المغرب.. وعد لقجع للأرامل بـ100% من المعاش يفتح صندوق الأسئلة: من سيدفع الفاتورة؟

في زمن الانتخابات، تصبح الوعود أثقل من الأرقام أحياناً، وتتحول بعض التصريحات إلى عناوين كبرى قبل أن تجد طريقها إلى دفاتر الحسابات.

وفي المغرب، ومع اقتراب موعد الاستحقاق التشريعي، جاء وعد فوزي لقجع بتمكين أرامل الموظفين من الاستفادة من 100 في المائة من معاش أزواجهن المتوفين ليضع ملف التقاعد مجدداً في قلب النقاش السياسي، ويفتح في الوقت نفسه أسئلة محرجة حول الكلفة ومصادر التمويل وإمكانية التنفيذ.

فخلال تجمع انتخابي بمدينة فاس، تحدث لقجع عن إحداث حساب خاص يسمح للأرامل بالاستفادة من المعاش كاملاً، في خطوة اجتماعية تبدو، من حيث المبدأ، جذابة لفئة تعيش في كثير من الحالات ظروفاً مالية صعبة.

لكن المشكلة ليست في جاذبية الفكرة.

المشكلة في الفاتورة.

رفع استفادة الأرملة إلى 100 في المائة من معاش زوجها المتوفى لا يتعلق بمجرد تعديل إداري بسيط.

إنه التزام مالي طويل الأمد.

وكل التزام من هذا النوع يحتاج إلى ثلاثة أشياء واضحة: عدد المستفيدين، الكلفة السنوية، ومصدر التمويل.

وهنا تبدأ الأسئلة التي لم تحصل بعد على إجابات تفصيلية مقنعة.

كم ستكلف هذه الزيادة خزينة الدولة؟

هل ستتكفل الميزانية العامة بالفارق؟

هل سيتم تمويل الحساب الخاص من مساهمات جديدة؟

وهل يتعلق الأمر فقط بمنخرطي الصندوق المغربي للتقاعد، أم أن المقترح يمكن أن يمتد إلى أنظمة أخرى؟

ثم السؤال الأكبر:

المثير في القضية أن فوزي لقجع ليس سياسياً عادياً يخوض أول تجربة له في مجال تدبير المال العام.

اسمه ارتبط لسنوات طويلة بالمالية العمومية، ولذلك فإن أي وعد مالي كبير يصدر عنه يفترض أن يكون مدعوماً، قبل كل شيء، بالحسابات.

المغاربة لا يحتاجون فقط إلى سماع أن هناك «حساباً خاصاً».

بل يريدون معرفة:

من سيموّل الحساب؟

وما هي موارده؟

وهل ستكون موارده دائمة أم مؤقتة؟

ومن سيتحمل العجز إذا تجاوزت النفقات الموارد؟

وما هي الآلية القانونية التي ستسمح بتحويل جزء من المعاش إلى الأرملة حتى بلوغ نسبة 100 في المائة؟

هذه التفاصيل هي التي تفصل بين البرنامج السياسي والوعد الانتخابي.

ملف التقاعد في المغرب ليس ملفاً عادياً.

إنه واحد من أكثر الملفات الاجتماعية والمالية حساسية، لأن أي قرار بشأنه يمتد أثره لعقود.

ولهذا فإن توسيع الاستفادة من المعاشات يجب أن يراعي التوازن بين حماية الأسر التي فقدت معيلها وبين ضمان استدامة صناديق التقاعد.

ومن هنا، فإن الحديث عن منح الأرامل 100 في المائة من المعاش يفرض فتح نقاش أوسع:

هل تم احتساب الكلفة على مدى عشر سنوات؟

ماذا سيحدث بعد عشرين سنة؟

هل ستتغير الاشتراكات؟

هل ستقدم الدولة دعماً مباشراً؟

وهل توجد دراسة اكتوارية تضمن قدرة النظام على تحمل الالتزام؟

أنصار المقترح قد يقولون إن المغرب يستطيع اعتماد سياسة اجتماعية أكثر سخاءً من دول أخرى، وهذا من حيث المبدأ أمر ممكن.

لكن تحقيق ذلك يتطلب إمكانات مالية حقيقية.

ففرنسا وإسبانيا وغيرهما تعتمد أنظمة مختلفة للمعاشات والورثة، ولا يمكن إسقاط نموذج دولة على أخرى بشكل آلي.

ومع ذلك، فإن المقارنة تطرح سؤالاً مهماً:

إذا كانت الاقتصادات الأوروبية الكبرى نفسها تضع سقوفاً وشروطاً للاستفادة من معاشات المتوفين، فما هي الآلية المالية التي ستسمح للمغرب بتقديم 100 في المائة دون أن يتحول الأمر إلى عبء إضافي على المالية العمومية؟

السؤال مشروع.

والجواب يجب أن يكون بالأرقام.

إذا كان شعار المرحلة هو «بوضوح»، فإن الوضوح الحقيقي يبدأ من الحسابات.

ليس المطلوب مهاجمة الفكرة، ولا التقليل من أهمية مساعدة الأرامل.

بل المطلوب أن يعرف المواطن المغربي كيف ستتحول الفكرة إلى قانون، والقانون إلى تمويل، والتمويل إلى معاش يصل فعلاً إلى الأرملة.

فالوعد الاجتماعي يصبح أكثر قوة عندما يكون مصحوباً بدراسة مالية وقانونية واضحة.

أما الاكتفاء بالإعلان عن النتيجة دون الكشف عن الطريق المؤدي إليها، فيترك الباب مفتوحاً أمام الشكوك والتأويلات السياسية.

الملف يطرح أيضاً سؤالاً سياسياً آخر.

كيف سيتعامل قادة الأحزاب والفاعلون في المشهد الانتخابي مع هذا النوع من الوعود؟

هل سيقدمون أرقاماً مضادة؟

هل سيشرحون للناخبين ما يمكن فعله وما لا يمكن فعله؟

أم ستتحول الحملة الانتخابية إلى سباق في إطلاق الوعود الاجتماعية، دون نقاش حقيقي حول مصادر التمويل؟

هنا تحديداً تظهر أهمية المعارضة السياسية والإعلام والمجتمع المدني.

فدورهم ليس رفض كل مقترح جديد، وإنما اختبار قابلية تنفيذه.

والأخطر في مثل هذه النقاشات أن تتحول معاناة الأرامل إلى مجرد ورقة في موسم الانتخابات.

الأرملة التي تنتظر معاشاً يحميها من الفقر لا تحتاج إلى وعد انتخابي فقط.

تحتاج إلى حق مضمون بقانون، وموارد مالية مستدامة، وآلية تنفيذ واضحة.

ولهذا فإن أي سياسي يرفع سقف الوعود الاجتماعية يتحمل مسؤولية مضاعفة في تقديم التفاصيل.

لأن الأمل الذي يُمنح للناس في موسم الانتخابات يصبح التزاماً أخلاقياً وسياسياً بعد انتهاء صناديق الاقتراع.

في النهاية، لا يتعلق النقاش بما إذا كان فوزي لقجع يريد مساعدة الأرامل أم لا.

ولا يتعلق أيضاً بما إذا كانت الفكرة شعبية أو انتخابية.

السؤال أكثر بساطة:

إذا كانت الأرقام موجودة، فلتخرج إلى العلن.

إذا كانت الدراسة جاهزة، فلتُعرض على المغاربة.

وإذا كان التمويل مضموناً، فليُكشف عن مصدره.

أما أن يسمع المواطن النتيجة دون أن يعرف الحسابات التي أوصلت إليها، فذلك سيبقي وعد الـ100 في المائة معلقاً بين البرنامج السياسي والحساب المالي.

وفي بلد يستعد لاستحقاق انتخابي حاسم، ربما يكون أهم شعار يجب أن يسبق كل الوعود هو:

«بوضوح.. أعطونا الأرقام أولاً.»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *