المغرب : بشحال تقام المهرجان أسيدي ؟ طابوه آمولاي !

مفارقات عجيبة تعيشها المهرجانات الصيفية والتي تنظم تحت غطاء لعمل الجمعوي بالمغرب تحتاج منا إلى الوقوف عندها ووضع قراءة موضوعية لحال وواقع ومآل العمل الجمعوي بعيدا عن التبريرات والتفسيرات التي يروج إليها سماسرة هذا المجال.
فمثلا ما يلفت انتباه المواطن تسابق هذه جميع الجمعيات (النائمة) و(المستيقظة) إلى تنظيم مهرجانات سنوية تضع لها ميزانية خيالية… الغاية من ورائها بطبيعة الحال هو جني الأرباح عن طريق الاستفادة من الدعم بطرق غير شرعية (تقاسم الأرباح 10 في المائة من الدعم / المعارف /….).
إلا أن المتأمل في واقع العمل الجمعوي يدرك جيدا أنه من بين هذا الكم من المهرجانات الصيفية لا يوجد سوى القليل من الجمعيات التي تسعى إلى خدمة المصلحة العامة وتنضبط لقوانين العمل الجمعوي بالرغم لما به من خروقات تنظيمية تدفع بالبعض إلى تمرير سياسة التضليل والاستبداد في هذا المجال الذي يعيش أزمة خانقة كسائر القطاعات في المغرب، بينما باقي الجمعيات التي تتفرق ما بين جمعيات عائلية وأخرى مكونة من سماسرة الجمعيات الأعضاء في أكثر من جمعية في نفس الوقت….. والمشاكل والأزمات لا تعد ولا تحصى.
مهرجانات وملتقيات لا تعكس القوة الحقيقية لعمل داك الكيان المنظم بل هي تعبير انعكاسي لإحساس داخلي بالهزيمة والفشل في تحقيق الأهداف الحقيقية للعمل الجمعوي يتمثل كل هذا في ذاك الغياب الدائم عن الساحة إلا خلال بضعة أيام من سنة.
وكأن هذه الجمعيات، وإن كانت فعلا قد تكونت في ظروف محترمة للقوانين المؤسسة للجمعيات والحريات العامة!.. أو حتى عند تأسيسها لا تعقد جموعا عامة مفتوحة لتجديد هياكلها او تقديم حصيلاتها وما رافقتها من تدابير مالية (مداخيل ومصاريف)، إذ انها تتناسى في شخص رؤسائها وسماسرتها الغاية الحقيقية التي خلقت من أجلها الجمعية والأهداف العامة التي من أجلها تكونت بل واختزلتها جميعها في البهرجة السنوية وتنظيم مزيف للقاءات ومهرجانات ذات صبغة ذاتية نفعية اذ منها ما تفرض على المشاركين المساهمة المالية لتغطية اقاماتهم وتغذيتهم وهي التي تكون قد تلقت كل الدعم المالي الكافي لتنظيم تظاهرتها سواء الفنية او الرياضية، وتعشق حب سرقة المال العام، والظهور أمام كاميرات القنواتةالتلفزيونية ومثيلاتها من قنوات اليوتوب وما شابهها من قنوات السوشيال ميديا التي تتنافس على نقل مباشر لتظاهراتها وللسهرات وللامسيات الفنية، فضلا عن التهافت على تصاريح للمواقع وللجرائد وللإذاعات…
وغالبا ما انشغلت الجمعيات المفبركة وخاصة مجالس منتخبة بهدر المال العام والانفاق على المهرجانات والحفلات واللقاءات المغلقة الفارغة دون أن تبرز أي تأثير على تجويد خدمات المواطنين، خاصة في وقت ترتفع فيه الأسعار واكتواء جيوب المواطنين من غلاء المعيشة.
لست ضد المهرجانات ولكن ضد هدر الأموال التي يمكن أن تسخر من أجل خدمة قضايا ذات أولوية وتهتم للقضايا الكبرى.
مهرجانات وملتقيات لا يحضرها إلا العشرات في أيام فعالياتها بينما تتسابق مجموعة من ما تسمى بالفاعلين السياسيين والجمعوين إلى حضور اليوم الافتتاحي ليس لشيء إلا كون أن عامل مدينة معينة هو من يفتتح أغلب هذه المهرجانات ذات الميزانيات المرتفعة (أفلام/فن/موسيقى/حمام/….) بل والغريب هو تلاقي أطياف غير متجانسة في يوم الافتتاح وتغيب بالمرة عن تتبع فقرات المهرجان! ولا تعود للظهور الا مع ظهور عامل المدينة حين تستدعي المناسبة وجود هذا الأخير إما لحضور او لتنشيط الفقرة شخصية مميزة حسب المقام!
من جانب آخر وهذا هو الأبرز، فيعتبر الجانب المالي لكل المهرجانات جانبا أساسيا في إنجاح كل فقراتها… وإن كانت الميزانية المالية تختلف من مهرجان إلى آخر…
وإن الأمر المثير في تنظيم كل المهرجانات ببلادنا وعلى اختلاف أنواعها أنه يتم “السكوت” عن القيمة المالية التي صرفت في هذا المهرجان والقيمة المالية التي رصدت له والقيمة المالية التي تجمع مابين الميزانية الإجمالية والمصاريف..
المجالس المنتخبة أحياناً ما كشفت مرغمة عن القيم المالية التي خصصتها من ميزانيها الخاصة وذلك عندما تكون مضطرة لعقد على الأقل دورة استثنائية للمصادقة دون مناقشة على الغلاف المالي الذي ستدعم به جمعية المهرجان المحلي أو الإقليمي!؟؟؟…
وفي العديد من المهرجانات تعقد الندوات الصحفية ويتم الحديث عن فقرات المهرجان من البداية وإلى الحفل الختامي، لكن الجانب المالي يعد طابوها ويظل غائبا ومسكوتا عنه… ويظل الرأي العام بشكل مستمر يتساءل: كم كانت التكلفة المالية لهذا المهرجان؟
لكن لا أحد من المنظمين تكون له الشجاعة للحديث عن هذا الجانب… وحتى إن تجرأ أحد الصحفيين لطرح السؤال في هذا الخصوص يكون الرد متلاعبا فيه إما بدعوى أنه لم يتم بعد تحديد الغلاف الإجمالي مادام أن لم يتم ضبط عدد المساهمين او المدعمين، وبأن بعضهم مازال قد ضح مال في صندوق الجمعية المنظمة!؟؟… فيغيب الكشف عن الميزانية الحقيقية لتنظيم المهرجان، هذه الميزانية التي يتم توفيرها من المال العام لم تجرؤ ابدا أية جهة لفتح المحاسبة؟!! الا ناذرا ولاعتبارات خاصة!؟؟
وهنا يطرح التساؤل التالي: ماهو السبب الحقيقي الذي يجعل منظمي المهرجانات لايتحدثون عن الجانب المالي في تنظيم المهرجان؟…
إن الجواب واضح… وهو غياب الوضوح في كل ماهو مالي خلال تنظيم غالبية المهرجانات… ومن هنا كان تنظيم مجموعة من المهرجانات سببا في الزج بالبعض من الأشخاص في السجن بتهم: خيانة الأمانة أو تزورير محررات رسمية أو خيانة الأمانة أو النصب والاحتيال…
اليوم، حان الوقت بأن يتم فرض العمل في شفافية في تنظيم اي مهرجان من خلال الإعلان عن كل الخطوات المالية خلال تقرير مالي مفصل يعلن للعموم…
ومن هنا تنطلق شفافية تنظيم المهرجانات…
في الواقع المعاش وبالمعطيات التي يعيشها المغرب من فساد على جميع المستويات، ففي نظري المتواضع أن رهانات إصلاح منظومة العمل الجمعوي بعيدة كل البعض عن متناول (المسؤولين الشكليين في وزارة الشباب أو الوزارات الوصية)…
إن علاج هذا الداء يحتاج من الجميع الانخراط في مخطط أوراش كبرى تهتم بقضية أخلاق وتخليق العمل الجمعوي في جوهره بالأساس، وتربط المسؤولية بالمحاسبة على المستوى العمودي في السلم الإداري لا بالنسبة لهيكلة الجمعية أو بالنسبة لهياكل القطاع الوصي لهذا المجال.
وتبقى باقي الرؤى حول التكوين والخبرة والتخصص في مواضيع العمل الجمعوي حاضرة بقوة ولكن بعد أن نلتمس وجود ما سبق من أخلاق العمل الجمعوي.