الكان وتمغربيت: حين تتحول كرة القدم إلى تعبير عن هوية وطنية

الوطن24/ بقلم: عبد الهادي العسلة
لم تعد كأس الأمم الإفريقية بالنسبة للمغرب مجرد بطولة كروية عابرة، بل تحولت في نسختها الحالية إلى فضاء رمزي يتقاطع فيه الرياضي بالثقافي، والتكتيكي بالهوياتي، في مشهد يعكس ما يمكن تسميته اليوم بـ“تمغربيت” كرة القدم. فما يقدمه المنتخب الوطني داخل المستطيل الأخضر يتجاوز حدود النتيجة، ليعكس مسار أمة تبحث عن ترسيخ ذاتها بثقة وهدوء.
فوز المنتخب المغربي على الكاميرون في ربع النهائي لم يكن حدثاً معزولاً، بل لحظة دالة. منتخب يُلقّب تاريخياً بـ“الأسود غير المروّضة” وجد نفسه أمام فريق مغربي لا يرفع صوته، لكنه يفرض منطقه. هنا بالضبط تتجلى “تمغربيت”: قوة بلا استعراض، وانضباط بلا ادعاء، وحسم بلا فوضى.
في السابق، كان المنتخب المغربي يُتهم أحياناً باللعب الجميل دون فعالية، أو بالاستسلام للضغط في المواعيد الكبرى. أما اليوم، فنحن أمام منتخب مختلف؛ منتخب يعرف متى يضغط، ومتى يتراجع، ومتى يقتل المباراة. هذا التحول ليس تقنياً فقط، بل ذهني وثقافي، يعكس تراكم تجربة، واستيعاب دروس الماضي، وتحرراً من عقدة “المنتخب الموهوب غير المتوج”.
الكان الحالية كشفت أن المغرب لم يعد يبحث عن الاعتراف، بل عن التتويج. استضافة البطولة لم تُحوَّل إلى عبء نفسي، بل إلى مصدر قوة. الجماهير لم تضغط، بل احتضنت. الإعلام لم يبالغ، بل ناقش. واللاعبون لم يستعرضوا، بل اشتغلوا. تلك كلها تجليات لـ“تمغربيت” في أبهى صورها: التوازن.
رمزية إبراهيم دياز في هذه البطولة تتجاوز أهدافه. اللاعب القادم من تجربة أوروبية عالية المستوى اندمج سريعاً، لا لأنه نجم، بل لأنه فهم السياق. سجّل، احتفل، ثم عاد إلى موقعه. لا استعراض، لا فردانية مفرطة. هنا أيضاً تحضر “تمغربيت”: النجاح الفردي داخل الإطار الجماعي.
وفي مواجهة الكاميرون، لم يُروَّض الخصم بالقوة، بل بالعقل. المغرب لم يدخل في صراع بدني مفتوح، بل أغلق المساحات، وامتص الاندفاع، ثم ضرب في الوقت المناسب. هذا الأسلوب ليس وليد الصدفة، بل نتيجة فلسفة لعب تعكس هوية جديدة: منتخب يعرف نفسه، ويعرف ماذا يريد.
الكان، بهذا المعنى، ليست فقط منافسة قارية، بل مرآة لواقع كروي مغربي في طور النضج. وما “تمغربيت” هنا إلا ذلك المزيج الفريد من الصبر، والذكاء، والاعتزاز بالذات دون تعالٍ. كرة القدم أصبحت لغة أخرى للتعبير عن مشروع وطني يؤمن بالتراكم، لا بالضربة القاضية.
وإذا كان الطريق ما يزال طويلاً نحو اللقب، فإن الأهم قد تحقق بالفعل: المغرب لم يعد ضيفاً في المواعيد الكبرى، بل فاعلاً أساسياً فيها. منتخب يلعب بعقل الدولة، وروح الجماعة، وثقة التاريخ.
في هذه الكان، لا يلعب المغرب فقط من أجل الكأس، بل من أجل تكريس فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد:
أن “تمغربيت” حين تدخل الملعب، تعرف جيداً كيف تفوز… وكيف تُمثّل.

عنوان جميل جدا
العنوان يحمل شحنة رمزية قوية جدًا . “الكان وتمغربيت” يوحي بأن كأس إفريقيا للأمم (الكان) لم يعد مجرد بطولة رياضية، بل أصبح فضاءً تتجلى فيه الهوية المغربية، حيث تتحول كرة القدم إلى وسيلة للتعبير عن الانتماء والروح الوطني.