تمغربيت تنتصر: المغرب يكتب الإنجاز… وبعض الصحافيين يبدّلون المواقف

حين يبلغ المنتخب المغربي نهائي كأس أمم إفريقيا 2025، فالأمر لا يتعلق بمباراة عابرة أو نتيجة ظرفية، بل بامتداد لمسار كروي أصبح عنواناً لطموح بلد بأكمله. غير أن هذا الإنجاز، بدل أن يوحّد الخطاب الإعلامي حول جوهر النجاح، أعاد إلى الواجهة مفارقة مقلقة: كيف يصفّق البعض اليوم لما حاربه بالأمس؟

قبل فترة غير بعيدة، تعرّض الإطار الوطني وليد الركراكي وطاقمه التقني لحملات تشكيك قاسية، قادتها أصوات إعلامية مغربية لم تُخفِ قناعتها بأن المشروع بلغ مداه، وأن التغيير “أصبح ضرورة لا تقبل النقاش”. لم يكن ذلك نقاشاً تقنياً هادئاً بقدر ما كان أحكاماً نهائية، صيغت بلغة توحي بأن الفشل مسألة وقت لا أكثر.

لكن كرة القدم، كما التاريخ، لا تعترف بالضجيج، بل بالعمل. ومع بلوغ النهائي القاري، تبدّل الخطاب فجأة. اختفى اليقين بالفشل، وحلّت لغة الاحتفاء، وخرج من كانوا يطالبون بالرحيل ليقدّموا أنفسهم كداعمين للمسار. هنا لا نتحدث عن مراجعة نقدية شجاعة، بل عن انقلاب في النبرة يفرض سؤالاً مشروعاً: هل كان النقد نابعاً من قراءة مهنية، أم من تموقع ينتظر السقوط؟

إن ما حققه المنتخب المغربي لم يكن ضربة حظ، بل نتيجة مشروع واضح المعالم، قوامه الاستقرار، والثقة، والالتزام. وليد الركراكي لم ينجح فقط بخياراته التقنية، بل بقدرته على ترسيخ روح جماعية تعكس جوهر “تمغربيت” داخل المجموعة: الانضباط، التضحية، الإيمان بالقميص، والهدوء تحت الضغط. وهي قيم ظهرت في أصعب اللحظات، لا في لحظات الاحتفال.

ومن موقع إقامتي بدولة أوروبية، ومتابعتي للنقاش الدائر حول المنتخب، لفت انتباهي مفارقة لا تقل دلالة. فقد عبّر إعلاميون عرب وأجانب عن دعم صريح وفرح حقيقي بإنجاز المغرب، وكان من بين أبرز تلك المواقف ما عبّر عنه الإعلامي الليبي مهند الجالي، والإعلامي التونسي فتحي المولدي، في احتفاء صادق يعكس تقديراً نزيهاً لإنجاز كروي عربي وإفريقي، بعيداً عن أي حسابات محلية أو خلفيات مسبقة.

في المقابل، بدا بعض الصحافيين المغاربة داخل الوطن أكثر تحفظاً، أو كأنهم يبحثون في الانتصار عمّا يقلل من وهجه، أو ينتظرون تعثراً يعيد الاعتبار لسرديات سابقة. هذا التناقض لا يمكن تجاهله، إذ يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يكون الاحتفاء الخارجي أصدق أحياناً من الخطاب الداخلي؟

هنا بالضبط يصبح مفهوم “تمغربيت” سؤالاً أخلاقياً قبل أن يكون شعاراً متداولاً. فتمغربيت، في معناها العميق، ليست تصفيقاً بعد الفوز، ولا اصطفافاً مع النتائج، بل موقف ثابت حين يكون الصمت أسهل، وحين يكون الشك هو السائد. هي القدرة على النقد دون هدم، وعلى الاختلاف دون تشفٍّ، وعلى دعم المشروع الوطني دون الارتهان للحظة.

وسيظل الجمهور المغربي راقياً كما فريقه الذي يصنع الانتصارات، وسيكون بحق اللاعب رقم 12، في تكاملٍ واضح للأدوار: الأول داخل المستطيل الأخضر، والثاني في المدرجات، حيث يلتقي الأداء بالعاطفة، ويصدح الجميع بأغنية الانتصار، عنوانها الإيمان بالمغرب وبقميصه الوطني.

في النهاية، سيكتب التاريخ ما أنجزه المغرب، وما صنعه وليد الركراكي وجيل من اللاعبين الذين حملوا القميص بثقة ومسؤولية. أما الخطابات المتقلبة، فستبقى مجرد هوامش تتغيّر بتغيّر النتائج. لقد انتصر المنتخب… وانتصر معه معنى تمغربيت الحقيقي، ولو كشف ذلك، مرة أخرى، حقيقة بعض المواقف التي لا تصمد إلا إلى حين.