المغرب… حين تتحول الوطنية إلى فاتورة: قراءة في استغلال الحماس الكروي داخل الفضاءات العمومية في دور الـ16 لكأس أمم إفريقيا 2025

في لحظات التقاء الشعوب حول الفرح والهوية، تختبر المجتمعات منظومتها القيمية قبل أي شيء آخر. وفي المغرب، حيث تشكّل كرة القدم جزءاً من الذاكرة الجماعية والوجدان الشعبي، يُفترض أن تكون مباريات المنتخب الوطني مناسبة للوحدة والتقاسم، لا فرصة لفرض “رسوم وطنية” غير معلنة على المشجعين.

مع دخول المغرب مرحلة دور الـ16 من كأس أمم إفريقيا 2025، يزداد الحماس الجماهيري والمتابعة الإعلامية، إذ يمثل هذا الدور لحظة فاصلة في البطولة ويزيد من انفعال الجماهير الوطنية والدولية على حد سواء.

غير أن مشاهد متداولة أخيراً، من بينها إعلان داخل أحد المقاهي يفرض مبلغاً مالياً مقابل “الدخول الخاص” لمشاهدة مباريات المنتخب المغربي، أعادت إلى الواجهة سؤالاً مقلقاً: أين ينتهي الاستثمار المشروع، وأين يبدأ الاستغلال الانتهازي؟

إن المقاهي في المغرب تُعد فضاءات شبه عمومية، يرتادها المواطنون في حياتهم اليومية، ويؤدون مقابل ما يستهلكونه من خدمات. وعندما يتم فرض تسعيرة إضافية فقط لأن المنتخب الوطني يلعب، دون تقديم خدمة استثنائية حقيقية، فإن الأمر لا يمكن قراءته إلا كنوع من استغلال الحماس الوطني وتحويله إلى سلعة.

الأخطر في هذه الممارسات ليس المبلغ في حد ذاته، بل المنطق الذي يؤسس له: منطق يعتبر الفرح الجماعي فرصة للربح السريع، ويُفرغ الوطنية من بعدها الرمزي ليحوّلها إلى رقم في فاتورة. فهل أصبح تشجيع المنتخب المغربي امتيازاً مدفوع الثمن؟ وهل يُعقل أن يُطالَب المواطن بأداء مقابل إضافي ليعبّر عن انتمائه؟

هنا يبرز السؤال: أين الجهات المسؤولة عن مراقبة الأسعار وحماية المستهلك في مثل هذه الظروف؟ وما هو الدور الفعلي للسلطات الإدارية في الحد من الفوضى وضمان عدم استغلال المواطن البسيط الذي يزور الفضاءات العمومية للاحتفال باللحظات الوطنية الكبرى؟ وهل هناك رقابة واضحة لضمان أن تكون الخدمات مرتبطة بالقيمة الفعلية وليس بمشاعر الانتماء الوطني؟

المغرب الذي أبانت جماهيره، داخل الوطن وخارجه، عن صورة حضارية في دعم المنتخب، لا يستحق أن تُشوَّه هذه الصورة بسلوكيات معزولة لكنها معبّرة. كما أن مثل هذه التصرفات، وإن بدت فردية، تسيء إلى مناخ الثقة بين الزبون ومقدّم الخدمة، وتفتح الباب أمام فوضى تسعيرية تفتقر لأي إطار أخلاقي أو قانوني واضح.

لا أحد يُنكر حق أصحاب المقاهي في تحقيق الربح، لكن الربح المشروع يمر عبر تحسين جودة الخدمة، وتوفير شروط استقبال أفضل، لا عبر فرض رسوم ظرفية مرتبطة بالمشاعر الوطنية. فالوطنية لا تُشترى، والانتماء لا يُسعَّر، وتشجيع المنتخب المغربي حق وجداني لا بند تجاري.

إن الحاجة اليوم في المغرب ليست إلى مزيد من “الإعلانات”، بل إلى وعي جماعي يوازن بين منطق السوق واحترام القيم المشتركة. لأن المجتمعات لا تُقاس فقط بإنجازاتها الرياضية، بل أيضاً بطريقة تفاعلها الأخلاقي مع تلك الإنجازات، خصوصاً مع اقتراب المباريات الحاسمة لدور الـ16 من كأس أمم إفريقيا 2025، الذي يمثل العرس القاري الأبرز لكرة القدم في القارة الإفريقية.