المؤسسة الأمنية المغربية: ثقة مجتمعية وأداء مهني واعتراف دولي.

لم تعد مكانة المؤسسة الأمنية في المجتمع المغربي تقاس فقط بعدد العمليات التي تنفذها أو الملفات التي تعالجها، وإنما أصبحت تقاس أيضا بمدى شعور المواطن بالأمان، وبقدرته على ممارسة حياته اليومية في بيئة مستقرة وآمنة. ومن هذه الزاوية، تكتسب نتائج الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، بين 8 مايو و3 يوليوز 2026، أهمية خاصة، بعدما أظهرت أن الثقة في المؤسسة الأمنية بالمغرب بلغت 95 في المائة، مقابل 84 في المائة بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية، والنسبة نفسها تقريبا حظيت بها وزارة الأوقاف. ولعل مصداقية الاستطلاع تكمن في صدوره عن مؤسسة ألمانية محايدة، وليس عن جهاز أمني مغربي؛ مما يبعد عنه صفة الخطاب الدعائي. ذلك أن الثقة في المؤسسة الأمنية تعكس، إلى حد بعيد، طبيعة العلاقة التي تشكلت بين المواطن والدولة في أحد أكثر المجالات حساسية. فالأمن ليس وظيفة ثانوية يمكن أن تعمل بمعزل عن باقي مناحي الحياة، بل هو شرط أساسي لممارسة الحقوق والحريات، ومزاولة الأنشطة الإنتاجية وحماية الأشخاص والممتلكات.

 ومما يميز المقاربة الأمنية المغربية أنها لم تعد تقتصر على التدخل بعد وقوع الجريمة، وإنما أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الاستباق وجمع المعلومات وتحليلها، وعلى التنسيق بين مختلف المصالح الأمنية والقضائية، إلى جانب التعاون الدولي. وتبرز أهمية هذا التحول بشكل خاص في مكافحة الإرهاب بتوجيه الضربات الاستباقية عبر تفكيك الخلايا الإرهابية وإحباط مخططاتها الإجرامية قبل مرحلة تنفيذها.

وتزداد أهمية هذه الإستراتيجية الأمنية بالنظر إلى موقع المغرب في محيط إقليمي تتقاطع فيه تهديدات الإرهاب والتطرف العنيف والجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات وبالبشر والهجرة غير النظامية. لذلك لم يعد ممكنا الفصل بين الأمن الداخلي والتعاون الأمني الخارجي لمواجهة الشبكات الإجرامية والإرهابية العابرة للحدود. من هنا اكتسب التعاون المغربي مع الأجهزة الأمنية الأوروبية والدولية أهمية متزايدة عبر تبادل المعلومات والتنسيق العملياتي في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة وغسل الأموال والشبكات العابرة للحدود (وقعت الأجهزة الأمنية المغربية والبلجيكية خطة عمل للفترة 2025-2026 لتعزيز التعاون في مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب وغسل الأموال، ومواجهة التهديدات التي يمكن أن تستهدف التظاهرات الرياضية). هذه الدينامية تعكس تحولا في موقع المؤسسة الأمنية المغربية: من مؤسسة ينحصر دورها في حفظ النظام داخل الحدود إلى شريك في إنتاج الأمن الإقليمي والدولي. وهذه المكانة لا تُكتسب بمجرد الإمكانات التقنية، وإنما تحتاج إلى أجهزة قادرة على إنتاج المعلومات الدقيقة، وتحويلها إلى معرفة عملياتية، ثم توظيفها في الوقت المناسب.

ولا يقف الاعتراف بنجاعة الأمن المغربي عند حدود المؤشرات الداخلية. فقد حظي المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، السيد عبد اللطيف حموشي، بعدد من التكريمات من مؤسسات أمنية أوروبية. ففي نونبر 2025، وشحه وزير الداخلية الإسباني بوسام الصليب الأكبر للاستحقاق للحرس المدني، تقديرا لدوره في تطوير الشراكة الأمنية والتعاون العملياتي في مواجهة المخاطر والتهديدات المشتركة. كما سبق أن حصل في فرنسا على ميدالية الشرف الذهبية للشرطة الوطنية سنة 2024، ثم على وسام جوقة الشرف من درجة ضابط سنة 2025.

هذه التكريمات، تقدم مؤشرا يصعب تجاهله على المكانة التي اكتسبها التعاون الأمني المغربي لدى عدد من الشركاء الأوروبيين. فالأجهزة الأمنية في هذه الدول لا تمنح مثل هذه الأوسمة لمجرد المجاملة، وإنما في سياق تعاون طويل يرتبط بملفات حساسة مثل الإرهاب والجريمة المنظمة وتبادل المعلومات أثبتت الأجهزة الأمنية المغربية كفاءتها في الكشف عن خلاياها وامتداداتها الدولية.

وهنا تلتقي صورتان تبدوان للوهلة الأولى منفصلتين: اعتراف داخلي واعتراف خارجي. فمن جهة، يسجل استطلاع مؤسسة كونراد أديناور ثقة تبلغ 95 في المائة في المؤسسة الأمنية، ومن جهة أخرى يستمر التعاون مع أجهزة أمنية دولية وتحصل القيادات الأمنية المغربية على تكريمات من مؤسسات أوروبية. وبينهما تأتي مؤشرات تراجع الجريمة العنيفة ونجاح العمليات الاستباقية في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة.

لم يعد مفهوم الأمن منحصرا في حماية الشارع والمنشآت والحدود، وإنما أصبح الفضاء الرقمي مجالا للصراع والتهديد، كما باتت حماية البنية التحتية المعلوماتية جزءا من الأمن الوطني. ويعكس تصنيف الأمن السيبراني العالمي لعام 2026، الصادر عن أكاديمية الحوكمة الإلكترونية الإستونية، للمغرب في المركز 43 عالميا من أصل 155 دولة، برصيد 79.17 نقطة من أصل 100، المجهود الذي تبذله إدارة الأمن الوطني، بكل تخصصاتها، في سبيل تطوير الأطر التنظيمية والمؤسساتية لحماية الأنظمة والشبكات والبنيات المعلوماتية الحيوية بالمغرب.

وتأتي الإشادة الملكية بدور المؤسسة الأمنية في ضمان الاستقرار لتؤكد أن الأمن يُنظر إليه باعتباره جزءا من شروط التنمية، وليس مجرد وظيفة لحفظ النظام. فالاستقرار يوفر البيئة الضرورية للنشاط الاقتصادي والاستثمار، ويمنح الفاعلين الاقتصاديين قدرا أكبر من الثقة في المستقبل. المستثمر لا ينظر فقط إلى حجم السوق أو الحوافز المالية، وإنما يضع ضمن حساباته أيضا الاستقرار السياسي والاجتماعي، وحماية الممتلكات، وقدرة الدولة على مواجهة الجريمة المنظمة والتهديدات الأمنية.

ولهذا فإن الأمن والاستثمار يرتبطان بعلاقة مباشرة، حتى وإن بدت هذه العلاقة في الظاهر بعيدة عن بعضها. فكلما انخفضت المخاطر الأمنية، أصبحت البيئة الاقتصادية أكثر قابلية لجذب رؤوس الأموال، وكلما تمكنت الدولة من حماية بنيتها التحتية ومؤسساتها وأفرادها، زادت قدرتها على توفير شروط الاستقرار الضرورية للنشاط الاقتصادي.

في مقابل هذه المكاسب الميدانية والمؤسساتية، ظل أعداء المغرب وأصحاب المشاريع العدمية يبذلون جهوداً مضنية لتشويه صورة الأجهزة الأمنية المغربية، عبر حملات ممنهجة تستهدف زعزعة الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته. لكن هذه المحاولات اصطدمت بحقيقة لا تقبل الجدل: أن ثقة المغاربة في مؤسساتهم الأمنية ليست وليدة لحظة سياسية أو ناتجة عن خطاب دعائي، بل هي نتاج تراكمي لتجربة يومية يعايشها المواطن في تنقلاته، وفي سرعة تدخل رجال الأمن عند الحاجة. ذلك أن المغاربة، حين يمنحون مؤسساتهم الأمنية 95 في المائة من الثقة، فهم يثبتون أن حملات التشويه التي تنطلق من حسابات مشبوهة أو جهات معروفة بعدائها للمغرب لن تزيد ثقتهم إلا رسوخا، خصوصا عند وضع مقارنة الأداء المغربي بدول عربية ومتوسطية ذات خلفيات مشابهة كما هو مبين في الجدل التالي:

الدولةالترتيب السيبراني عالميا (2026)الثقة في الأمن (%)مؤشر الإرهاب على 100
المغرب43950.000 ـ المرتبة 1
تونس67701.522 ـ المرتبة 50
الأردن55822.268 ـ المرتبة  44
إسبانيا15650.794 ـ المرتبة 64
فرنسا9 (2020)653.22 ـ المرتبة 35
إيطاليا20 (2020)640.999ـ المرتبة 60

كما تكشف المقارنة الدولية أن صورة الأمن المغربي أكثر تعقيداً وإيجابية مما توحي به بعض الخطابات الدعائية. فوفق أحدث البيانات الموحدة المتاحة لسنة 2023، سجل المغرب معدل قتل عمد بلغ 0.5 لكل مائة ألف نسمة، وهو أقل من المعدل المسجل في فرنسا (0.8) وألمانيا (0.9)، وقريب جداً من إيطاليا (0.4) التي تعد من بين البلدان الأوروبية ذات المعدلات الأدنى. وفي المجال السيبراني، لم يعد المغرب خارج دائرة الدول المتقدمة، بل صنفه الاتحاد الدولي للاتصالات ضمن الفئة العالمية الأولى T1، إلى جانب فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

هكذا تتلخص القوة المؤسسية للأمن المغربي في معادلة ثلاثية: فعالية استباقية في الميدان، وثقة مجتمعية راسخة، وتعاون دولي وثيق. وعندما تجتمع هذه العناصر، يتحول الأمن من مجرد جهاز لحفظ النظام إلى رافعة للاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، ومصدراً للثقة يعزز مكانة الدولة داخلياً وخارجياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *