فيليبي السادس يتشبث بسيادة إسبانيا على سبتة من قلب المدينة.. فهل تخشى مدريد عودة ملف الثغرين المحتلين إلى الواجهة؟

الوطن24 / سبتة
في خطاب تتجاوز دلالاته حدود الزيارة الملكية، اختار العاهل الإسباني فيليبي السادس مدينة سبتة لإعادة التأكيد على أن ما تعتبره مدريد سيادتها ووحدة ترابها «غير قابلتين للتفاوض»، موجهاً رسائل حازمة بشأن مستقبل المدينة ومليلية، بالتوازي مع دعوته إلى بناء علاقات مع المغرب قائمة على الثقة والاحترام المتبادل.
وبقدر ما يعكس هذا الخطاب تشبث إسبانيا بموقفها من الثغرين، فإنه يفتح الباب أمام تساؤلات سياسية وتاريخية بشأن توقيت هذه التصريحات ودلالاتها، خصوصاً في ظل استمرار الخلاف المغربي الإسباني حول سبتة ومليلية، اللتين يعتبرهما المغرب مدينتين محتلتين ويرتبط ملفهما بمطلب استكمال الوحدة الترابية للمملكة.
فهل أراد فيليبي السادس توجيه رسالة طمأنة إلى سكان سبتة ومليلية، أم أن خطابه يحمل أيضاً محاولة استباقية لتحصين الموقف الإسباني من أي نقاش مستقبلي بشأن الوضع التاريخي والسياسي للمدينتين؟ وهل يمكن الحديث عن ثقة متبادلة كاملة في وقت تصر فيه مدريد على اعتبار السيادة على الثغرين قضية محسومة من جانب واحد، بينما يظل الملف حاضراً في الذاكرة الوطنية المغربية؟
سبتة ومليلية.. تاريخ أقدم من الخطاب الملكي
لا يمكن قراءة تصريحات الملك الإسباني بمعزل عن الخلفية التاريخية لسبتة ومليلية، فالمدينتان ليستا مجرد نقطتين جغرافيتين على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، بل تمثلان ملفاً تاريخياً وسياسياً متجذراً في علاقة المغرب بأوروبا وبإسبانيا على وجه الخصوص.
فقد دخلت سبتة مرحلة السيطرة البرتغالية سنة 1415، قبل أن تنتقل إلى التاج الإسباني عقب استقلال البرتغال عن إسبانيا في القرن السابع عشر، فيما فرضت إسبانيا سيطرتها على مليلية سنة 1497. ومنذ ذلك الحين، ارتبط وضع المدينتين بمسار تاريخي معقد، ظل موضوع تباين في المواقف بين المغرب وإسبانيا.
ومن المنظور المغربي، فإن استمرار السيطرة الإسبانية على سبتة ومليلية يطرح قضية استكمال الوحدة الترابية للمملكة، ويعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل يكفي مرور القرون لتجاوز المطالب المرتبطة بالتاريخ والسيادة، أم أن معالجة الملفات الترابية تحتاج إلى حوار سياسي جاد يأخذ بعين الاعتبار مواقف الأطراف المعنية؟
إن استحضار التاريخ هنا ليس مجرد عودة إلى الماضي، بل ضرورة لفهم الحاضر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف ظل حاضراً في الوعي الوطني المغربي، رغم التحولات التي عرفتها العلاقات بين الرباط ومدريد.
لماذا اختار فيليبي السادس سبتة لإطلاق هذه الرسائل؟
إن تأكيد الملك الإسباني، من قلب سبتة، أن السيادة الإسبانية ووحدة التراب غير قابلتين للتفاوض، يطرح أكثر من فرضية بشأن الرسائل التي أرادت مدريد إيصالها.
الفرضية الأولى، أن الخطاب يستهدف أساساً طمأنة سكان المدينة وتعزيز شعورهم بالارتباط بالمؤسسات الإسبانية، خصوصاً في أعقاب التوترات المرتبطة بأزمة الهجرة وما خلفته من مخاوف سياسية واجتماعية.
أما الفرضية الثانية، فتتعلق برغبة مدريد في تثبيت موقفها السياسي بصورة أكثر وضوحاً، عبر تقديم قضية سبتة ومليلية باعتبارها جزءاً من الأمن الوطني الإسباني والأوروبي، وليس مجرد خلاف ثنائي مع المغرب.
وهناك فرضية ثالثة لا تقل أهمية، تتمثل في احتمال أن تكون هذه التصريحات محاولة لتقوية الموقف الإسباني تحسباً لأي نقاش مستقبلي بشأن وضع المدينتين، من خلال التأكيد المسبق على أن مدريد لا ترى مجالاً للتفاوض حول السيادة عليهما.
غير أن هذه الفرضيات تظل قراءات تحليلية لدلالات الخطاب، ولا تعني بالضرورة أن مدريد تستعد لخطوة سياسية محددة ضد المغرب. فالمؤكد أن اختيار سبتة منصة لإطلاق هذه الرسائل يمنحها ثقلاً رمزياً، ويجعلها تتجاوز حدود التصريحات البروتوكولية المعتادة.
الثقة مع المغرب.. هل تكفي لغة الاحترام لتجاوز الخلاف؟
في مقابل نبرة الحزم بشأن السيادة، دعا فيليبي السادس إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع المغرب، مؤكداً أن الثقة والاحترام المتبادل ينبغي أن يشكلا أساس العلاقة بين البلدين.
وهنا تبرز مفارقة سياسية تستحق النقاش: كيف يمكن بناء ثقة استراتيجية مستدامة بين بلدين، في ظل استمرار خلاف تاريخي يتعلق بمدينتين يعتبرهما المغرب محتلتين، بينما تتمسك إسبانيا باعتبارهما جزءاً من أراضيها؟
لا يعني ذلك أن التعاون بين الرباط ومدريد مستحيل، أو أن الخلاف حول سبتة ومليلية ينبغي أن يحول دون تطوير العلاقات الاقتصادية والأمنية والإنسانية. لكنه يعني أن الحديث عن الثقة المتبادلة يكتسب مصداقية أكبر عندما يقترن بالقدرة على إدارة الملفات الخلافية بالحوار والوضوح، بعيداً عن الاكتفاء بتأكيد مواقف أحادية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة خطاب الملك الإسباني باعتباره محاولة للجمع بين رسالتين: التشدد في ملف السيادة وفق الرؤية الإسبانية، والحفاظ على التعاون مع المغرب باعتباره شريكاً أساسياً لا يمكن تجاهل دوره في استقرار المنطقة.
لكن السؤال الذي سيظل مطروحاً هو ما إذا كانت هذه المعادلة قادرة على الصمود على المدى الطويل، أم أن ملف الثغرين سيبقى عاملاً مؤثراً في طبيعة العلاقة بين البلدين كلما تجدد النقاش بشأنه.
استحضار الاتحاد الأوروبي.. تدويل للملف أم تحصين للموقف الإسباني؟
ومن أبرز جوانب الخطاب إصرار فيليبي السادس على تقديم سبتة ومليلية باعتبارهما جزءاً من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، معتبراً أن أي تهديد تتعرض له سبتة يمس الأمن الأوروبي بأكمله.
وهذه الرسالة تحمل بعداً سياسياً واضحاً، إذ تسعى إلى ربط قضية المدينتين بمنظومة الأمن الأوروبي والتضامن بين الدول الأعضاء، بما يمنح الموقف الإسباني امتداداً يتجاوز الإطار الوطني.
لكن من منظور مغربي، يظل من الضروري التمييز بين عضوية إسبانيا في الاتحاد الأوروبي وبين الجذور التاريخية والسياسية للنزاع حول المدينتين. فإضفاء البعد الأوروبي على القضية لا يلغي وجود خلاف مغربي إسباني بشأن وضعهما، كما أن تقديم الملف في إطار أمني لا يعفي من ضرورة فهم أبعاده التاريخية والدبلوماسية.
وهنا يمكن طرح سؤال آخر: هل يسهم توسيع النقاش ليشمل المؤسسات الأوروبية في تهيئة مناخ للحوار بشأن الملفات العالقة، أم أنه يهدف أساساً إلى تثبيت الوضع القائم وتعزيز الدعم الأوروبي للموقف الإسباني؟
لا توجد في الخطاب وحده إجابة حاسمة عن هذا السؤال، لكن المؤكد أن استدعاء البعد الأوروبي يجعل قضية سبتة ومليلية أكثر حضوراً في حسابات الأمن الإقليمي والعلاقات بين ضفتي المتوسط.
المغرب بين ثوابت السيادة وحسابات الدبلوماسية
بالنسبة إلى المغرب، لا يمكن اختزال قضية سبتة ومليلية في مجرد اختلاف في وجهات النظر، لأنها ترتبط بمسألة الوحدة الترابية وبالذاكرة التاريخية للمملكة. وفي الوقت نفسه، فإن تدبير هذا الملف يظل مرتبطاً بحسابات دبلوماسية معقدة، تفرض الموازنة بين التمسك بالمواقف الوطنية والحفاظ على المصالح الاستراتيجية.
ومن ثم، فإن أي نقاش بشأن مستقبل الثغرين يحتاج إلى قراءة هادئة للتاريخ، وفهم دقيق لموازين القوى، واستحضار أهمية الحوار السياسي في معالجة القضايا العالقة.
كما أن غياب رد رسمي مغربي على تصريحات فيليبي السادس، إلى حدود إعداد هذا المقال، لا ينبغي تفسيره تلقائياً باعتباره قبولاً أو تراجعاً عن موقف، لأن الصمت الدبلوماسي لا يحمل بالضرورة دلالة واحدة، وقد يكون مرتبطاً بتقدير توقيت الرد وطبيعته.
والأهم أن الموقف المغربي لا ينبغي قياسه بردود الفعل الآنية وحدها، بل بما تعكسه المواقف الرسمية والمبادئ التي تستند إليها المملكة في تدبير ملفاتها الترابية.
خطاب حازم وأسئلة مفتوحة
في المحصلة، أعاد خطاب فيليبي السادس من سبتة قضية الثغرين المحتلين إلى واجهة النقاش السياسي، جامعاً بين التشبث بالموقف الإسباني والدعوة إلى علاقات مستقرة مع المغرب.
لكن الرسالة الأبرز لا تكمن فقط في تأكيد مدريد موقفها من السيادة، بل في الأسئلة التي يطرحها هذا الموقف بشأن مستقبل العلاقات بين البلدين: هل يمكن بناء ثقة استراتيجية كاملة مع استمرار هذا الخلاف التاريخي؟ وهل سيظل ملف سبتة ومليلية محكوماً بمنطق تثبيت الوضع القائم، أم يمكن أن يصبح، في مرحلة ما، موضوع حوار سياسي جاد؟
بالنسبة إلى المغرب، تظل القضية مرتبطة بذاكرته التاريخية ومطلب استكمال وحدته الترابية. وبالنسبة إلى إسبانيا، يقدم الخطاب الملكي موقفاً واضحاً برفض التفاوض حول ما تعتبره سيادتها.
وبين الموقفين، تبقى الدبلوماسية والحوار وتدبير الخلافات بالحكمة عناصر أساسية في تحديد مستقبل العلاقة بين الرباط ومدريد، من دون أن يعني التعاون بين البلدين اختفاء الملفات التاريخية العالقة أو التخلي عن المواقف الوطنية.
فالتاريخ لا يُمحى بالخطابات، والخلافات السيادية لا تُحسم بمجرد إعلان طرف واحد أن موقفه غير قابل للتفاوض؛ بل إن اختبار العلاقات الحقيقية يبدأ عندما يصبح الحوار قادراً على استيعاب القضايا الأكثر حساسية، بدل الاكتفاء بتأكيد المواقف المتعارضة.
