العلاقة بين الإسلام و الغرب: أين الخلل؟

الوطن 24/ بقلم: نور الدين الحاتمي
لا يحتاج الحديث عن العلاقات المتوترة بين الإسلام والغرب إلى تحرير وبيان، فالإشارة إلى الطابع الصدامي والحربي الذي تتلون به هذه العلاقة، من الوضوح بمكان، إلى حد أن التصريحات التي تصدر عن مثقفيه وسياسييه لا تذر أي معنى للقول بخلاف ذلك. يعترف الغرب، بشهادات عدد من مثقفيه ـ أنه لم يعمد إلى تشويه سمعة أي جماعة ثقافية أو دينية أو قومية كما فعل مع العرب، كما قال “نيكولاس فون هوفمان” ولم يعمد إلى إعلان الحرب على أي كتاب ديني مقدس كما فعل مع القرآن، وغزارة إنتاجاته في هذا السياق شاهدة، ولم يتعمد إهانة أي دين أو معتقد كما فعل مع الإسلام، وفق ما نقله “عبد الرحمان بدوي” عن “أدريا رولاند”. فعلاما إذن كل هذا الحقد؟ وإلى ما تعزى كل هذه الكراهية؟ هل من المنطقي أن سر هذا العداء كامن في الخوف من الإسلام أو ما يسمونه “الإسلاموفوبيا”؟ وهل هذه “الإسلاموفوبيا” مبررة و “معقولة”؟
تعتبر هذه الورقة نفسها ردا مباشرا وغير مباشر على هؤلاء الذين يرفضون القبول بفكرة الصراع والعداء الأبديين بين الإسلام والغرب، ويزعمون أن هذا الرأي مرده إلى سوء تفاهم بينهما، ومرجعه إلى أن الغرب لا يفهم الإسلام على حقيقته، ولا يقف، حقيقة، على القيم السلمية والإنسانية، التي يتضمنها، وهذه مسؤولية تقع على عاتق العرب أنفسهم، أي أن يشرحوا الإسلام “الحقيقي” وأن يبينوه لغيرهم، أي للمجتمعات الغربية، وكأن الغرب معني بتلك القيم، وأنه يرفض الإسلام ـ فقط ـ لخلوه منه
إن العرب معنيون وملزمون بالنظر إلى علاقة دينهم بالغرب، من جهتها الواقعية والحقيقية، أي كما هي في الواقع، وليس من زاوية ما يزعمه “العملاء الحضاريون” كما وصفهم” أنور عبد الملك” ممن يخيفهم أن يرفضهم الغرب. فهل السبب في هذا الحقد هو سوء الفهم القائم بينهما كما يروج عدد من ذوي النوايا الطيبة” من المثقفين والباحثين؟
أما أن الغرب يسيء فهم الإسلام، فهذا مما لا شك فيه. وأما أن جل ما تكتبه الأقلام الغربية عن الإسلام ليس إلا مغالطات وأكاذيب وضلالات، فهذا أيضا مما لاريب فيه. ولكن الأهم في الأمر أن الغرب لا يسيء فهم الإسلام، لأنه لم تُتح له الفرصة للتعرف عليه. إن الغرب يتعمد أن يشوه الإسلام، ويتعمد أن يحط من قدر العرب، ويتعمد أن يضع عن القرآن “قدسيته” وهو يفعل ذلك قصدا، وإلا فإن مفكريه وعلماءه بمكنتهم وحسب ما يتوفرون عليه من الأدوات والعدة “العلمية” أن يقفوا عليه وأن يقاربوه المقاربة “الموضوعية” التي تليق به وتليق بهم ك”علماء”. ولكن لماذا يتعمد الغرب ذلك؟ لماذا يتعمد تشويه الإسلام والحط من عصابته وقومه؟ الجواب هنا سهل وبسيط، ولا يحتاج إلى العبارات الملتبسة والغامضة التي لا تفيد شيئا ولا تقدم جديدا. إن الغرب لا يحتفل كثيرا بالعلم من حيث هو كذلك، أي لذاته، وإنما يحتفل به من حيث أهميته في توظيفه ـ أي الغرب ـ في بسط سيطرته والتمكين له في الهيمنة على الوطن العربي، ولذلك يستعمله من أجل ـ وفقط من أجل ـ أن يعرف نقط ومواطن الضعف عند الشعوب والدول التي يتربص بها ويسعى لاحتلالها، كما يقول “جرمان عياش”. إن استثمار العلم والمعرفة في سبيل السيطرة والإخضاع والهيمنة والتحكم أمر لم يعد ممكنا الجدال حوله، وهذا الموضوع الذي بسط المفكر العربي” إدوارد سعيد” القول فيه، وبينه بشكل أكثر تفصيلا وشرحا في كتابه الشهير “الإستشراق”، ولذلك فإن الغرب، وعبر الجيوش من الباحثين و “العلماء” الذين توسل بهم في غزوه الدول العربية والتغلب عليها، لم يكن معنيا إلا بتبرير حملاته العدوانية والاستعمارية وجعلها مشروعة ومقبولة. وهذه الدعوى تجد سندها في كون الغرب لا يقبل أن يعترف بأي فضل للإسلام، ولا يقبل أن يقر بأنه أسس حضارة كانت باهرة وعظيمة، وأنه أنشا نظاما مختلفا كل الاختلاف عن نموذجه، حتى أن عددا من المفكرين العرب انتقد جمهور المؤرخين الغربيين ونبه إلى انهم اسهبوا وبالغوا في الحديث عن منجزات الحضارات الإنسانية غير الإسلامية وسكتوا تماما عن الإسهامات الحضارية العربية والإسلامية ولم يعيروها الاهتمام الذي تستحق، وحتى الذين شذوا عن القاعدة، فإنهم لا يحظون بالاحترام و التقدير اللازمين في بلادهم. كما لا حظ غير واحد من المهتمين.
أقول: إنه يتعمد ذلك حتى يقول أن الشعوب العربية بالخصوص مجرد شعوب همجية وهو إنما يحتلها حتى يدفع بها إلى الخروج من الهمجية والانتقال إلى المدنية والحضارة.
الخلاصة هنا أن الغرب ـ وعبر مفكريه ومثقفيه ـ يعمد إلى تشويه سمعة الإسلام والحط من مكانة أهله، في سياق كسب تأييد من “الرأي العام” الغربي والعالمي، للإعداد لمحاربته والإجهاز عليه، وهذا الأمر ليست فيه أية مبالغة فقد نقل “محمد عابد الجابري” في كتابه ” المسألة الثقافية في الوطن العربي” عن جريدة أمريكية أن تيارا أوسع في الغرب على استعداد ليس فقط، لتأييد حرب اجتماعية باردة على الإسلام ولكن لتبني سياسات تشجع على ذلك، او كما قال. وهذا التيار الآخذ في الاتساع يتغذى على تروجه تلك الصحافة من أن الإسلام ضخم ومخيف وعاد للغرب، حسب المصدر نفسه.
إنه يقنع الرأي العام عنده ـ كما كان يفعل دائما ـ بأن الشعوب العربية متخلفة إلى أبعد الحدود وأن سيطرته عليها وإلغاءه لإرادتها أيضا، ليس إلا عملا نبيلا يسعى به، ومن خلاله، إلى النهوض بها إلى المدنية والحضارة، ولأنه عالم حر وذو رسالة حضارية كبرى، فإن عليه مسؤولية حيال هذه الشعوب.
ولبيان أن الغرب غير مهتم بالعلم من حيث هو، وإنما يهتم به فقط من جهة ما يفيده في مشروعه، نسوق نظرية تقسيم المغرب إلى “أرض المخزن” و”أرض السيبة” التي ذكرها “جرمان عياش” في كتابه “دراسات تاريخية” وقال عنها أنها “أُحدثت لأغراض سياسية معينة ” وليس لها من العلم إلا الدعوى، نسوقها هنا كنظرية، الغرض منها تصوير المغرب على أنه بلاد الفوضى والاضطراب، وبالتالي فإن تدخله يُعتبر مشروعا ومبررا، لأن غايته هي القضاء على الفتن وضمان الاستقرار. يبدو الغرب إذن واضحا في كونه لا يحترم العلم كعلم وإنما يتعامل معه فقط من الناحية الوظيفية والإجرائية، وأنه يسكت عن “العلم” ويتجاهله إذا لم يكن يخدم مصلحته، ويفتعل الأكاذيب ويزعم أنها نظريات إذا لم يجد في ذلك “العلم” ما يسنده.
إذا كان الغرب كذلك، وهو يتعمد المساس بالعرب وتشويه إسلامهم، ولا يعترف لهما بأية “قيمة” أو فضل، فإلى ما يرد ذلك؟ أي لماذا يتقصد الحط من الإسلام والنيل منه ومن المنتسبين إليه؟ يقول “البرت حوراني” في كتابه “الإسلام في الفكر الغربي” ما معناه أن الإسلام، ومنذ ظهوره، شكل تهديدا لأوروبا المسيحية، وكانت أوروبا تنظر إلى المسلمين، كأعداء حقيقيين على تخومها وحدودها، خاصة وأن الجيوش المسلمة التي كانت تقاتل تحت رايته، قد احتلت جزءا مهما من أرضها، وكانت تحديا حقيقيا يؤرقها. إننا نفهم أن الغرب كان يحقد على الإسلام، للتهديد الذي كان يشكله في السابق، في الماضي، ولكن كيف نفهم بقاء هذا العداء واستمرار هذه الكراهية، وإصرار “المثقفين اللقطاء” بعبارة “الجابري” على إنكارها.
إن الجواب عن هذا السؤال كامن في طبيعة الإسلام ذاته، في طبيعته “الثورية” و “التحررية”، في قوته الهائلة وقدرته على التعبئة والتحشيد والتحريض. إنه قوة تعبئة كما يقول “سلطان أوغلو علي”، فالإسلام هو الذي يحول اليوم دون انهيار المجتمعات العربية، وهو الذي يبقيها ثابتة في محاولات الاقتلاع والتذويب في الحضارة الغربية، وهو الذي يمنح أتباعه القدرة على احتقار الحضارة الغربية رغم تفوقها، والتعالي عليها رغم استكبار أهلها.
إن الحقيقة الحقة اليوم، أن الإسلام ـ كإيديولوجيا تحررية ـ هو” الآخر” الحقيقي بالنسبة للغرب، أي العدو الذي لن يتوقف الغرب عن التربص به والتخطيط لمحاربته، ما دام يمنح أتباعه تلك الطاقة الروحية، وما دام يعتبره أهله حصنهم العقدي والثقافي القوي والمكين، والغرب، حينما يحارب الإسلام، لا ينطلق في حربه تلك، من شعار “الحق” و “الباطل” و “الإيمان” و “الكفر” كما تقول الحركة الإسلامية. إن الغرب يحارب الإسلام لأنه يرى فيه خصما عنيدا وعدوا مهددا لمصالحه، والحق، بالنسبة للغرب، هو ما يخدمه وليس كما يشرحه الدين، وإن الباطل ما كان عكس ذلك، وليس أيضا ما يراه الدين كذلك. وهكذا بالنسبة للإيمان والكفر، إنه لا يستثمر في مثلهما إلا في معرض تعبئة الشارع والضغط عليه.
وبعد، فإن هذا النوع من المقالات من اللون الذي قيل فيه الكثير حتى أصبح مستهلكا وبلغ درجة الابتذال، ولكن يبرر الخوض فيه مجددا أن نسبة من المسلمين بلغت من الضعة والهوان على نفسها، أنها متى أقدمت عواصم غربية معينة على استفزازهم، بممارسات فيها مصادرة لحقوقهم ومساس بكرامتهم، هبوا إلى جلد ذواتهم وسب مقدساتهم، وقالوا أن العيب فيهم والتقصير منهم، وقد آن لهم أن يسلموا بأن هذا الصراع هو القانون التاريخي الذي يحكم العلاقة بين الإسلام و الغرب ولن يتغير.
