المغـرب: الحكومة ترفض إحالة قانون الفساد على المحكمة الدستورية وتثير الشكوك حول نواياها الإصلاحية

الوطن24/ الرباط
في خطوة وُصفت بأنها تحمل مؤشرات خطيرة على التراجع الديمقراطي، رفضت الحكومة المغربية إحالة مشروع قانون المسطرة الجنائية على المحكمة الدستورية، رغم تضمنه مقتضى مثيرًا للجدل يمنع الجمعيات المدنية من التبليغ عن جرائم الفساد، ما أثار موجة غضب في الأوساط الحقوقية والبرلمانية.
الرفض جاء على لسان مصطفى بايتاس، الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان والناطق الرسمي باسم الحكومة، بعدما اقترح رئيس مجلس النواب، رشيد الطالبي العلمي، عرض المشروع على المحكمة الدستورية للتأكد من مدى دستوريته، خصوصاً في ما يتعلق بتضييق دور المجتمع المدني في مراقبة المال العام.
مصادر موثوقة داخل البرلمان أكدت أن الحكومة مارست ضغطاً لثني رئاسة مجلس النواب عن تفعيل مسطرة الإحالة، معتبرة أن المشروع لا يحتاج إلى “إعادة التقييم الدستوري”، في وقت تعتبر فيه جمعيات ومنظمات وطنية أن البند المتعلق بمنع التبليغ عن الفساد يعد خرقاً مباشراً لفصول من الدستور المغربي، وعلى رأسها الفصل 12 الذي يعترف بدور الجمعيات في التأطير والمراقبة.
ويرى مراقبون أن هذا الرفض لا يمكن قراءته خارج السياق العام الذي يشهده المغرب، حيث تُطرح تساؤلات جدية حول مدى جدية الحكومة في محاربة الفساد، في ظل استمرار تضارب المصالح داخل دواليبها، وغياب آليات فعالة للربط بين المسؤولية والمحاسبة.
كما نددت فعاليات حقوقية بكون هذا المشروع يُفرغ آليات الرقابة الشعبية من مضمونها، ويجعل من مكافحة الفساد شعاراً فقط، في حين تُمارس على الأرض سياسات تسعى إلى تحييد الجمعيات ومنظمات الشفافية، وإضعاف المجتمع المدني.
وإذا كانت الحكومة قد اختارت هذا المنحى في إفراغ الدور الرقابي من مضمونه الدستوري، وآثرت توفير شبكة أمان لعدم التبليغ عن الفاسدين، وانحازت إلى حماية الفساد والمفسدين وتحصينهم من المتابعة القضائية، فإن المسؤولية اليوم تقع على باقي الهيئات المخولة قانوناً، والتي يُنتظر منها أن تمارس صلاحياتها الدستورية في إحالة القانون على المحكمة الدستورية.
فالدستور المغربي يمنح الحق لخمُس أعضاء مجلس النواب أو أربعين عضواً من مجلس المستشارين في التقدم بطلب الإحالة، ما يضع هذه المؤسسات اليوم أمام امتحان المصداقية، ويدعوها إلى التحرك من أجل الدفع نحو مراجعة المادتين الثالثة والسابعة من مشروع المسطرة الجنائية، لتعارضهما مع روح وفصول الدستور، وعلى رأسها الفصل 12، الذي يضمن حق الجمعيات في الإبلاغ عن الفساد والمشاركة في تخليق الحياة العامة.
في ظل هذا التوجس الشعبي والحقوقي، تبدو الحكومة أمام اختبار حقيقي: إما الانخراط الجاد في الإصلاح، أو مواجهة اتهامات بالتمكين لمنظومة فساد بنيوية أصبحت تجد لنفسها حماية داخل مؤسسات الدولة.
