المغـرب قبل انتخابات 23 شتنبر: هل تحولت «التسخينات» السياسية إلى موسم للهيت والرديح؟

الوطن24/ بقلم: عبد الهادي العسلة
مقدمة
مع اقتراب الانتخابات التشريعية المغربية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، بدأت الساحة السياسية تعرف حركية متزايدة، من خلال لقاءات تواصلية وتنظيمية تقوم بها الأحزاب وقياداتها في عدد من المدن والأقاليم والمناطق القروية.
ومن حيث المبدأ، لا يمكن إلا الترحيب بعودة السياسي إلى المواطن، فالسياسة في جوهرها تواصل وإنصات وتأطير واقتراح، والانتخابات ليست مجرد موعد لاختيار ممثلين، وإنما محطة لتجديد العلاقة بين المواطن والمؤسسات والأحزاب.
غير أن توقيت هذه الدينامية، وطبيعة بعض اللقاءات، والأجواء التي ترافقها، تفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول مضمون هذا التواصل وحدوده وأهدافه.
استهلال: حين تعود السياسة إلى الشارع
وأنا أتابع ما يمكن وصفه بـ«التسخينات» السياسية التي تسبق الاستحقاق التشريعي المقبل، وجدت نفسي أمام سؤال بسيط، لكنه في غاية الإحراج:
هل نحن أمام دينامية حزبية حقيقية هدفها الاستماع إلى المواطن، أم أمام موسم سياسي اختلط فيه الخطاب الانتخابي بالفرجة والاحتفال؟
فخلال الأسابيع الأخيرة، تكثفت اللقاءات الحزبية، وبدأ عدد من الأمناء العامين والقيادات الحزبية يتحركون من إقليم إلى آخر، ومن مدينة إلى أخرى، بما في ذلك مناطق قروية ومجالات تعاني من الهشاشة والعزلة وخصاص في عدد من الخدمات.
لا شيء يعيب السياسي في أن يذهب إلى المواطن.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
لماذا الآن؟
ولماذا تتذكر بعض القيادات مناطق لم تكن تحظى بالقدر نفسه من الزيارات والاهتمام عندما كانت الانتخابات بعيدة؟
الإشكالية: تواصل سياسي أم تعبئة انتخابية؟
من هنا تنبثق الإشكالية الأساسية لهذا المقال:
هل تعكس هذه الحركية السياسية عودة حقيقية للأحزاب إلى المجتمع والمواطن، أم أنها مجرد تعبئة انتخابية مبكرة تختلط فيها السياسة بالفرجة، والخطاب بالوعود، والحشود بالبرامج؟
إن طرح هذا السؤال لا يعني التشكيك في نوايا الأحزاب أو القيادات، ولا يعني رفض التواصل السياسي أو التقليل من أهمية اللقاءات المباشرة.
بل يعني ببساطة أن المواطن أصبح أكثر حقاً في السؤال، وأكثر حاجة إلى إجابات تتجاوز الشعارات والمظاهر.
أولاً: من حق السياسي أن يتواصل، ومن حق المواطن أن يحاسب
التواصل مع المواطن ليس امتيازاً سياسياً، بل جزء من المسؤولية العامة.
لكن التواصل الحقيقي لا يبدأ وينتهي مع اقتراب موعد الانتخابات.
فالمواطن الذي يستقبل اليوم وفداً حزبياً أو أميناً عاماً أو مسؤولاً سياسياً، من حقه أن يسأل:
أين كنتم طوال الولاية السابقة؟
ماذا قدمتم للمواطن البسيط؟
ماذا فعلتم من أجل العالم القروي؟
ماذا أنجزتم للمناطق التي ما زالت تعاني من العزلة؟
ماذا فعلتم للشباب الباحث عن العمل؟
وماذا فعلتم للأسر التي تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة؟
وماذا فعلتم للمواطن الذي ينتظر مدرسة أفضل، ومستشفى أفضل، وطريقاً أفضل، وإدارة أكثر احتراماً لكرامته؟
هذه ليست أسئلة عدائية.
إنها ببساطة أسئلة المحاسبة السياسية.
فمن حق الحزب أن يطلب صوت المواطن، لكن من حق المواطن أيضاً أن يطلب حصيلة الحزب.
ومن حق المسؤول أن يقول: «نحن معكم»، لكن من حق المواطن أن يجيبه:
أين كنتم عندما كنا نحتاجكم؟
ثانياً: السياسة أم موسم «الهيت والرديح»؟
ما يثير الانتباه أكثر هو أن بعض اللقاءات السياسية ترافقها أجواء احتفالية شعبية، بالهيت وأحيدوس والرقص والتصفيق.
وهنا ينبغي أن نكون واضحين:
هذه مظاهر من الثقافة الشعبية المغربية الأصيلة، ولا يمكن اعتبارها في حد ذاتها أمراً سلبياً.
المشكلة تبدأ عندما تصبح الموسيقى أعلى من صوت المواطن، والفرجة أقوى من مضمون اللقاء.
فهل جاء المسؤول السياسي ليستمع إلى مشاكل السكان، أم ليستمع السكان إلى خطابه؟
وهل اللقاء السياسي مناسبة لعرض حصيلة وبرنامج ومناقشة الملفات، أم مناسبة لالتقاط الصور وتبادل الابتسامات والاحتفال؟
إن القضية ليست محاربة الفنون الشعبية أو انتقاد العادات المحلية، وإنما التساؤل عن حدود استعمال أجواء الاحتفال في التواصل السياسي، خصوصاً عندما تكون البلاد مقبلة على استحقاق انتخابي حساس.
فالسياسة ليست ضد الفرح.
لكنها أيضاً ليست فرجة.
والمواطن لا ينبغي أن يتحول إلى متفرج على موسم انتخابي، بينما المطلوب منه في النهاية أن يكون شريكاً في صناعة القرار.
ثالثاً: «حب الوطن» فعل لا شعار
في خضم هذه الدينامية، تبرز خطابات حزبية تتحدث عن حب الوطن، وخدمة المواطن، وتغيير الواقع، ورفع الحيف عن العالم القروي.
وهي شعارات جميلة في مضمونها.
لكن حب الوطن لا ينبغي أن يبقى كلمة تقال فوق منصة انتخابية.
حب الوطن فعل وممارسة ومسؤولية.
حب الوطن هو أن يشعر المواطن في القرية أن له الحق نفسه في التعليم والصحة والطرق والماء والنقل وفرص الشغل.
وهو أن تصبح العدالة المجالية واقعاً، لا مجرد فقرة في برنامج انتخابي.
وهو أيضاً أن يظل السياسي قريباً من المواطن بعد الانتخابات، كما كان قريباً منه قبلها.
فالمواطن لا يريد من السياسي أن يحبه موسمياً.
إنه يريد منه أن يخدمه مؤسساتياً ومسؤولاً، وأن يحترم صوته بعد أن يحصل عليه كما يحترمه قبل أن يحصل عليه.
رابعاً: الحوز… عندما تصطدم الأرقام بذاكرة المواطن
ولعل الحوز يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد السياسي الحالي.
فبعد نحو ثلاث سنوات على زلزال 8 شتنبر 2023، حل رئيس الحكومة عزيز أخنوش يوم 18 غشت بمدينة أمزميز في إطار لقاء تواصلي نظمه حزب التجمع الوطني للأحرار، وتحدث عن حصيلة إعادة الإعمار والتأهيل.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عن تصريحات أخنوش، فقد تمت، إلى حدود ذلك التاريخ، إعادة بناء أو تأهيل حوالي 55 ألف مسكن بشكل كلي أو جزئي، فيما استفادت نحو 64 ألف أسرة من الدعم الشهري البالغ 2500 درهم خلال مرحلة ما بعد الزلزال.
هذه أرقام تستحق النقاش والتدقيق.
لكن المواطن المتضرر لا يريد الأرقام فقط.
يريد أن يعرف:
هل انتهت معاناته؟
هل عاد إلى مسكن لائق؟
هل عادت الحياة الطبيعية إلى قريته؟
هل عادت الخدمات الصحية والتعليمية؟
هل فُتحت الطرق والمسالك؟
وهل أغلقت الملفات العالقة فعلاً؟
الأرقام مهمة، لكن الإنسان أهم من الرقم.
والحوز تحديداً لا يحتاج إلى خطاب انتخابي بقدر ما يحتاج إلى استمرار العمل والمواكبة والمحاسبة.
فذاكرة المناطق المتضررة لا تقاس بالجداول والأرقام وحدها، وإنما بما يراه المواطن في حياته اليومية.
خامساً: «جا الوقت»… لكن وقت ماذا؟
الحركة الشعبية بدورها دخلت في دينامية تواصلية واسعة تحت شعار «جا الوقت»، حيث نظم أمينها العام محمد أوزين لقاءات في عدد من المناطق والأقاليم، وقدم الحزب هذه الدينامية باعتبارها فضاء للتواصل والإنصات ومناقشة القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
بل إن الحزب أطلق رسمياً إدارة حملته الانتخابية في يوليوز تحت الشعار نفسه.
لكن المواطن يستطيع أن يطرح سؤالاً بسيطاً:
«جا الوقت» ديال ماذا؟
هل جاء وقت الاستماع الحقيقي؟
أم جاء وقت طلب الأصوات؟
هل جاء وقت تقديم بديل سياسي واضح؟
أم جاء وقت إعادة ترتيب الخريطة الانتخابية؟
هل جاء وقت محاسبة الذات؟
أم وقت محاسبة الآخرين؟
السؤال ليس استفزازياً.
إنه جوهر السياسة.
فالسياسي الذي يرفع شعار التغيير مطالب بأن يوضح: ما الذي سيغيره؟ وكيف سيغيره؟ وبأي وسائل؟
سادساً: الدقة ضرورية… لسنا بعدُ في الحملة الرسمية
وهنا يجب أن تكون الصحافة دقيقة.
فالانتخابات التشريعية المغربية محدد موعدها يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، بينما تبدأ الحملة الانتخابية الرسمية يوم الخميس 10 شتنبر وتنتهي عند منتصف ليلة الثلاثاء 22 شتنبر.
لذلك فإن اللقاءات الحزبية الحالية لا ينبغي وصفها تلقائياً بأنها «حملة انتخابية غير قانونية».
لكن ذلك لا يمنع الصحافة من طرح سؤال أكثر أهمية:
هل ينبغي أن تكون الحدود بين العمل الحزبي والتعبئة الانتخابية واضحة وشفافة أمام المواطن؟
وهنا يأتي دور القانون والهيئات والمؤسسات المكلفة بتتبع العملية الانتخابية.
المطلوب ليس التشكيك في المؤسسات، وإنما التأكد من أن قواعد المنافسة معروفة ومحترمة من الجميع.
سابعاً: وزارة الداخلية… والمطلوب مراقبة فعالة
السؤال عن دور وزارة الداخلية مشروع، لكن المعطيات الرسمية تؤكد أن الوزارة ليست غائبة عن المشهد.
ففي يوليوز، عقد وزير الداخلية اجتماعين مع قادة ومسؤولي الأحزاب السياسية في إطار الاستعداد لانتخابات 23 شتنبر، وتم خلالهما استعراض التدابير التنظيمية والعملية الخاصة بالاقتراع.
كما تم تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات، إلى جانب لجان جهوية وإقليمية، بهدف السهر على سلامة الانتخابات ومختلف مراحلها.
إذن، المطلوب ليس التساؤل فقط عما إذا كانت الدولة تراقب.
بل السؤال الحقيقي هو:
هل ستكون المراقبة فعالة بالقدر الكافي لضمان تكافؤ الفرص واحترام القانون؟
هذا هو الاختبار الحقيقي.
ثامناً: المال واللوجستيك… من يدفع ومن يراقب؟
حين يرى المواطن قاعات مجهزة، وتنقلات، واستقبالات، وتجهيزات، وتنظيماً كبيراً للقاءات الحزبية، فمن الطبيعي أن يسأل عن مصادر التمويل وكيفية تدبير النفقات.
ولا يجوز تحويل هذا السؤال إلى اتهام مسبق لأي حزب أو مرشح.
لكن في المقابل:
الشفافية ليست تهمة.
بل هي أساس الثقة.
وقد استعرضت الدولة مع الأحزاب المقتضيات القانونية والتنظيمية المتعلقة بمساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية، كما وضعت المؤسسات المختصة ترتيبات لتأطير التعددية السياسية والتواصل خلال الفترة الانتخابية، بما فيها قواعد الظهور في وسائل الإعلام السمعية البصرية العمومية.
ومن هنا يعود السؤال إلى جوهره:
هل ستكون المنافسة الانتخابية قائمة على البرامج والأفكار والكفاءة؟
أم على الإمكانيات المالية والحشود والاحتفالات؟
تاسعاً: المواطن لم يعد مجرد متفرج
المشهد السياسي المغربي تغير.
الهاتف المحمول أصبح كاميرا.
واللقاء الحزبي أصبح في ثوانٍ مادة قابلة للانتشار.
والتصريح الذي كان يقال أمام عشرات الأشخاص يمكن أن يسمعه الملايين.
ولهذا فإن السياسي الذي يذهب إلى منطقة مهمشة ليقول للسكان: «نحن معكم»، عليه أن يعرف أن المواطن يستطيع أن يسأله فوراً:
وماذا فعلتم عندما كانت لديكم المسؤولية؟
وهنا لا تنفع الموسيقى.
ولا التصفيق.
ولا الصور.
ولا الشعارات.
الذي يبقى هو الحصيلة.
والحصيلة ليست خطاباً انتخابياً.
إنها ما يلمسه المواطن في المدرسة والمستشفى والطريق والإدارة وفرصة الشغل ومستوى العيش.
عاشراً: المغرب الذي نريده لا يحتاج إلى موسم انتخابي للوعود
لقد قطع المغرب أشواطاً مهمة في بناء المؤسسات وتطوير البنيات التحتية وتعزيز حضور الدولة في عدد من المجالات، ويستعد اليوم لاستحقاق تشريعي مهم.
لكن قوة المغرب لا تقاس فقط بحجم المشاريع الكبرى.
إنها تقاس أيضاً بمدى قوة مؤسساته السياسية، وبمدى ثقة المواطن في الأحزاب، وبقدرة المنتخب على الوفاء بالتزاماته، وبمدى احترام المال العام، وبنزاهة المنافسة، وبقدرة الأحزاب على تقديم وجوه وبرامج قادرة على تحمل المسؤولية.
وقد أكد الملك محمد السادس، في خطاب سابق حول الانتخابات، أن نزاهة الانتخابات لا ترتبط فقط بالإجراءات الإدارية والقضائية، وإنما أيضاً بفعالية الأحزاب السياسية وبالمنافسة النزيهة والمسؤولة.
وهنا بالضبط تكمن مسؤولية الجميع.
خاتمة جامعة: ماذا ستقولون للمواطن يوم 23 شتنبر؟
قبل أن يطلب أي حزب من المواطن صوته، من حق المواطن أن يطلب منه كشف الحساب.
ماذا فعلتم خلال خمس سنوات؟
ماذا أنجزتم؟
ماذا فشلتم في إنجازه؟
لماذا فشلتم؟
وماذا ستفعلون بشكل مختلف خلال الولاية المقبلة؟
أما أن يظهر السياسي قبل الانتخابات قريباً من المواطن، متواضعاً، مبتسماً، مستمعاً، يرقص معه ويضحك معه، ثم تختفي هذه الصورة بعد الوصول إلى البرلمان أو الحكومة، فهذه ممارسة سياسية ينبغي أن تصبح جزءاً من الماضي.
ليس العيب في أن يرقص المواطن أو أن يحتفل.
وليس العيب في أن يحضر الفن والثقافة في اللقاءات الاجتماعية والسياسية.
العيب أن تصبح الفرجة بديلاً عن السياسة، والتصفيق بديلاً عن المحاسبة، والحشود بديلاً عن البرامج، والشعارات بديلاً عن الحصيلة.
المغرب يحتاج إلى سياسة القرب، لا سياسة الموسم.
يحتاج إلى أحزاب قوية، لا إلى حشود قوية فقط.
يحتاج إلى برامج، لا إلى شعارات.
يحتاج إلى المحاسبة، لا إلى التصفيق.
ويحتاج إلى سياسي يعرف أن المواطن ليس رقماً في لائحة انتخابية، وإنما صاحب القرار، وصاحب الصوت، وصاحب الحق في المحاسبة.
ولهذا فإن السؤال الذي يطرحه «كتاب الرأي» في الوطن24 اليوم ليس ضد حزب بعينه، ولا دفاعاً عن حزب آخر:
هل ستكون انتخابات 23 شتنبر 2026 محطة لتجديد الثقة بين المواطن والسياسة في المغرب، أم سنكتشف مرة أخرى أن «جا الوقت» لا يعني إلا أن موعد الانتخابات قد اقترب؟
إن الإجابة لن تكون في المنصات، ولا في الموسيقى، ولا في حجم الحشود.
ستكون يوم الاقتراع، وستكون بعدها في سلوك من سيحصلون على ثقة المواطن.
فذلك هو الاختبار الحقيقي للسياسة، وللأحزاب، وللديمقراطية، وللثقة التي ينبغي أن تجمع المواطن بمؤسساته.
