المغرب وفرنسا.. حين يصبح الإنصاف التحكيمي شرطاً لحماية روح كرة القدم

الوطن24/ بقلم: عبد الهادي العسلة
لم تعد مباراة المغرب وفرنسا في ربع نهائي كأس العالم 2026 مجرد مواجهة كروية عادية بين منتخبين كبيرين، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمصداقية كرة القدم العالمية وقدرة المؤسسات المشرفة عليها على حماية مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المنتخبات، بعيداً عن الحسابات السياسية والاقتصادية والإعلامية التي قد تلقي بظلالها على مثل هذه المواجهات الكبرى.
لقد وصل المنتخب المغربي إلى هذا الدور المتقدم بفضل العمل والانضباط والموهبة والقتالية داخل المستطيل الأخضر، وليس بفضل الهدايا أو الامتيازات. فأسود الأطلس شقوا طريقهم وسط منافسة شرسة، وقدموا صورة مشرقة لكرة القدم الإفريقية والعربية، وأثبتوا مرة أخرى أن المغرب أصبح قوة كروية عالمية قادرة على مقارعة أكبر المدارس الكروية في العالم.
ومن هذا المنطلق، فإن الجماهير المغربية والعربية والإفريقية لا تطالب بأي معاملة تفضيلية، ولا تبحث عن أعذار مسبقة، بل تطالب فقط بما يكفله القانون الرياضي: تحكيم عادل، وقرارات منصفة، وتطبيق موحد للقوانين على جميع اللاعبين دون استثناء.
إن مباريات كأس العالم يجب أن تُحسم بالمهارة والخطط والجهد البدني والذهني، لا بتأثير الضغوط الخارجية أو الحسابات التجارية أو المكانة التاريخية لبعض المنتخبات. فحين يدخل اللاعبون أرضية الملعب، يجب أن تختفي الأسماء الكبيرة والشعارات اللامعة، ويبقى معيار واحد فقط هو ما يحدث فوق العشب الأخضر.
وفي الوقت الذي يستعد فيه العالم لمتابعة هذه القمة الكروية، فإن المسؤولية الملقاة على عاتق الطاقم التحكيمي تبدو أكبر من أي وقت مضى. فكل قرار سيُتخذ تحت أنظار ملايين المشاهدين، وكل خطأ مؤثر قد يتحول إلى مادة للجدل لسنوات طويلة. ولذلك فإن المطلوب هو أعلى درجات التركيز والحياد والالتزام بروح القانون.
كما أن الرسالة موجهة إلى كل الأطراف المحيطة بالمباراة؛ من لجان تنظيمية ومراقبين وإعلاميين ومحللين، بضرورة الابتعاد عن أي خطاب قد يؤثر على أجواء المواجهة أو يخلق ضغوطاً غير رياضية على الحكام أو اللاعبين. فنجاح المباراة لا يقاس فقط بالنتيجة النهائية، بل أيضاً بمدى شعور الجميع بأن العدالة كانت حاضرة وأن الفائز استحق فوزه داخل الملعب.
المغرب اليوم لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل جيلاً كاملاً من الشباب الإفريقي والعربي الذي يؤمن بأن الاجتهاد والعمل قادران على كسر كل الحواجز. ولذلك فإن أي محاولة لربط نتائج المباريات باعتبارات سياسية أو اقتصادية أو نفوذ رياضي ستكون إساءة لقيم المنافسة الشريفة التي قامت عليها كرة القدم.
وفي النهاية، فإن الرسالة واضحة: دعوا اللاعبين يلعبون، ودعوا الجماهير تحتفل، ودعوا كرة القدم تنتصر. أما المنتخب المغربي، فقد أثبت بالفعل أنه يستحق مكانه بين كبار العالم، ويبقى الأمل أن تكون مباراة فرنسا مناسبة لتأكيد أن العدالة الرياضية ما زالت قادرة على الانتصار فوق كل الاعتبارات الأخرى.
فليكن الحكم الوحيد في هذه المواجهة هو القانون، وليكن الفيصل الوحيد هو ما يقدمه اللاعبون فوق أرضية الميدان. فالعالم لا يحتاج إلى مباراة يطغى عليها الجدل، بل إلى ليلة كروية تاريخية تكرم اللعبة وتحترم عقول الجماهير.
