريم النفس البشرية وكرمها, وجعل قتلها أو القضاء عليها من الكبائر, التي تخرج المعتدي من الإسلام إلى الكفر في الدنيا، وتجعل مصيره في الآخرة جهنم, وهذا لتهويل أمر القتل وردع كل من سولت له نفسه ذلك, أن يرعوي قبل الإقدام على جريمته، وهذا ما تهدف إليه العقوبة في الإسلام, إذ ورد في التعريف الإسلامي لها “أنها زواجر قبل الفعل جوابر بعده”، فأما كونها زواجر فلأنها تزجر لقسوتها من يفكر بارتكاب المخالفة وتنذره بعاقبة فعله، فهي زاجرة رادعة، وأما كونها جوابر فلأن العقوبة المعجلة في الدنيا تجبر أي تلغي العقوبة في الآخرة أي تسقطها، لأن مقتضى الرحمة الإلهية أن من عذّب في الدنيا فقد نال جزاءه، وذلك بشرط التوبة والإنابة والندم على ما اقترف. وقد ذهب القرآن لأكثر من ذلك إذ اعتبر أن قاتل النفس الواحدة كأنه قتل كل الناس، مصداقا لقوله: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون. سورة المائدة آية 32. فلابد إذن من الإبقاء على هذه العقوبة، خصوصا في جريمة القتل بالأخص، والتي لاحظنا ارتفاعا لها مهولا في السنوات الأخيرة، وما يسترعي الاهتمام أنها أصبحت ترتكب بكل بساطة ودون أي سبب قوي أو حالة استفزاز مؤثرة أو مقاومة هجوم إلى غير ذلك من الأسباب التي لا تبرر الفعل بطبيعة الحال، ولكن على الأقل قد تدخل في التماس ظروف تخفيف في الحكم. كما انتشرت في لغة الشارع عبارات التهديد بالقتل مادام أن العقوبة لن تتجاوز السجن المؤبد أو المحدد، وهذا أمر بالخطورة بما كان إذ أصبح المجرمون يستبيحون دماء المواطنين ويعبثون بحياتهم التي حماها الله والشرع والدستور وكل القوانين. والمسألة هنا لا تقف عند الحكم بعقوبة الإعدام من عدمها، بل لابد من تنفيذها بعد الحكم بها وذلك لتحقيق الردع بنوعيه، الردع الخاص المتمثل في معاقبة المجرم عن فعله الذي هتك من خلاله كل المواثيق، واعتدى على حياة الضحية وحرمه من حقه في الحياة، والردع العام الذي سيعتبر منه كل مواطن، ويعلم من خلال تنفيذ تلك العقوبة أن مآل كل مستهتر بالقانون وبحياة الأشخاص يكون ذاك مصيره. فلابد من الانكباب على المسألة بكثير من الدرس والتحليل وفتح موائد النقاش والتنظير، للبحث عن الطرق الناجحة في القضاء على جريمة القتل ومكافحة انتشارها بشكل يحد منها.

التفاوض على الاعتراف:

أصبح نظام التفاوض على الاعتراف أو الاعتراف بالمقايضة كما يسمى في بعض الدول التي تعمل بمقتضاه، يفرض نفسه في إطار العدالة التفاوضية، وذلك لما فيه من مصلحة لطرفي الدعوى العمومية، وهما الحق العام والجاني, فإذا كان هذا الأخير مقابل اعترافه بما اقترفه، يستفيد من عقوبة مخفضة أو عقوبة محددة مسبقا بالتفاوض، فإن الحق العام ممثل في النيابة العامة يضمن من جهة عدم إفلات الفاعل من المتابعة وإنزال العقاب به، ومن جهة أخرى تجنبه عناء البحث عن وسائل الإثبات، وإنكار الجاني للجريمة أمام المحكمة، إنكارا يستحيل معه على سلطة الاتهام، دحضه وتفنيده بأدلة دامغة ترقى لإدانته، ولا غرابة أن هذه النظرية – التي يقال عنها، أنها من أحدث ما وصلت إليه السياسات الجنائية في الدول الرائدة في مجال التشريع والعقاب – تجد أساسا لها في الدين الإسلامي، قال الله في كتابه الحكيم: ((وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون )) سورة الأنفال، وقال عز من قائل في الحديث القدسي: ( يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم)، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم :

(كلُّ ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وفي هدا تشجيع على الاعتراف، كما أن المشرع المغربي حفز الجناة في عدد من فصول القانون الجنائي على التبليغ عن الجرائم مقابل الإعفاء من العقوبة، كما هو الشأن بالنسبة للفصل 296 وغيره. والسلام عليكم ورحمة الله.

تاريخ الإصدار سنة 2014 قبل التعديل الأخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!