ما أرخص الثمن

الوطن 24 / بقلم: العلمي الدريوش

لنتفق منذ البداية أنها مجرد لعبة تقتضي الربح الخسارة. ونحن أمة استأنست بالخسارة طويلا وأصبحت مقوما من مقومات تميزها وهويتها، ولا ترضى لنفسها أن يكون الإنتصارلحظة عابرة. فوالتين والزيتون وهذا البلد الأمين، ما أنا بشاعر يائس أو حزين حتى أقلب مواجعكم وأصب الزيت فوق الجرح والأنين .
وفاءا منا لمبادئ التماسك والإنسجام، خسرنا عن إصراروجدارة. نحن لا نقبل أن يشذ شيء فينا عن القاعدة : خسرنا في السياسة وقاطعنا، ليسوسنا فقهاء الظلام الذين حرموا الربا واستمتعوا بالفائدة. خسرنا في التعليم وسرحنا خيرة الأساتذة، ثم استقدمنا لأبنائنا عمالا بعقد تشغيل هي في كل هذا الكون رائدة. خسرنا في مجال الطب وأصبح الاف أطباء المستقبل يرجون سنة بيضاء هي خير من لا فائدة. . خسرنا وخسرنا .. وحافظنا على مبدأ الخسارة حتى لا نخدش الإنسجام، ونحن الشعب الصبورالفخور بالإنسجام. خسرنا لأن الربح يعلم الخروج عن الطاعة والجماعة، ويزرع في أبنائنا الطموح والجسارة .
نحن شعب تربى على الأخلاق الفاضلة، لذلك واجهنا البنين بالبنات، فأشفقت بناتنا من الإنتصار على البنين صونا للحياء، وحتى لا يقال عنا أمة ماكرة. ثم ما الفرق بين النصر والخسارة؟ .. النصر مذكرخشن لا جمال فيه. والخسارة انثى حنونة وديعة تثير العاطفة والشفقة والدموع. فالتحية لبناتنا وقد أشفقن على البنين ورفضن النصر الذي كان منهن على مرمى الخطوة الواحدة.
نحن شعب تربى على طاعة السادة والأولياء. فما أفظع أن نخون ساداتنا ونتنكرلبركاتهم. ولذلك نحترم ساداتنا في المؤسسات الدولية وقد اقرضونا، ولا يهم أن نقضم رواتب المتقاعدين الذين سيتلقون أجورا من غير عمل. ولا يهم أن نقلص من موظفينا، ونترك لأبنائنا فرصا للعب داخل الحجرات وقد قهرناهم طويلا بالجد والكد، وحرمناهم متعة الكسل.
والمهم المهم الأهم من الأهم، أن نحسن صورتنا بين الأمم، وأن نصون العهود ونحمي البنود مهما كان الثمن .. فلعمري تلك خصال أهل الطاعة والكرم. فلا تحقدوا على مدرب أجنبي لأنه ابن السادة والنعمة الكرام .. ولا تحقدوا على شابات جئنا بهن من كل الشتات لتكوين منتخب .. فمن عاداتنا لم الشتات مهما كان الثمن. نحنا دخلنا عصر الحداثة والعولمة والإنفتاح .. وغيرنا ما زالوا في عزلة وانغلاق ولا ينقصهم إلا الكفن. ولهذا افخروا بالمدرب الأجنبي كما تفخرون بإقتناء غواصة أو طائرة.. وسنأتيكم بالطبيب الأجنبي وبالأستاذ الأجنبي. وبالبرلماني الأجنبي، وحتى بالوزير والوزارة ..
والمهم المهم والأهم من الأهم، أن نحسن صورتنا بين الأمم. ونمضي إلى الأمام بثبات الهمم، ولا نلتفت إلى العقول المتكلسة الحائرة .
نحن تدربنا طويلا وتعودنا على تذوق طعم الخسارة، وامتلكنا المناعة، فما عساها تكون كرة القدم . فالمهم أن لا نخدش ذوقنا بالفرحة العابرة.. وأن نترك تاريخنا أبيضا ناصعا لا تعيبه خربشات حتى ولوكانت انتصارا في كرة القدم. والمهم المهم والأهم من الأهم أن نمحو من أذهاننا شيئا إسمه الإحباط واليأس والندم.
لنرفع أقدامنا ورؤوسنا حتى وإن كانت يابسة فارغة. الا ترفع السنابل رؤوسها حتى وإن كانت فارغة.؟. ولنهتف جميعا، ونحن الشعب الصبورعند الشدائد والمحن:
ما أعظم الوطن
ما أرخص الثمن.
