البوجادي

الوطن 24/ إعداد: محمد الشطبي

لأول مرة في تاريخ ادب السجون المغربية سيلتقي القارئ بمشروع كتاب سيرى النور قريبا يتناول فيه المعتقل محمد الشطبي الذي مازال قابعا في السجون منذ17سنة مجموعة قصص يتناول فيها عواطف السجناء وأفكارهم ووصف حالاتهم الوجدانية. يحاول نثرها عبر مجموعة من الصور. الملفت أن محمد الشطبي ينسى الحكي عن نفسه أو لنقل أنه قتل صوته المخنوق ليترك أصوات الآخرين تتكلم. كأنه يريد القول ماذا يعني أن أكتب عن نفسي وعن ظلمة الزنزانة وعن وحشية السجان ماذا يعني أن أكرر ماكتبه قبلي مجموعة من السجناء. ماذا يعني أن أحكي عن التعذيب وعن الترحيل وعن القهر والحرمان. حكايات تكررت ولكن الشىء الذي لم يتكرر هو أن يحكي محمد الشطبي عن الآخر الذي تقاسم معه الزنزانة بل زنازين بالنظرإلى مجموعة السجون التي رحل إليها وهذا الآخر يختلف معه في التهمة وفي التوجه وفي الإيديولوجية الكتاب سيثري المكتبات لأنه بإختصار كتاب معتقل إسلامي لم ينسى الذين عاشوا معه.

أول كلمة قد تطرق مسامع ضيف السجن الجديد ويتصف بها رغما عن أنفه منذ اول يوم يلج فيه المقام. و(تابوجاديت) مرحلة لاتنفك عن نزيل السجن ولاينفك عنها، كمرحلة من مراحل التطور الحبسية. يمكن تشبيهها بفترة الحبو عند الطفل أو تعلم نطق الكلمات الأولى في الحياة. وليست رهينة بمغادرته غرفة (لبواجدة)، بل قد تضل لصيقة به لمدة تطول أو تقصر بحسب خبرته في مقاومة (تابوجاديت) ونفيها عنه وإنسلاخه منها. وهذا اللقب ليس خاصا بالسجناء والجنود الجدد كما قد يُتَوَهَم. ففي عرفنا اللغوي المغربي، كل جديد مبتدئ فهو بوجادي، في كل مجال. لكن لماذا صار إسم (البوجادي) لصيقا بالسجناء والجنود الجدد فقط، حبيس الثكنات والسجون دون غيرهما!!!! لماذا لانسمع مثلاً: الطالب البوجادي والطبيب البوجادي والوزير البوجادي…!!! أعتقد – ولا أجزم – أن السبب واضح جلي وهو أن السجناء والجنود الجدد هم وحدهم من يذوقون مرارة (تابوجاديت) الحقيقية وانعكاساتها، وكثيرون منهم يتحدد مسارهم المستقبلي وشخصياتهم في عالمهم الجديد الذي ولجوه من خلال إحسانهم تدبير مرحلة (تابوجاديت) أوالإخفاق فيها. أصل المصطلح قرأت يوما في كتيب ماتع لكاتب مغربي لم أعد أذكر إسمه ولاعنوان الكتاب. وموضوعه الكلمات الدارجة المغربية ذات الإشتقاق والأصل العربي، وأذكرأنني استغربت وجود كلمة بوجادي بينها بنفس المعنى الذي نستخدمها له. أي: قليل الخبرة والحيلة. لكن بعد التطفل على البحث – رغم قلة إمكانياته – في موضوع قاموس المصطلحات السجنية وأصولها وتاريخها، وجدت أن المغاربة لم يستعملوا الكلمة بسبب أصلها العربي ربما، بل هناك سبب آخر، يثبت هذا ويزكيه تاريخ استعمال وشيوع تداولها على اللسان المغربي، فقد انتشر وشاع إستعمال كلمة (بوجادي) على اللسان المغربي الدارج ككثير من المفردات (المعرنسة والمعسبنة) إبان فترة الإحتلال الفرنسي والإسباني، وتحديداً مع سطوع نجم السياسي الفرنسي الشعبوي ” بيير بوجادي _pierre poujade القادم من قرية سان سيرى المغمورة في الجنوب الفرنسي، صاحب الشعار الساحر (لا تدفعوا الضرائب) والذي أحدث حزبه اتحاد الدفاع عن تجار وحرفيي فرنسا ومستعمراتها زلزالا سياسيا قويا حينها، مدعوما من صغار التجار والصناع والحرفيين الذين أغواهم واستمالهم بريق الشعار الجديد وكاريزما صاحبه حتى صاروا يشبهونه ب”جان دارك” الجديد مبعوث العناية ا

مبعوث العناية الإلهية لإنقاذ فرنسا. فحصد 52 مقعداً في البرلمان الفرنسي جل الجالسين عليها كانوا من ذوي الحرف المتواضعة، بقالين، خبازين، حرفيين، تجار خردة…. سمتهم البارزة كانت الطاعة المطلقة للزعيم “بوجاد” أما فلسفتهم فقد لخصها المفكر الفرنسي ” أوسكار برونوفييه” في اعتقادهم أن الفلسفة الحقيقية هي الصدق والحياة المعاشة وليست في الكتب القديمة والنظريات الجاهزة. وبما أن المغرب قد حصل على استقلاله عام 1956 في نفس سنة سطوع النجم بوجاد وحزبه. فإن مصطلح (بوجادي) نسبة للرجل، صار من حينها مرتبطا بالإنسان السادج البسيط إحالة على أنصاره ونوابه في البرلمان الذين كانوا جلهم من ذوي الثقافة المتواضعة والدخل المحدود. كما انتشر المصطلح في نفس الفترة في تونس والجزائر، واستعمل ولايزال لنفس المعنى عندهم.