المنع من الاتصال بالضحية تدبير وقائي مقرر لفائدة المرأة ضحية العنف.

الوطن24/ بقلم: الأستاذ بوستاني الغوثي*

لقد جاء قانون رقم 103.13 المتعلق بالعنف ضد النساء بتدبير وقائي جديد هو منع المحكوم عليه من الاتصال بالضحية، وذلك بمقتضى المادة 4 منه والتي قضت بتميم الفصل 61 من القانون الجنائي، ليضع المشرع بهذا المقتضى القانوني حدا لتخوف ضحية العنف من التبليغ عما تعرضت له، وتخوفها من المشتكى به بعد تقديم شكايتها في الموضوع أو بعد إدانة الجاني وقضائه للعقوبة، أو حتى في حالة الحكم عليه بعقوبة موقوفة التنفيذ.

فلم يعد تاما القول أن جميع العقوبات والتدابير الوقائية المقررة في النصوص الجنائية يعود الحق في طلب تطبيقها والتماسها حكرا على النيابة العامة التي تنوب على كافة افراد المجتمع، باعتبارها الخصم الشريف في الخصومة الجنائية، وأن للدعوى العمومية رب يحميها هو النيابة العامة، وأنه لا يسوغ للطرف المشتكي أو المطالب بالحق المدني – سواء كان هو من حرك الدعوى العمومية أو انتصب فقط طرفا مدنيا- الا المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحقه من جراء فعل مخالفة القانون الجنائي، بل ولأن هذا التدبير الوقائي يرتبط بالأساس بحق الضحية في السلامة الجسدية والنفسية، صار بإمكان الضحية إضافة إلى طلب التعويض عن الضرر الحاصل من الجريمة، ان تلتمس من المحكمة التي تنظر في شكايتها أو في مطالبها المدنية الحكم أيضا على المتهم بعدم الاتصال بها أو التواصل معها باي وسيلة من الوسائل أو الاقتراب من مكان تواجدها.

 وقد منح الفصل 1-88 من القانون الجنائي بعد تتميمه بمقتضى المادة 5 من القانون 103.13 المذكور إمكانية الحكم بتدبير المنع من الاتصال بالضحية في حالة الإدانة من أجل جرائم التحرش أو الاعتداء أو الاستغلال الجنسي أو سوء المعاملة او العنف ضد المرأة أو القاصرين لمدة لا تتجاوز خمس سنوات، ابتداء من انتهاء العقوبة المحكوم بها على الجاني أو من تاريخ صدور المقرر القضائي، اذا كانت العقوبة السالبة للحرية المحكوم بها موقوفة التنفيذ أو الغرامة أو عقوبة بديلة، وان هذا التدبير يمكن ان يكون مشمولا بالتنفيذ رغم كل طعن.

 كما يسمح نفس النص القانوني بالحكم بالمنع من الإتصال بالضحية أو التواصل معها أو الاقتراب من مكان تواجدها بصفة نهائية، مع الزامية تعليل هذا المنع النهائي، ولعل المشرع قصد هنا بيان المحكمة للغاية من قضائها بالمنع النهائي إما لخطورة الجريمة او للآثار النفسية الجسيمة التي طالت الضحية والتي لا يكفي فيها الحكم بالمنع من الاتصال للمدة القصوى المحددة في 5 سنوات، غير أن الصلح بين الزوجين في جميع الأحوال يضع حدا لتنفيذ التدبير القاضي بالمنع من الاتصال بالضحية.

 وقد أقر الفصل 3-88 امدا آخر للمنع بالاتصال بالضحية، وذلك بتمكين النيابة العامة أو قاضي التحقيق أو تلقائيا من المحكمة أو بطلب من الضحية في حالة المتابعة من أجل الجرائم المشار إليها في الفصل 1.88 المذكورة سالفا، الامر بالمنع من الاتصال بالضحية إلى غاية بت المحكمة في القضية المعروضة عليها.

 ولم يجعل القانون تدبير المنع من الاتصال بالضحية دون جزاء ولا رهينا بإرادة المحكوم عليه، فكما سعى هذا الاخير إلى مخالفة القانون الجنائي بإتيان اعمال العنف التي استدعت الحكم عليه بالمنع من الاتصال بالضحية، قد يعمد من جديد إلى خرق التدبير المحكوم به عليه، وذلك باتصاله بالضحية أو التواصل معها باي وسيلة من الوسائل أو الاقتراب منها، لذلك فقد جرم القانون نفسه خرق هذا التدبير وذلك بجعله جريمة يعاقب عليها بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من الفي درهم إلى عشرين ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين (الفصل 1-123 من القانون الجنائي).

 ان الغاية من احداث هذا التدبير الوقائي المتمثل في منع الاتصال بالضحية هو اقرار ضمانة قانونية للنساء والقاصرين ضحايا العنف لكسر جدار الصمت، ومحفزا لفضح والتبليغ عن جرائم العنف التي تطالهم، وعدم التخوف من انتقام الجاني، سواء اثناء المحاكمة اذا كانت المتابعة في حالة سراح، أو بعد الإدانة اذا كانت العقوبة السالبة للحرية المحكوم بها موقوفة التنفيذ، أو عقوبة بديلة، أو حتى بعد قضاء العقوبة الحبسية، وربما أيضا محاولة لتضميد الجراح النفسية قبل الجسدية للضحية وذلك بإبعاد ما أمكن الجاني عنها الذي يبقى مجرد قربه تعميقا للمأساة، ولعل جعل القانون اقصى امد المنع في خمس سنوات اقرارا منه ان التعافي من الجراح النفسية يستلزم وقتا كافيا، وقد لا تسعفه حتى اقصى المدة مما يتناسب معه الحكم بالمنع من الاتصال أو التواصل بالضحية بصفة نهائية بتعليل.

* المحامي بهيئة المحامين بالدار البيضاء