المغرب.. حمى التزكيات والانتقالات تشتعل قبل انتخابات 2026: هل تحولت المقاعد البرلمانية إلى «سوق سياسية»؟

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في 23 شتنبر 2026، تدخل الأحزاب السياسية مرحلة شديدة الحساسية عنوانها الأبرز: التزكيات، الانتقالات، واستقطاب الأسماء القادرة على جلب الأصوات. وفي الكواليس، تتردد أرقام ومعطيات تفتح من جديد النقاش حول علاقة المال بالترشح، وحول ما إذا كانت بعض المقاعد الانتخابية أصبحت تُعامل كأنها سلعة سياسية قابلة للتفاوض.

وفي أحدث ما يتم تداوله إعلامياً، برزت اتهامات تتحدث عن طلب مبلغ يصل إلى 300 مليون سنتيم مقابل تزكية انتخابية في إحدى دوائر شمال المغرب، منسوبة إلى حزب سياسي كبير دون أن تتم تسمية الحزب أو تقديم أدلة علنية حاسمة تثبت الواقعة. ونشرت وسائل إعلام مغربية هذه المعطيات باعتبارها اتهامات تحتاج إلى التحقق والتوضيح من الجهات المعنية.

وهنا بالضبط تبدأ القصة الحقيقية.

فإذا كانت التزكية الحزبية يفترض أن تكون نتيجة لمسار سياسي وتنظيمي، وللكفاءة والقدرة على تمثيل المواطنين، فإن الحديث عن أرقام بمئات الملايين مقابل الحصول على غطاء حزبي يضع سؤالاً صعباً أمام المشهد السياسي المغربي: من يختار المرشح فعلاً؟ الحزب وبرامجه ونخبته، أم المال وقدرته على شراء موقع داخل السباق؟

لم تعد ظاهرة انتقال المنتخبين والمرشحين بين الأحزاب مجرد حالات فردية معزولة. فمع اقتراب انتخابات 2026، عادت بقوة إلى الواجهة ظاهرة الترحال السياسي، بالتزامن مع اشتداد الصراع داخل الأحزاب حول التزكيات. وقد وصفت تقارير صحافية هذا المشهد بأنه أقرب إلى «ميركاتو انتخابي»، حيث تبحث الأحزاب عن مرشحين قادرين على المنافسة، بينما يبحث بعض المنتخبين عن الحزب الذي يمنحهم أفضل فرصة للعودة إلى المؤسسات المنتخبة.

المشكلة ليست في انتقال سياسي مشروع تحكمه قناعة أو اختلاف في البرامج، وإنما في اللحظة التي يصبح فيها الانتماء الحزبي قابلاً للتغيير كلما تغيرت فرص الفوز.

عندها يتحول الحزب من مؤسسة سياسية تحمل مشروعاً إلى مجرد منصة انتخابية، ويتحول المرشح من حامل لفكرة إلى «استثمار انتخابي».

الرقم المتداول، أي 300 مليون سنتيم، ليس تفصيلاً بسيطاً إذا ثبتت صحته. فهو يعادل 3 ملايين درهم، أي مبلغ ضخم يجعل المواطن العادي يتساءل: من أين تأتي هذه القدرة المالية؟ ولماذا يمكن لشخص أن يدفع مثل هذا المبلغ للحصول على تزكية انتخابية؟

لكن الأهم من الرقم نفسه هو ضرورة التحقق من مصدره ومن الجهة التي تقف وراءه.

فلا يمكن تحويل الاتهام إلى حقيقة نهائية بمجرد تداوله في الإعلام أو على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي المقابل، لا ينبغي أيضاً تجاهل مثل هذه المعطيات، خصوصاً عندما تتزامن مع نقاش واسع داخل المغرب حول المال السياسي، ومع اتهامات أخرى تتحدث عن أثمان مختلفة للتزكيات.

وقد سبق أن أثارت تصريحات سياسية وإعلامية في المغرب أرقاماً أكبر بكثير، من بينها حديث عبد الإله بنكيران عن طلب 700 مليون سنتيم مقابل تزكية واحدة، وهو ما أعاد بدوره فتح النقاش حول المال والتزكيات داخل الأحزاب.

المفارقة أن المواطن المغربي يُطلب منه الذهاب إلى صناديق الاقتراع لاختيار من سيمثله، بينما تبدأ معركة اختيار المرشحين قبل وصول ورقة التصويت إلى يد الناخب.

وهنا تظهر واحدة من أخطر الإشكالات في الديمقراطية التمثيلية: إذا كان المال قادراً على التأثير في اختيار المرشح، فإلى أي حد يبقى الناخب هو صاحب القرار؟

المرشح الذي ينفق الملايين للحصول على التزكية ثم ينفق الملايين في حملته الانتخابية قد يدخل السباق وهو يحمل حسابات مختلفة تماماً عن حسابات المواطن البسيط.

وهذا لا يعني اتهام كل مرشح ميسور أو كل رجل أعمال بالفساد، بل يعني أن قواعد المنافسة السياسية يجب أن تكون واضحة وشفافة، وأن المال لا ينبغي أن يتحول إلى بوابة للولوج إلى المؤسسات المنتخبة.

الانتخابات التشريعية المقبلة في المغرب ليست مجرد منافسة بين لوائح وأسماء؛ إنها أيضاً اختبار لقدرة الأحزاب على تجديد نفسها، واختيار مرشحين على أساس الكفاءة والنزاهة والحضور الميداني، وليس فقط على أساس القدرة على تمويل الحملات.

وقد دخلت القوانين المنظمة للاستحقاقات الانتخابية الجديدة حيز التنفيذ، وسط نقاش حول ضبط الترشيحات والإنفاق الانتخابي وآليات الدعم العمومي.

لذلك فإن أي حديث عن «بيع التزكيات» أو تحديد أسعار لها، إن ثبت بالأدلة، لا ينبغي أن يبقى مجرد مادة للتراشق الإعلامي؛ بل يستحق توضيحاً سياسياً ومؤسساتياً جدياً.

فالحزب الذي يمنح التزكية يجب أن يكون قادراً على تفسير معايير اختياره، والمرشح الذي يخوض الانتخابات يجب أن يكون قادراً على تقديم صورة واضحة عن مصادر تمويل حملته، والناخب من حقه أن يعرف كيف وصل من سيطلب صوته إلى ورقة الاقتراع.

في نهاية المطاف، القضية ليست في مبلغ 300 مليون سنتيم فقط، ولا في حزب بعينه، ولا في دائرة انتخابية محددة.

القضية أكبر بكثير.

إنها تتعلق بصورة السياسة في المغرب، وبمدى قدرة الأحزاب على إقناع المواطن بأن الانتخابات ليست سوقاً مفتوحة لمن يملك المال، وإنما فضاء للتنافس على البرامج والكفاءات وخدمة الصالح العام.

ومع اقتراب 23 شتنبر، يبدو أن معركة التزكيات قد تكون أحياناً أكثر شراسة من معركة صناديق الاقتراع نفسها.

ويبقى السؤال الذي ينتظر جواباً واضحاً:

الجواب لن تقدمه مواقع التواصل الاجتماعي، ولا التسريبات المجهولة، بل الشفافية، والأدلة، ومواقف الأحزاب والجهات المختصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *