تصدير الأفوكادو من المغرب إلى أوروبا: بين ندرة المياه والأولويات المشوهة.

الوطن 24/ بقلم: عبد الهادي العسلة
في عالم يزداد فيه التوتر البيئي ويصبح الماء موردًا أكثر ندرة وحيوية، يجد المغاربة أنفسهم أمام مشهد يستفز العقول والضمائر. حيث تغادر مئات الشاحنات المحملة بالأفوكادو حقول المغرب الخضراء متجهة إلى أوروبا، في حين يعاني المواطن العادي من أزمة متفاقمة في الحصول على مياه صالحة للشرب والاستخدام اليومي.
ما الذي يحدث هنا؟ كيف يمكن لبلد يعاني من ندرة المياه أن يصدر محاصيل زراعية تتطلب كميات هائلة من هذا المورد الحيوي؟ تشير التقديرات إلى أن زراعة كيلوغرام واحد من الأفوكادو تتطلب ما يقرب من 2000 لتر من الماء. ومع ذلك، تصدر المغرب أكثر من 80 ألف طن من هذا المنتج إلى الأسواق الأوروبية، محققة بذلك أرباحًا هائلة على حساب احتياجات شعبها الأساسية.

الأولويات الاقتصادية المشوهة
يبدو أن الأولويات في المغرب قد انحرفت بشكل كبير، حيث يتم توجيه الموارد المائية النادرة نحو الزراعة التصديرية بدلاً من تأمين احتياجات المواطنين من المياه. إن هذه السياسة الاقتصادية لا تخدم إلا مصلحة الشركات الكبرى والمستثمرين الذين يستغلون الأراضي والموارد المائية لتحقيق أرباح شخصية على حساب المجتمع والبيئة.
الأمر الأكثر سخرية هو التبريرات التي تُقدَّم للمواطنين. في الوقت الذي يتم فيه استنزاف المياه من أجل إنتاج محاصيل تُصدَّر للخارج، يُطالَب المواطنون بتقليل استخدام المياه في حياتهم اليومية، بل ويُلقى باللوم على سلوكياتهم الفردية كسبب رئيسي في ندرة المياه. حتى أن البعض يروج لفكرة أن الوضوء، هذا الفعل الديني البسيط، يساهم في أزمة المياه، متجاهلين تمامًا الاستنزاف الضخم الذي تقوم به الشركات الكبرى.

الندرة المصطنعة والتناقضات
لا يمكننا تجاهل التناقض الواضح بين السياسات الزراعية القائمة على التصدير وبين الخطاب العام الذي يحاول تحميل الأفراد مسؤولية الأزمات البيئية. إن الحديث عن ندرة المياه يصبح غير منطقي عندما نعلم أن الموارد تُستنزَف من أجل زراعة محاصيل تُصدَّر بعيدًا عن الفقراء الذين يعيشون في تلك الأراضي ويعانون من آثار الاستنزاف البيئي.
الحقيقة هي أن هذه السياسات تخلق ندرة مصطنعة، تُستخدم كذريعة لتبرير إجراءات تقشفية تُفرض على المواطنين العاديين، بينما تُترك الشركات الكبرى حرة في استغلال الموارد كما تشاء.

الطريق نحو تغيير حقيقي
يجب أن يُعاد النظر في السياسات الزراعية المغربية لتضع مصلحة المواطن والبيئة في المقدمة. لا يمكن أن تستمر هذه الأولويات الاقتصادية المشوهة التي تضع الأرباح فوق كل اعتبار. إن مستقبل البلاد يعتمد على اتخاذ قرارات مسؤولة تجاه إدارة الموارد المائية والزراعية، بحيث تخدم المجتمع بأكمله وليس فقط فئة قليلة.
في النهاية، يجب أن نتساءل: كيف يمكن للبلد أن يزدهر إذا كان أساسه منخورًا؟ كيف يمكننا أن نلوم الفقراء على ندرة المياه بينما يتم تصديرها بشكل غير مباشر عبر المنتجات الزراعية إلى الخارج؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات صادقة وإصلاحات جذرية، وليس مجرد شعارات فارغة.

