عندما يخطف التحكيم الأضواء من كرة القدم

في كرة القدم، من الطبيعي أن يختلف الجمهور حول أداء اللاعبين أو خطط المدربين، لكن من غير الطبيعي أن يتحول الحكم إلى الشخصية الأكثر حضوراً في المباراة. وهذا ما حدث في مواجهة مصر والأرجنتين، حيث انتهى اللقاء بينما بقيت القرارات التحكيمية هي القضية الأولى في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.

بعيداً عن النتيجة، قدم المنتخب المصري مباراة كبيرة بكل المقاييس. لعب بشجاعة، ونافس حتى اللحظات الأخيرة، ونجح في إحراج أحد أقوى منتخبات العالم. كان الأداء يستحق الإشادة، لكن النقاش بعد صافرة النهاية لم يكن عن المستوى الفني بقدر ما كان عن أداء الحكم الفرنسي فرانسوا لوتيكسييه.

إلغاء هدف لمصر، ورفض مراجعة لقطة أثارت مطالبات باحتساب ركلة جزاء، وسلسلة من القرارات التي رأى كثير من المتابعين أنها افتقرت إلى الاتساق، كلها أمور وضعت الحكم في قلب العاصفة. وحتى من لا يتفق مع كل الانتقادات، يصعب عليه إنكار أن إدارة المباراة أثارت قدراً كبيراً من الجدل.

ولعل أبرز ما يلفت الانتباه أن الحديث اليوم في المواقع الإلكترونية والبرامج الرياضية والقنوات التلفزيونية لم يعد منصباً على أداء المنتخبين فقط، بل أصبح التحكيم هو محور النقاش. وهذا وحده مؤشر على أن إدارة اللقاء لم تكن بالمستوى الذي تنتظره الجماهير من مباراة بهذا الحجم.

لا توجد مباراة تخلو من الأخطاء، فالحكم بشر يخطئ ويصيب. لكن وجود تقنية حكم الفيديو المساعد كان يفترض أن يقلل من مساحة الجدل، لا أن يزيدها. فإذا خرج ملايين المشاهدين وهم يتساءلون عن أسباب بعض القرارات، فإن منظومة التحكيم مطالبة بتقديم قدر أكبر من الشفافية، سواء عبر نشر التسجيلات الخاصة بالمراجعات أو توضيح الأسس التي بنيت عليها القرارات المثيرة للجدل.

الأمر لا يتعلق بمصر وحدها، ولا بهذه المباراة فقط، بل بمستقبل ثقة الجماهير في العدالة الرياضية. فكلما زادت الحالات التي تبقى محل جدل دون تفسير مقنع، اتسعت الفجوة بين الجماهير والمؤسسات التي تدير اللعبة.

المنتخب المصري خرج من المباراة وقد كسب احترام كثير من المتابعين بفضل شخصيته وأدائه، بينما خرج التحكيم مثقلاً بعلامات الاستفهام. وهذه ليست شهادة من جمهور غاضب فحسب، بل هي نتيجة طبيعية لحجم النقاش الإعلامي الذي لا يزال مستمراً حول القرارات التي شهدها اللقاء.

يبقى الأمل أن يكون هذا الجدل دافعاً لمراجعة الأداء التحكيمي وتطوير آليات استخدام تقنية الفيديو، لأن كرة القدم لا تكسب شيئاً عندما تصبح صافرة الحكم هي حديث العالم، بينما يتراجع الحديث عن إبداع اللاعبين داخل المستطيل الأخضر. فالعدالة ليست مطلباً لفريق بعينه، بل هي الأساس الذي تقوم عليه مصداقية اللعبة الأكثر شعبية في العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *