المغرب.. بعد مونديال 2026.. من يراقب ملايين “فيفا”؟ وهل تكفي الوطنية لإعفاء الجامعة من الشفافية؟

الوطن24 / الرباط
لم تنته قصة المنتخب المغربي بخسارة أمام فرنسا في ربع نهائي كأس العالم 2026. فبينما انشغل الشارع الرياضي بتحليل الأداء الفني ومناقشة الخيارات التكتيكية، برزت قضية أخرى لا تقل أهمية، لكنها تتعلق بما يجري خارج المستطيل الأخضر: كيف تُدار العائدات المالية التي تحققها المشاركات المونديالية؟ ومن يطلع الرأي العام على تفاصيلها؟
خلال السنوات الأخيرة، تحول المنتخب المغربي إلى أحد أبرز المنتخبات على الساحة الدولية. فبعد الإنجاز التاريخي في مونديال قطر 2022، واصل “أسود الأطلس” حضورهم القوي في مونديال 2026 ببلوغ ربع النهائي، وهو إنجاز رياضي يوازيه، وفق نظام المكافآت المعتمد من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، عائد مالي مهم يدخل إلى الاتحاد الوطني المشارك.
وهنا يبدأ النقاش الحقيقي.
فالأموال التي تمنحها “فيفا” ليست مجرد أرقام في حسابات مصرفية، بل موارد يفترض أن تسهم في تطوير كرة القدم الوطنية، ودعم مراكز التكوين، وتعزيز المنتخبات السنية، والارتقاء بالبنية التحتية، وتحسين ظروف العمل داخل المنظومة الكروية.
لكن هل يعرف الرأي العام المغربي كيف تُدار هذه الموارد؟
وهل توجد تقارير مالية منشورة تشرح للمغاربة حجم المداخيل وأوجه صرفها بعد كل مشاركة في كأس العالم؟
هذه الأسئلة عادت إلى الواجهة بعد تصريحات رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، الذي أكد أن لاعبي المنتخب لا يجعلون المنح المالية محورًا لمشاركتهم مع المنتخب الوطني، في رسالة هدفت إلى إبراز روح الانتماء التي يتحلى بها اللاعبون.
غير أن هذه التصريحات فتحت بابًا آخر للنقاش.
فإذا كان اللاعبون لا يطالبون بالمنح، فمن يطالب بالشفافية في تدبير الأموال التي تدخل باسم إنجازاتهم؟
السؤال لا يتعلق بوطنية اللاعبين، ولا يشكك في إخلاصهم، فذلك أمر لا خلاف حوله، بل يتعلق بحق المجتمع في معرفة كيفية تدبير الموارد المرتبطة بمنتخب يمثل دولة بأكملها.
لقد أصبحت كرة القدم اليوم صناعة اقتصادية متكاملة، ولم يعد النجاح الرياضي يقاس فقط بعدد الانتصارات، بل أيضًا بقدرة المؤسسات على إدارة العائدات وفق مبادئ الحكامة والشفافية.
ولهذا، فإن الجمهور الذي احتفل بالإنجازات من حقه أيضًا أن يعرف كيف ستنعكس هذه الإنجازات على مستقبل كرة القدم المغربية.
هل ستخصص نسبة أكبر لمراكز التكوين؟
هل ستوجه اعتمادات إضافية إلى كرة القدم النسوية؟
هل ستستفيد البطولات الوطنية والأندية الصغرى من هذه الموارد؟
وهل توجد خطة معلنة تحدد أولويات الاستثمار؟
هذه الأسئلة ليست تشكيكًا في أي مؤسسة، بل تعبير عن حق مشروع في المعلومة.
وقد سبق لـ “الوطن24“، منذ الأسابيع الأولى لانطلاق كأس العالم 2026، أن فتحت ملفات مرتبطة بتدبير الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، من بينها الجدل الذي أثير بشأن تنقل بعض أفراد عائلات محسوبة على الجامعة إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال المونديال، وهو النقاش الذي أعاد طرح تساؤلات حول معايير التدبير والشفافية داخل المؤسسة.
ولم يكن الهدف آنذاك إصدار أحكام مسبقة، وإنما الدعوة إلى تقديم معطيات واضحة للرأي العام، لأن المؤسسات القوية تعزز الثقة بالإفصاح، لا بالصمت.
واليوم، وبعد نهاية مشاركة المغرب في البطولة، يبرز سؤال أكبر من كل الجدل السابق.
هل ستعلن الجامعة للرأي العام القيمة الإجمالية للعائدات المالية التي حصلت عليها من “فيفا” نتيجة مشاركة المنتخب في مونديال 2026؟
وهل ستنشر وثيقة تبين بالتفصيل أوجه صرف هذه الموارد؟
في العديد من التجارب الدولية، تحرص اتحادات رياضية على إصدار تقارير سنوية تتضمن بيانات مالية وأنشطة ومؤشرات أداء، بما يعزز ثقة الجمهور والشركاء. وقد تختلف النماذج القانونية والتنظيمية من بلد إلى آخر، لكن الاتجاه العام في الحوكمة الحديثة يسير نحو مزيد من الإفصاح كلما ارتفعت أهمية الموارد والمسؤوليات.
وفي المغرب، يكتسب هذا النقاش بعدًا دستوريًا أيضًا.
فالدستور كرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما نص على الحق في الحصول على المعلومات وفق الضوابط القانونية. وحتى مع خصوصية الإطار القانوني للجامعة، فإن المكانة الوطنية التي تحتلها، وإدارتها لمنتخبات تمثل المملكة، تجعل من مطلب الوضوح مطلبًا مشروعًا في نظر جزء واسع من الرأي العام.
إن الشفافية ليست عبئًا على المؤسسات، بل عنصرًا من عناصر قوتها.
وكلما بادرت المؤسسة إلى نشر الأرقام والبيانات، تراجعت مساحة الإشاعات والتأويلات.
أما عندما يغيب التواصل المالي، فإن الفراغ يملؤه الجدل، حتى في غياب أي دليل على وجود اختلالات.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي تنتظر توضيحات للرأي العام:
- ما القيمة الإجمالية للعائدات التي حصلت عليها الجامعة بعد مونديال قطر 2022، وكيف وُجهت؟
- وما حجم العائدات المرتبطة بمشاركة المغرب في مونديال 2026 بعد بلوغ ربع النهائي؟
- هل توجد معايير مكتوبة ومعلنة لتوزيع المنح على اللاعبين والأطر التقنية؟
- ما نسبة الأموال التي تُخصص لتطوير مراكز التكوين؟
- وما حجم الاعتمادات الموجهة إلى كرة القدم النسوية والمنتخبات السنية؟
- وهل ستصدر الجامعة تقريرًا ماليًا يوضح للمغاربة تفاصيل هذه الموارد وأوجه صرفها؟
إن طرح هذه الأسئلة لا ينتقص من قيمة ما تحقق داخل الملعب، بل ينسجم مع تطور كرة القدم الحديثة، حيث أصبحت الحوكمة الرشيدة جزءًا من النجاح الرياضي.
لقد كسب المغرب احترام العالم بما قدمه لاعبوه فوق أرضية الميدان، وبما أظهروه من روح قتالية وانضباط وإصرار.
ويبقى التحدي اليوم هو أن يواكب التدبير الإداري والمالي هذا المستوى من النجاح، حتى تتحول الإنجازات الرياضية إلى نموذج مؤسساتي في الشفافية والثقة.
فالوطنية لا تتعارض مع المساءلة، بل تزداد قوة بها.
والمنتخب الذي رفع راية المغرب عاليًا في المحافل الدولية يستحق منظومة تدبير تحيط إنجازاته بأعلى درجات الوضوح والإفصاح.
لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد إسدال الستار على مشاركة المغرب في مونديال 2026 ليس: هل يلعب اللاعبون من أجل المال؟
بل: كيف تُدار الأموال التي تأتي بفضل إنجازاتهم، ومتى يطّلع الرأي العام على تفاصيل ذلك؟
فالشفافية لا تقل أهمية عن الفوز، والثقة لا تُبنى بالنتائج الرياضية وحدها، وإنما أيضًا بوضوح المؤسسات التي تدير تلك النتائج.
