ذكريات على رصيف زقاق سينما النهضة الصورة وأحلام جيل(1/2).

الوطن 24/ د. أحمد جوهري
**
“اهدى لي صورتو البارح ** اهدى لي صورتو
وكتب فيها بخط واضح ** على ظهر صورتو:
لحبيبي صورتي هديا ** لعزيز الغالي عليا”
أحمد الطيب العلج
**
كانت غُلالة ما قبل الغروب تضفي على زقاق النهضة زرقة رمادية هادئة، وشمس تشرين الثاني الشاحبة تنزلق غربا مسرعة بيومها القصير نحو ليل الساحل الأطلسي. وبين الفينة والأخرى كانت تهب نسائم أمواج البحر الغربية محملة بكتل رطبة دافئة على الرغم من أن الزمن في آخر فصل الخريف البارد. لكن كان هناك شيء أدفئ منها. ذلك الصوت العذب الرخيم الذي كان يغرد بداخل الشرفة العليا لسينما النهضة، صوت ذلك المطرب الشاب الصاعد الذي استطاع أن يجد له مكانا في قلوب جميع الطبقات المغربية: الشعبية والمتوسطة والغنية، على الرغم من سيطرة نجوم الطرب الشرقي على سوق الغناء العربية في بداية السبعينات، مثل كوكب الشرق وفريد الأطرش والعندليب الأسمر. وحصل على لقب الحنجرة الذهبية بفضل أغانيه العاطفية الرقيقة والاجتماعية البسيطة والمرحة أحيانا، النابعة كلها من الوجدان المغربي الأصيل، بدءا من أغاني “الصنارة” و”الجرح القديم” و”الصبر تقاضى” إلى أغاني “الشاطئ” و”القمر الأحمر” و”قطار الحياة” وغيرها. لكن في ذلك الغروب التشريني الدافئ من بداية سنوات السبعينات كان المطرب الشاب الأسمر عبد الهادي بلخياط يغني أغنية لطيفة، هادئة وعجيبة، من زجل الشاعر المرحوم أحمد الطيب العلج بعنوان “الصورة “، وكانت نبرات صوته تشع بفرح العاشق المتيم الذي تلَقَّى أجمل هدية، صورة محبوبته، وهو يردد:
” اهدى لي صورتو لطيفة
نسخة منو بكل صفة
لكن الصورة خيالو
خيالو ماشي بحالو
والزين اللي يرد بالو
بالنفس والروح شريفة. “
فيا لروعة هذا الزجل الشعبي الرقيق الذي يتصارع فيه الخيال بالواقع بداخل قشرة قلب العاشق المفعم بالغبطة والحيرة! الغبطة بهدية الصورة، لكن الحيرة لكون خيال الصورة لا يملأ الواقع، ولا يمكن أن يعوض الحقيقة. ويا لعفة الغزل الطاهر الذي لا تكتمل صورة الجمال فيه إلا بالرزانة (الزين اللي يرد بالو) والروح الشريفة! إنها فعلا أغنية الصورة بكل ما تحمل الكلمة من معنى: فهي صورة للوجدان العاطفي المغربي البسيط والعفيف في فجر سنوات السبعينات، قبيل المحاولات الانقلابية العسكرية المتهورة، وأزمة غلاء قالب السكر، وقبيل تفشي وباء الكوليرا، وسياسة التقويم أو التجويع الهيكلي لصندوق النقد الدولي المفروضة على إفريقيا وبلدان العالم الثالث. وباختصار، قبيل أن تغرق شرايين القلب المغربي تدريجيا في وحل الطين ولزوجة المادة العطنة.
كل تلك المعاني العميقة يمكن أن نقرأها تحت سطور أغنية “الصورة ” للزجال المبدع أحمد الطيب العلج. لكنْ هناك معنى آخر مهم جدا يفيده عنوانها: إنه الإعلان عن دخول المغرب عصر الصورة الجديد بجميع أنواعها: الصورة الفوتوغرافية الثابتة، والصورة السينمائية والمتلفزة المتحركة.
وهكذا في الوقت الذي كانت فيه المطربة اليافعة نعيمة سميح تعلن بخامة بحتها الفريدة عن تفتح الورد وفصل الربيع وهي تغني على أمواج الإذاعة الوطنية أغنيتها “تْفتَّحْ الورد، وغنَّى الطير”، كان عبد الهادي بلخياط يعلن من بوق سينما النهضة عبر أغنية “الصورة ” العاطفية عن تفتح عصر الصورة الجديد، العصر الذي سرعان ما انخرط فيه شعراء وفنانون آخرون، كل يتغنى بالصورة على طريقته، فغنَّى المبدع إبراهيم العلمي “يا للي صورتك بين عينيا”، وغنت نعيمة سميح نفسها للشاعر المهدي زريوح “أحلى صورة “. ولعل أحد أبرز مظاهر هذا العصر الجديد هو تلك الاستوديوهات الخاصة بالتصوير الفوتوغرافي التي غزت شوارع مدن المملكة، ولم تسلم منها مدينة سوكيل ولا زقاق النهضة الذي عرف افتتاح أول استوديو فوتوغرافي في بداية السبعينات يسمى استوديو الشباب! …
(يُــتــبَــــع)


أتتبع سردكم الرصين الشيق بكل اهتمام دكتور أحمد . فقط , أود أن ألفت انتباهكم إلى أن أستوديو الشباب لم يكن الأول فقد سبقه استوديو لمعمر فرنسي كان مقره في محل ” عدي ” لبيع المواد الفلاحية قرب مكتبة بيانو . كل التوفيق أيها العزيز وشكرا لتأريخك الذي يجمع بين نفحات التاريخ وجمالية السرد.