صراع الأفكار في المغرب.. أزمة بين إدريس الكنبوري وأحمد عصيد.

في المشهد الفكري والإعلامي المغربي، يبرز أحمد عصيد والدكتور إدريس الكنبوري كأبرز الأسماء التي تجذب الانتباه، خصوصاً في النقاشات حول قضايا مجتمعية حساسة مثل مدونة الأسرة وحقوق الأقليات. إلا أن العلاقة بين هذين المفكرين، التي كان من المفترض أن تكون نموذجاً للحوار العقلاني، تخللتها العديد من الأزمات الفكرية والإعلامية التي جعلت من النقاش بينهما معركة مفتوحة.

الأزمة الأخيرة بين عصيد والدكتور الكنبوري بدأت عندما تلقى الأخير دعوة للمشاركة في برنامج حواري على قناة “Chadatv” مع أحمد عصيد. المفاجأة جاءت عندما أبلغ القائمون على البرنامج أن عصيد اعتذر عن الحضور، بسبب خلافاته مع الكنبوري. تبرير عصيد كان قائماً على فكرة الاختلاف الفكري، إلا أن الدكتور الكنبوري اعتبر ذلك هروباً من المواجهة الفكرية، خاصة أن هذه ليست المرة الأولى التي يرفض فيها عصيد مناظرة أو حواراً مباشراً مع الكنبوري.

الدكتور الكنبوري، الذي يعتبر الحوار الفكري مفتاحاً للتفاهم والتقارب بين مختلف الآراء، اعتبر أن الهروب من المناظرة ليس إلا اعترافاً بعدم القدرة على دحض أفكاره أمام الجمهور. ورغم اختلافاته العميقة مع عصيد في العديد من القضايا، إلا أن الكنبوري يرى أن الحوار هو السبيل الوحيد لتوضيح المواقف وتصحيح المفاهيم. في هذا السياق، يعتقد الكنبوري أن من يهاجم أفكارك يجب أن تكون أمامه الفرصة لإثبات موقفه، بل ويجب أن يتعرض لمناقشة نقدية.

لكن المشكلة لا تكمن فقط في رفض عصيد للمواجهة، بل في التناقضات التي يتسم بها خطاب هذا الأخير. فمن جهة، يعرض عصيد نفسه كمدافع عن العقلانية والعلم، ويهاجم التقليديين لعدم قدرتهم على التفكير العقلاني، ومن جهة أخرى، يتهرب من مناظرات مباشرة قد تكشف عن هشاشة بعض آرائه. وهذا ما يراه الدكتور الكنبوري تناقضاً كبيراً، خاصة أن الهجوم على الثوابت والمرجعيات الاجتماعية والدينية يجب أن يترافق مع استعداد حقيقي لمواجهة النقد.

تعود هذه الأزمة إلى تاريخ طويل من الخلافات الفكرية بين الكنبوري وعصيد. فالأخير، الذي يحمل آراء ليبرالية حول القضايا الاجتماعية، يقف في معسكر نقد الدين والتقاليد، بينما يلتزم الدكتور الكنبوري بمواقف محافظة تركز على الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية للمجتمع المغربي. هذا التباين الفكري لم يكن ليشكل أزمة إذا ما تم التفاعل معه بالحوار المفتوح، لكن مشكلة عصيد تكمن في أنه يرفض المناظرة في وقت تتطلب فيه الظروف الفكرية والاجتماعية هذا النوع من التبادل الفعّال.

اليوم، لم تعد الأزمة بين عصيد والدكتور الكنبوري مسألة خلاف فكري بحت، بل أصبحت أيضاً مؤشراً على أزمة أعمق في المشهد الإعلامي المغربي، حيث أصبحت الشخصيات العامة، لا سيما المفكرين والإعلاميين، يسعون إلى إبقاء أنفسهم في دائرة الضوء بدلاً من الانخراط في حوار نقدي بناء. في ظل هذه التوترات، يبدو أن الحوار العقلاني في المغرب أصبح ضحية للسياسات الإعلامية التي تفضل الصدامات السطحية على النقاشات العميقة.

الخلاصة أن هذه الأزمة بين الدكتور الكنبوري وعصيد تعكس أزمة أوسع في الفكر المغربي المعاصر، الذي يواجه تحديات تتعلق بالهوية، الحداثة، والمرجعية الفكرية. في النهاية، تبقى الأسئلة الكبرى: هل ستستمر هذه التوترات؟ وهل سيتمكن الكنبوري وعصيد من تجاوز خلافاتهما، أم ستظل الهوة بينهما تتسع أكثر؟