تالسينت: البلدة القريبة من القمر .

الوطن 24/ بقلم : محمد أبخوش
ماقبل الحكاية
كتب أحد المثقفين المغاربة ما أدهشه وهو يقترب من دخول البلدة زائرا عبر الحافلة، وعنون مقاله بما يفيد أن القمر قريب جدا من تالسينت لأنه لم يره أكثر قربا من قبل. لقد تكرم بالكتابة عن تالسينت ووضعها في مرتبة النجوم والكواكب ولم يخطئ كاتبنا صاحب الحس المرهف والفكر النافذ، فتالسينت تحتضن نجوما وكواكب أسست المكان وجعلت نورها يسطع في الكون. نجومنا ليست بقيمة نجوم هوليود ولا بوليود ولا تفترش السجاد الأحمر في كـــــــان. إنها نجوم متواضعة لا تبحث عن الشهرة ولا تهمها عدسات مصوري مجلات الفضائح. فقط تنتقل في هذا المكان وتصنع لحظاته وتؤرخ للإنسان. إنها تتحرك بالصورة التي تنقلها إحدى الأشعار الأمازيغية:
أداويغ أحودر أدونيت أدزريغ.

تالسينت : حكاية عشق
لن نتحدث هنا عن أحد أبطال روايات عمالقة الأدب العالمي، ولن نستحضر لا دوستوفسكي ولا تولستوي، لكن ذلك لن يبخس حديثنا هنا والآن. بطلنا يؤثث فضاء المكان بل قد يتماهى مع المكان إلى حد كبير، فمن ذا الذي عمر به أكثر منه، ومن قد يكون عشقه أكثر، ومن يكون قد خبر أمكنته شبرا شبرا، بل من الذي خبر تغير الزمان بلحظاته وأمكنته أكثر؟.
لقد وجد مع البدايات الأولى، ولما لا قد نعتبره من الحكايات المؤسسة، عرف عنه وضعه يديه خلف ظهره وهو يجول صباحا أو مساءا، كما أن عباراته التي ألف النطق بها يحفظها الصغير قبل الكبير. كانت بداياته شابا يافعا عاشقا للعين “الشرشار” ينزل إليه مرارا وتكرارا، منذ الصباح وقد يمتد ذلك إلى المساء متأخرا. في ذلك الزمان لا زالت البلدة لم تغطى بعد بأنابيب الماء الصالح للشرب و خزان الماء الوحيد كان مخصصا “للقايد” الذي استحوذ أيضا على “المسبح” والغرف المخصصة لملعب كرة القدم حيث من المفترض أن يغير اللاعبون ملابسهم وقمصانهم ويستحموا بعد المباريات.
لا يمكن مقارنته ب”الكراب” لأنه لا يجول ب”قرابه” ولا يوزع أكواب الماء على المارة ولا في السوق، إنه فقط يوفر الماء لبعض سكان بلدته خاصة المرأة التي كانت تأويه وتطعمه، لكنني لم أتبين نوع العلاقة التي جمعتهما : قرابة أم إحسان؟. من الحكايات التي نسجت حول بطلنا أنه ينحدر من منطقة “الظهرة” وقد يكون إنتمائه القبلي منسوبا لآيت بويشاون، بل أكثر من ذلك، فهناك من يقول أن له عائلة صغيرة وإخوة يرسل لهم كل ما يوفره من عمله وتسوله اليومي.
ما بين الأمس واليوم تغير كل شيء حتى “أوعاليا” تغير، لقد كبر بل شاخ، لم يعد مرحا كما كان، لغته تغيرت أيضا، ولم يعد يمد أحدا بالماء، توفيت المرأة التي كانت ترعاه وأصبح وحيدا، مكان إقامته تغير، لقد تكفل بعض المحسنين بتوفير مكان له.
لا زال يجول في أزقة البلدة لكن دون أن يحدث ضجيجا، يطلب إحسانا باللغة المحلية بكل هدوء ويلح في ذلك إلحاحا كبيرا لن تستطيع الصمود أمامه، إنه لا يسعى وراء الغنى، فقط ما يلبي بعض حاجاته. عرف عنه قديما قوله “على ربي ربعة دورو” أما اليوم فلم يعد يقول ذلك. فقط صباحا يرتفع صوته مع صديقه لحسن صاحب المقهى يناديه باسمه ويطالبه بقهوته وبكأس ماء ككل زبون، ومن يسمع ذلك يظنه على عجلة من أمره، وإن تجرأ أحد على جره للحديث فلن يحصل منه على شيء، فقط لحسن صديقه يحادثه بكل احترام كأي زبون قد يدلي له ببعض ما يجول بخاطره.
لم أكن لأتجرأ على جعله موضوعا هذه المحاولة لولا القيمة الرمزية الكبرى التي يحظى بها وهو يحتضن المكان ويحضنه، لقد غابت كنوز كثيرة في غفلة منا، إختفت للأبد وجوه تاركة ثقبا في الذاكرة. لذى ارتأيت، وحتى لا ننسى، أن أفتح نافذة للإبداع والكتابة نحافظ من خلالها على ما يشكل رمزية المكان. البلدة تعج بأقلام وعقول ومبدعين قادرين على نفض الغبار عن أبطالنا شخوص حكاية بدأت مع البدايات الأولى : إسمها تالسينت.
تالسينت : مرثية متأخرة
على الضفة الأخرى، الضفة الجنوبية، اختاروا أن يرقدوا بسلام، استوطنوا المكان واقتسموا الفضاء، افترشوا أرضه وتلحفوا سماءه.
سكان “أجمادين” أو “من الواد لهيه” يذكروننا بثرات انتروبولوجي وسوسيولوجي غني اهتم بهذه العلاقة الملتبسة ذات الجذور الغابرة في المخيال والروح البشرية، والبعد الرمزي المحيط بفهم مصير الإنسان، وكما آخر من المقاربات الفكرية ذات أصول مختلفة كما نجد لدى ميشيل فوكو في بعض كتاباته التي اهتمت بهذا المسلسل من العزل والاقصاء والإبعاد، عن المنفى، أو ما معنى أن يتم التخلص من الفرد خارج أسوار المدينة، فصل بين مجالين: الأسوياء – الغير أسوياء، الأحياء – الأموات.
على الضفة الأخرى، شمال تاغرامت استمرت الفواصل والتحديدات كما لو كانت ترسم حدودا للعالم الآخر، توسط المسلمون المكان بينما احتل اليهود والمسيحيين الأطراف، حدود لا أظن أنه قد تم اختيارها بعناية فقط الصدفة فعلت فعلها. نمط خاص للتعايش، ديموقراطية الأموات: لا تهديدات، لا تفجيرات، لا عنف لا عنصرية، وحتى الأحياء أصيبوا بعدوى هذه التجربة الفريدة، فإن صادف أن مروا من هناك يكون ذلك بوقار واحترام. ظل الحيز الخاص بالمسلمين يتسع بينما توقفت حدود رقعة اليهود والمسيحيين منذ أمد بعيد، ثم بدأ العبث بهما لسنوات، والكثير من الرفات تم نقلها خارجا الى بلدان أخرى.
اليوم زالت كل التقسيمات القديمة للمجال، انتهت كل مقولات الوصف والتحليل، انتقل الأحياء لمزاحمة الأموات، اقتحموا خلوتهم بل تنافسوا في ملكية ما تبقى من أرضهم، جاؤوا بصخبهم ليلوثوا هدوء وسكينة الأموات. قد ينشروا بيانا يدعون الأموات للرحيل، للبحث عن مكان آخر يأويهم.
فهناك أيها العاشق المتيم الولهان احتضنتك تربتها إلى الأبد، بلدتك التي لم تكف يوما عن مراوحة كل أرجائها، كنت محبا بل عاشقا للدروب والأزقة، ألفتها و ألفتك وكدتما تنصهران.
هل تكون قد أخبرتهم بكل ما جد في بلدتك؟ هل تكون قد أثرت حيرتهم من هؤلاء المستوطنين الجدد؟ أرجو أن لا تكون قد أثرت غضبهم من هؤلاء الأحفاد اللامبالين.
مصدر الصور: talsint en photos






