حين يبكي البحر… ماذا يقع في المغرب؟ ولماذا في هذا التوقيت؟

هناك صور لا تمر مرور الكرام، بل تستقر في الذاكرة وتترك في القلب وجعًا يصعب وصفه. هذا ما شعرت به وأنا أتابع مشاهد معبر سبتة، حيث أطفال وشباب ونساء وشيوخ يركضون خلف حلم صغير اسمه “حياة كريمة”، غير عابئين بما قد ينتظرهم من خوف أو غرق أو ضياع.

أكثر ما يؤلم في تلك الصور ليس مشهد الهجرة في حد ذاته، بل رؤية الأطفال وسط هذا المشهد القاسي. فالطفل مكانه المدرسة، ودفء الأسرة، وفضاءات اللعب، لا أن يجد نفسه في مواجهة البحر والأسلاك الشائكة والمجهول. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل أرواح بريئة، وأحلام صغيرة، وعائلات تحمل همومًا كبيرة.

لكن، بعيدًا عن العاطفة، يفرض الواقع سؤالًا أكبر وأكثر إلحاحًا: ماذا يقع في المغرب؟ ولماذا في هذا التوقيت؟

إن تزامن هذه المشاهد مع احتفالات عيد العرش، وفي مرحلة يستعد فيها المغرب للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ويواصل الإعلان عن مشاريع تنموية كبرى واستعداداته لاحتضان تظاهرات عالمية، يجعل من المشروع طرح أسئلة عميقة حول أسباب استمرار هذه الظاهرة. فكيف يمكن أن تتعايش صورة المغرب الذي يحقق إنجازات كبرى مع صورة شباب وأطفال يخاطرون بحياتهم بحثًا عن فرصة في الضفة الأخرى؟

إن طرح هذه الأسئلة لا يعني إنكار ما تحقق من مكاسب أو التقليل من حجم الأوراش التنموية التي تشهدها المملكة، بل هو دعوة إلى قراءة الواقع بكل مسؤولية. فالتنمية لا تُقاس فقط بحجم الطرق والموانئ والملاعب، وإنما أيضًا بقدرتها على منح المواطن شعورًا بالأمل، وإقناع الشباب بأن مستقبلهم يمكن أن يُبنى داخل وطنهم.

الهجرة غير النظامية ليست مجرد قرار فردي، بل هي في كثير من الأحيان نتيجة تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، إلى جانب تأثير مواقع التواصل الاجتماعي التي تقدم أحيانًا صورة مثالية للحياة في الخارج، بينما تخفي قسوة الغربة، ومخاطر البحر، والاستغلال، والمصير المجهول.

ولذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تعتمد على المقاربة الأمنية وحدها، مهما كانت أهميتها في حماية الأرواح ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر. بل تحتاج أيضًا إلى سياسات اجتماعية أكثر نجاعة، وفرص شغل حقيقية، وتعليم أكثر جودة، وعدالة مجالية تضمن أن تصل ثمار التنمية إلى كل المناطق والفئات.

إن صور سبتة ليست خبرًا عابرًا، بل رسالة قوية تستحق الوقوف عندها. إنها تدق ناقوس التنبيه، وتدعو الجميع، مؤسسات ومجتمعًا ونخبًا، إلى الإنصات لصوت الشباب، وإلى حماية الأطفال من أن يصبحوا ضحايا لليأس قبل أن يكونوا ضحايا للبحر.

ويبقى الأمل أن يظل المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، قادرًا على تحويل هذه التحديات إلى فرص جديدة، وأن تتعزز السياسات الكفيلة بصون كرامة المواطن، حتى لا يضطر أي طفل أو شاب إلى أن يجعل من البحر طريقًا نحو حلم قد لا يصل إليه أبدًا.

اللهم احفظ أبناء وطننا، وارحم ضعفهم، وافتح لهم أبواب الأمل والرزق والكرامة، واجعل مستقبلهم في وطنهم أكثر إشراقًا وأمانًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *