جهل الشعب أم إرتباك المسؤولين؟ 10 إجراءات لتفادي الإنهيار

الوطن24/ بقلم: حسين بنعيسى

تهدف هذه المقالة إلى إعادة ترتيب المسؤوليات حول تفشي وباء كورونا بالمغرب، مرة أخرى نعود لنطرح سؤالا عريضا حول خطة الدولة للحد من انتشار الفيروس، ونقول: هل فعلا الخطة التي قدمتها الدولة لحدود الساعة خطة مقنعة من الناحية الصحية؟
تفترض الخطة الصحية لتطبيق حجر صحي محكم وفعال، حزمة إجراءات شاملة على جميع الأصعدة:
- تعقيم روتيني كثيف وشامل لكل شبر بالبلاد.
- فحص روتيني للأعراض يشمل تدريجيا جميع المواطنين، مع إعطاء الأولوية لمحيط الحالات المصابة (البؤر) وللوافدين منها.
- توفير الحاجيات الأساسية لجميع فئات الشعب كشرط لا غنى عنه لإنجاح الحجر الصحي.
- توفير وتعميم مستلزمات الوقاية الشخصية لجميع المواطنين. (الكمامات والمعدات واقية…)
- وقف العمل بجميع القطاعات التي لا دور لها في محاصرة الوباء.
- الإسراع بتجهيز مستشفيات مؤقتة مستعجلة بطاقة استيعابية استباقية لاستقبال المصابين.
- عمل تحسيسي متكامل وشامل، من شروطه الشفافية والحق في الوصول إلى المعلومة.
- تعبئة العنصر البشري تعبئة شعبية شاملة ومتكاملة.
- اعتماد الجيش لفرض النظام وتأمين سير العمل في إطار حالة طوارئ صحية.
- قطع الرحلات الخارجية والحد من التنقلات الخارجية بين المدن والحجر الكامل على المدن الموبوءة.
إذا عدنا إلى ما قامت به الدولة على الأرض، نجد أولا أنها تساهلت في مسألة الفحص ومراقبة الحالات الوافدة من بلدان أروبية بلغ فيها الوباء مستويات خطيرة، وبدل أن تنقل الحالات المشتبه بها مباشرة إلى الحجر الصحي، تساهلت، بل وارتكبت أخطاء في التشخيص، وسمحت لمسافرين مصابين بالتجول داخل البلاد وكأن شيءا لم يقع، النقطة 2 إذن، وهي نقطة استباقية ومهمة، شابتها أخطاء ومماطلات كثيرة، يفترض أن يكون المسؤولون عنها موضع محاسبة.
حتى مع وجود حالة إصابة تجول صاحبها 4 أيام بين المغاربة، خرج رئيس الحكومة ليؤكد زورا وبهتانا أن الوضع تحت السيطرة، بدل أن يرفع من الجاهزية ويعلن الطوارئ الصحية، ألم يكن يعلم السيد رئيس الحكومة أن تجول حالة واحدة مصابة بين المواطنين، قد يسفر عنه ما لا يقل عن 60 حالة في اليوم إذا لم توضع رهن الحجر الصحي؟
فوجئنا كذلك بتصريح خطير ينم عن غياب الاختصاص والإهمال والاستخفاف اللامسؤول بالمواطنين من خلال الادعاء أن فايروس كورونا سيختفي تلقائيا في الصيف.. فهل نستغرب أن يقول البسطاء من شعبنا (لا عن جهل بل عن أمية، والفرق كبير) كلاما من قبيل “ماكاين لا كورونا لا والو”؟ ورئيس الحكومة بنفسه يبخس فيروسا حير العلماء؟ ويتفاعل بهكذا شعبوية مع معطيات علمية، تماما كما يفعل بائعوا الأعشاب الطبية وأصحاب الرقية الشرعية؟
عدا خلو الشوارع والمحلات المغلقة، لا تظهر على المواطنين وفي المرافق العامة حالة بلد في الحجر الصحي لحدود الساعة، المسؤولون ورجال السلطة يتحركون بدون كمامات أو ألبسة واقية، الكثير من الإدارات، العمال والمواطنون عموما يتجولون بدون أقنعة واقية ولا يبدو من هيأتهم أن البلد دخل مرحلة أزمة صحية… إجابة الدولة عن مسألة كهذه كانت هي أن الكمامات ليست ضرورية، في نفس الوقت، ماكرون يعلن أمس أن فرنسا تعاني نقصا حادا في الكمامات، واليوم طرح نفس المشكل في الو.م.أ على لسان ترامب.. كيف يعقل إذن أن لا تكون الكمامات والقفازات ضرورية في بلد يشهد انتشار وباء؟ هل يعرف مسؤولونا عن الأوبئة أكثر من فرنسا أو و.م.أ التي لم يكفيها كل ما رصدت من أقنعة واقية؟ أم أنه لا استعداد لهم لتحمل تكلفتها المالية رغم الخطر المحذق بالبلد؟
ألم يكن من الأجدر صياغة قانون يمنع كليا التنقل دون هذه اللوازم الاحترازية، ويضع المخالفين تحت طائلة الغرامة أو حتى الاعتقال؟ لو تمت صياغة قانون مماثل، كنا سنرى أن بعض المقدمين ورجال السلطة.. أول المخالفين له، تماما كما خالفوا مسألة منع التجمهرات العامة عبر استقبالهم طوابير المواطنين البسطاء للحصول عل “ورقة التنقل”، بدل توصيلها إلى المنازل.
علاوة على أن هذه الورقة تعتبر ناقلا محتملا للفيروس، فلا ثقة لنا أن المقدم “الواعي” أكثر من الشعب “الجاهل” ، قد اتخذ أدنى احتياطات الوقاية التي أوصت بها الجهات المختصة عند مغادرته منزله، أو أثناء تجوله في الشارع لأداء مهامه. منظر لا يبعث على الثقة، أن ترى مسؤولا كيفما كان، لا يضع حتى كمامة تقي المواطنين الرذاذ المتطاير من فمه أثناء تواصله معهم! فهل مسؤولونا محصنون تجاه كورونا؟؟؟
إذن لا داعي لأن نسمع غدا أن المسؤول عن انتشار الوباء هو الشعب لأنه لم يلتزم بالحجر الصحي، فالشعب ليس مسؤولا عن دخول الوباء، ولا عن تفشيه طيلة المرحلة الأولى، وهي الأهم، في حين أن الإجراء الأحادي المتعلق بالبقاء في المنازل، ناهيك عن صعوبة تطبيقه حرفيا دون التقيد ببقية الإجراءات خاصة 3 و5 و7، فهو كذلك إجراء غير كاف حتى من الناحية الصحية. يخطئ المسؤولون إذ يرون أن من الكافي إلزام الناس ببيوتهم، وانتظار اتصالات الأفراد الذين تطورت لديهم الأعراض، ونتيجة هذه الخطة معروفة، إنها لا تفي بالغرض، فقط تؤجل الأرقام المعلنة للمصابين إلى حين تفاقم الوضع، وتترك منافذ لتفشي الفيروس بين الأسر، وتقلل أثر الوباء على طبقة الأقلية ذات الإمتياز، على حساب طبقة الأغلبية التي ستترك لمصيرها بعد أن يسوء الوضع بحجة محدودية الإمكانات والأطقم الطبية.
النقطة 2 المتعلقة بإجراء اختبارات على نطاق واسع، تبين تخلف المغرب مقارنة بغيره من الدول حتى في نطاق دول العالم الثالث، وتكشف استمرار بحث الدولة عن حلول بتكلفة أقل في مرحلة حرجة لا تحتمل هذا الاستهتار. فعدد الاختبارات التي أنجزت قليل جدا مقارنة ببلدان أخرى، خاصة إذا نظرنا إلى عدد الإصابات: 512 اختبار ل 115 إصابة!
نأتي إلى عملية التعقيم، والذي يعتبر نقطة حاسمة ضمن حزمة الإجراءات العشر المفترضة أعلاه. نرى لحدود الساعة أن عملية التعقيم تتم بطريقة مضحكة/مبكية ولا من يطرح حولها السؤال. قبل يومين مرت شاحنات صغيرة ترش الشارع الرئيسي لمدينة القنيطرة، وراءها سيارة ينادي أحد ركابها بالمايكروفون كي يلزم الناس منازلهم. كانت الشاحنات ترش وسط الشارع تماما، لا جنباته، ومرت بسرعة في منظر فولكلوري شبيه بحملة الانتخابات، تساءلت مع نفسي: ماذا تعقمون يا أخي؟! أين الدروب والأحياء والأزقة والجنبات والجدران والسيارات ومقابض الأبواب والأعمدة المعدنية من هذا التعقيم؟ ماذا تعقمون بالضبط؟
التعقيم وجب أن يكون شاملا، دوريا، ومستداما، وإلا فلا داعي له أصلا، فأشعة الشمس ستعقم قارعة الطريق المكشوفة أكثر بكثير مما فعل أصحابنا. من يبحث ويرى كيف تقوم بلدان أخرى بتعقيم أزقتها وشوارعها سيضحك ويبكي في نفس الوقت لذى رؤيته لهذه الخرجات المعدومة الأثر. مسألة التعقيم لا حل لها سوى مد كل الوحدات السكنية بأدوات الرش ومواد التعقيم والوقاية، مع فتح الدولة الباب لمتطوعين محليين حتى يقوموا بهذا العمل الدوري الذي هو جزء لا يتجزء من كفاح المجتمع برمته لمحاربة الوباء. ويضاهي في أهميته إلزام الناس بالبقاء في بيوتهم، لأن الشوارع والأزقة إذا لم تعقم دوريا بهذه الطريقة، فإن الحجر الصحي سيكون دون جدوى. فالكثير من الناس مضطرون للخروج للتبضع والعمل.. هذا طبعا باعتراف الدولة، فمن يحمي هؤلاء في غياب التعقيم المتكرر والشامل للمباني والأزقة والشوارع؟ ناهيك عن أن الأفراد التابعين للسلطة، والذين يقومون بعمل يومي لفرض الطوارئ الصحية، هم أول المهددين بالإصابة بالفايروس في غياب هذا التعقيم.
إن لهذين الإجراءين 1 و 4 دورا توعويا كذلك، فرؤية الناس لهذه الإجراءات وهي تطبق قدم وساق، يجعل الجميع يدرك حجم الخطر والمسؤولية، وإلا كيف سيصدق ابن الشعب البسيط أن المخازني الذي يصرخ في وجهه حتى يتطاير الرذاذ من فمه، ولا يرتدي كمامة ولا قفازا، ولا يلتزم مسافة أمان حتى مع معاونيه، (بل أحيانا يسيرون في “تجمهرات” كما شاهدنا في بعض الفيديوهات)، كيف يمكن لابن الشعب هذا أن يقتنع بأن الخروج من المنزل خطر عليه؟ وأن هذه الإجراءات صحية بالدرجة الأولى؟ أليس رجال السلطة هؤلاء جميعا خارج المنزل؟ لماذا لم يصابوا بشيء إذن؟ هكذا يفكر الناس!
يطول الكلام حول خرق السلطات لمستلزمات الحجر الصحي، واضح أن أعوان السلطة لا يتجاوز وعيهم بخطورة الوباء وكيفية التعاطي معه وعي الشعب، لذلك تجدهم ينظرون إلى حالة الطوارئ الصحية بنفس العقلية والطريقة التي اعتادوها، وهي عقلية إدارية/قمعية، ما يصعب إمكانية نظر المواطن إلى إجراءات الطوارئ كضرورة صحية/مجتمعية.
أكيد أن للشعب مسؤولية في كل ما يجري، ومسؤولية الشعب تتجلى أساسا في التزامه بالحجر المنزلي شرط تمكينه من ذلك، وجماهير عريضة ملتزمة بذلك في حدود المستطاع، لكن واهم من يشتم الجموع المضطرة إلى الإنتظار في المحطات، أو المكدسة عند المقدم، أو الباعة المتجولين الذين لا مصدر للرزق أمامهم… كما لو أن هذه الجماهير هي المسؤولة عن هذا الوضع، وواهم من يظن أننا سنترك له فرصة تحميلها مسؤولية انتشار الوباء. فالانتشار في مرحلته الأولى كان مسؤولية الدولة، وقد فشلت في تدبيرها بأخطاء كارثية، أما البقاء في المنزل، فشرط واحد ضمن شروط عديدة لتطويق الوباء، وإذا فكرنا بشكل موضوعي في المنافذ المطروحة أمام الفيروس للانتشار، فليس ثمت منفذ وحيد هو تجمعات المغلوبين على أمرهم، ثمت منافذ أكثر وأخطر، مادامت مختلف النشاطات التي لم تتوقف تتم لحدود اليوم 22 مارس 2020 دون احتياطات، بما فيها ويالسخرية، نشاطات رجال السلطة لتطويق الوباء. التزام الحجر المنزلي وحده واحترام مسافة الأمان وغيرها من الحلول “المجانية”.. كلها تدابير تبطئ تفشي الوباء في أحسن حالات تطبيقها، ولا يفترض أنها توقفه، فقط أن تبطئه حتى يتاح للإجراءات الأخرى أن تمارس فعلها وتأثيرها.
سنسمع في القادم من الأيام أن الجماهير الشعبية هي المسؤولة نتيجة “جهلها” عن فشل الحجر الصحي، ولكننا تكلمنا وسنتكلم الآن وفيما بعد، لنرتب المسؤوليات الفعلية عن ما سيقع، فمسؤولية الدولة ثابتة وحاسمة، سواء بشكل مباشر عبر ارتجالية خطتها وأخطائها الفادحة، وعدم قدرتها على التعبئة الشاملة والمتكاملة لتحقيق النقاط العشر المذكورة أعلاه، أو سواء بطريقة غير مباشرة كونها المسؤول الأول والأخير عن “تخلف” البلاد ككل، فمتى صارت الدولة “متقدمة” وشعبها “جاهل”؟ وهي التي تصوغ إلى حدود الأمس أشد القرارات تدميرا ورجعية؟! وهل يستقيم أصلا أن تكون ثمة دولة “متقدمة” موازاة بشعب “جاهل”.
وكالعادة رسالة صغيرة لطبقتنا الوسطى، ارحموا هذا الشعب من كلماتكم المقيتة والمهينة، فهذه الجماهير الكادحة مصدومة وخائفة من الجائحة، ولا تعلم ما ينبغي فعله، لأن حيلتها قليلة، فيها غير المتمدرس، والكادح لتحصيل قوت يومه، ومن قهرته الحياة قبل كورونا… وهي الآن تحتاج من يؤازرها ويشد بيدها، توعية وتموينا ووقاية وعلاجا، لا من يغرقها بفضلات ما كدست يداه في شقته المفروشة.
عندك المؤونة دالمعكرونة وداير الحجر الصحي فدارك صافي تكمش.. راك واخذ احتياطاتك أصلا وبالتالي ما غا تمرضش، ومكاين لاش تخاف على الشعب من الشعب، لأن الشعب قاد يبدع حلوله الخاصة مع الوقت، ومكاين لاش تهضر فالسياسة مدامتي تقول الوقت ماشي ديال السياسة.. ركز على الحجر الصحي ديالك حتى يسالي هاذشي ويكون خير.. فالحديث في السياسة مسؤولية وليس هواية.
كفى من شتم الكادحين وتحميلهم المسؤولية!
