القبر المنسي (مستمدة من الواقع) “الجزء3”

الوطن 24/ بقلم: فؤاد العنيز
فكرت، مهما كان الأمر فقد أحسست برفقتها ببعض الطمأنينة. شعرت من خلالها بدفء لفحة الأيام الخوالي، حين كنت هناك في دروب حيّنا الطافحة بالحب والفرح.. أتذكر ” مّي الحسناوية ” وهي تقود فريق إعداد ” المنسج “. الطاهرة بخفة ورشاقة تتقن لعبة الذهاب والإياب بين عائشة وخدوج، توزع بينهما ” السدى “. كل ذلك تحت المراقبة الصارمة لمّي الحسناوية المعروفة بجلابيبها ” السدى في سدى “. وحولهم تحلق أطفال الحي يتابعون تنقل الطاهرة بين عائشة وخدّوج وكأنهم يتابعون مباراة في ” التنس”. وغير بعيد عنهم يجلس ” بّا الحاضي ” على إطار عجلة قديم وفي يده ” السبسي ” الذي لا يفارقه إلا عندما ينام. أتذكّر أننا لم نكن نشارك أطفال الحي هذه الفرجة الممتعة إلا قليلا حيث كان شغفنا بكرة القدم يستحوذ على كل اهتمامنا طول الوقت أو، على الأقل، كلما كنّا خارج المدرسة أو في عطلة.
ذكرتني هناء من خلال ملامحها الغرباوية بهذا الماضي البعيد فقد رأيت قي سحنة وجهها تقاسيم ملامح الطاهرة وابتسامة خدوج البريئة والنظرة القاسية لعائشة. غير أن هناء، تتميز بشخصية مرحة تختزل كل خصوصيات الشخصيات المذكورة بالإضافة لسعة ثقافتها وذكائها المتقد. هناء التي لم أقابلها إلا اليوم والتي لم أقض في حضرتها أزيد من خمس دقائق جعلتني أشعر وكأنني أعرفها منذ زمان.
كان علي أن أطرد هذه التمثلاث التي حاصرتني فجأة فهناء متزوجة وليس من حقي أن أمعن في الإعجاب بها وبشخصيتها البشوشة ورشاقة وخفة حركتها كما لو كانت فراشة جميلة تبحث عن النور. سأكتفي بصداقتها وبصداقة زوجها الكندي وسيكفيني هذا للتنفيس عنّي من وعثاء الغربة.
بعد يومين، توصّلت برسالة نصية عبر الواتساب تدعوني فيها وردة للقاء جديد وتتمنى أن نكون وحدنا، هي وأنا فقط. استشرت ابنتي فاطمة فنصحتني بالموافقة على هذا اللقاء حيث أنها تعتقد أن من حق وردة التعرف على بعض من جوانب حياة أمها المرحومة.
ضربت لها موعدا في مقهى جميل على مشارف بحيرة ساحرة. وكان اللقاء.
جاءت وردة ترتدي جلبابا مغربيا وتضع على رأسها منديلا مزركشا كما لو كانت مغربية أصيلة. أعجبت كثيرا بهذا الوفاء الجميل للجذور كما دفعني هذا للاستغراب. فوردة ولدت وترعرعت بكندا ووالدها كنديا ولم يبرح كندا إلا عندما زار المغرب ذات مرة لتجمعه الصدف مع والدتها هناء. ومع ذلك، تتشبث وردة بمغربيتها ولا تؤول جهدا للتعبير عن ذلك صراحة ودون وجل أو تَحَفُّظ. بادرتها بالسلام فردت علي بعربية لطيفة وقد سبقتها ابتسامتها كالعادة. سألتها عن جدتها الحاجة طامو وعن عملها وعائلتها. طمأنتني عن الجميع وكأنما كانت تستعجل الخوض في موضوع أمها المرحومة هناء والذي كابدت من أجله عناء السفر.
قلت لها وأنا أبذل جهدا إضافيا لأجعل ابتسامتي أكثر صدقا وأشد توهجا كما لو كنت أعبر لها عن مدى استعدادي لمساعدتها في التعرف على والدتها المرحومة. والحقيقة أنني كنت متوجسا من هذه المقابلة خوفا من زلة لسان قد تسيئ إليها ولو من غير قصد:
– تفضلي, اسألي ما بدا لك فأنا كلي اهتمام واستعداد لأن أجيبك عن كل ما سمحت لي الظروف بمعرفته عن المرحومة والدتك. وهي في الحقيقة ليست بالمعلومات الغزيرة فأنا لم أعرفها، رحمة الله عليها إلا ونحن في كندا وفي فترة لا تتجاوز الأربع أو الخمس سنوات وبفترات متقطعة بسبب التزامي بعملي وبسبب التزامها بزوجها وبعملها. وأن علاقتي بها وبزوجها انتهت منذ كان عمرها – أي وردة – عامان.
ارتشفتْ من فنجان قهوتها رشفة سريعة، وضعته برشاقة على الطاولة ثم تأملتني قليلا بنظرة يمتزج فيها الحنان بالصرامة وكأنها تتوسل لي أن أخبرها كل ما أعرف.
– من فضلك, أريد أن أعرف كل التفاصيل. لو تعرف كم عانيت وأنا أتصفح ألبومات صورها وأتأمل وجوه أصدقائها وصديقاتها وكم استبد بي الفضول إلى ملامسة بعض من جوانب حياتها التي حرمني موتها الغاشم من معرفتها.
أحسست بجسامة ما ينتظرني وأنا أهم بالخوض في هذا الموضوع. من جهة، مضت عليه سنوات طويلة حتى كدت أنسى جل ما طبع علاقتي بالمرحومة هناء. ومن جهة أخرى، أنا مطالب بالحديث عن امرأة متوفية وهذا يحتم علي ألا أذكر عنها إلا كل خير. ولأني أعلم أن الحياة لم تكن قط خطّا مستقيما وأن مشاهدها تتوزع بين الصالح والطالح، وجدتني في موقف لا أحسد عليه.
أخبرتها بداية عما عرفت لاحقا من سيرة أمها عندما كانت لا تزال في المغرب، وأنها كانت تعمل ممرضة. ثم حكيت لها قصة لقائها بـ “موسيو إيريك “. وكيف أنها كانت وإحدى زميلاتها في العمل، تنتظر عربة الأجرة التي ستنقلها من مقر عملها إلى مدينة سوق الأربعاء حيث تقيم مع عائلتها. وأن الصدفة جعلت موسيو إيريك الذي كان في رحلة سياحية يمر بسيارته من هناك ويقلهما بطواعية. وكيف استقبلته عائلتها في بيتهم عندما اكتشف أن الفندق الكبير -وهو الفندق الوحيد في مدينتنا – لم تكن به غرفة شاغرة في تلك الليلة.
كنت أتحدث بانسياب وبحماس غير أنني لاحظت أن اهتمام وردة بحديثي أصبح يفتر شيئا فشيئا إلى أن استوقفتني بأدب ولباقة قائلة:
أعتذر سيدي المحترم، آسفة إن قاطعت حديثك، غير أنني أعرف كل هذا
تقريبا.
سألتها:
– طيب, لماذا إذن تسألينني وتتكبدين عناء السفر للقائي ؟
أجابت بحزم وكأنها قد سطّرت خطة منهجية مسبقة لبحثها:
– لا أريد أن أبخس ما تفضلت به علي من معلومات, غير أني قمت ببحث شامل في الموضوع استطعت أن ألم من خلاله بجوانب هامة من حياة والدتي المرحومة هناء.
استجمعت قوتها وشحذت عزيمتها ثم أكملت:
– في الحقيقة أريدك أن تكون صريحا معي أكثر وتخبرني بطبيعة العلاقة التي جمعتك بوالدتي المرحومة.
أحسست بمسؤوليتي تتضاعف لكني حاولت أن أغرق حديثي في العموميات كي أتجنب بعض التفاصيل التي قد تكون مزعجة لها بالخصوص وقلت:
– قدمتني المرحومة هناء ذات يوم للموسيو إيريك وأخبرته أنني من المغرب ومن نفس مدينتها الصغيرة سوق أربعاء الغرب وأني أعمل وأقيم أنا أيضا بكندا. فرحّب بي. بعدها، أصبحنا نلتقي بين الفينة والأخرى حتى أصبحتُ من أصدقاء العائلة.
ومرة أخرى أحسست بها شاردة لا تولي حديثي أي اهتمام، فواجهتها صارما:
طيب، ما الذي تريدين معرفته بالضبط؟
نظرت إلى ساعتها وعلامات الاستغراب واضحة على محيّاها وقالت في ارتباك واضح:
أعتذر سيدي، لم أنتبه لمرور الوقت بهذه السرعة. علي أن أنطلق الآن في رحلة العودة، وسنكمل حديثنا في اللقاء القادم إذا تكرمت ووافقت عليه.
لم أجد بدا من مجاراتها في مسعاها فأنا أومن في قرارة نفسي أن من واجبي أن أطلعها على كل ما أعرف مهما كان ذلك عسيرا وشاقا في مواقف متعددة. ودعتني بابتسامة حاولت جاهدة أن تجعلها ابتسامة بريئة، ثم رَحَلَتْ.
