“هل يصف القانون الواقع ؟”

الوطن 24/ بقلم الأستاذ المختار الزو*
إن دراسة الماضي والحاضرهي التي تحدد ما قد يحدث في المستقبل وكما يرى الفقيه الالماني (سافيتي) زعيم المدرسة التاريخية أن القانون وليد التطورات التاريخية وما أحوجنا اليوم إلى دراسة التاريخ القانوني والثقافة القانونية، فالقانون هو وسيلة أو وكالة فعالة، في إحداث التغيير الإجتماعي في البلاد أو في أي منطقة على وجه الخصوص، ولذلك، فإننا نشجع إيماننا بأن القانون كان محوريا في إدخال تغييرات في البنية والعلاقات المجتمعية، وهناك عبارة شهيرة تقول “القانون لا يحمي المغفلين”، والمغفل هنا هو من لا يعرف التفاصيل القانونية لما يقدم عليه، وكلما تطوَّرت القوانين وتشعبت ودخلت في تفاصيل حياتنا ومعاملاتنا كلما ازدادت أهمية الإلمام بهذه القوانين ومعرفتها.
وهذا الأخيرهوالمرجع الأساسي عند ظهورالمشاكل التي تتعلق بمختلف نواحي الحياة سواء الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والإدارية، حيث أصبحت كافة المجالات الآن ينظمها ويحكمها القانون، لذلك فإن الثقافة القانونية هي أشمل أنواع الثقافات لأنها متدخلة في كل شيء من حولنا، فهي تتسم بالشمولية لمخاطبة كافة أطياف المجتمع في كافة نواحي الحياة.
وعليه نقول أن القانون الوضعي واجب الطاعة ما لم تؤدي طاعته إلى معصية الخالق تعالى، إذ بدون طاعة القانون يختل النظام وتستحيل إمكانية الحياة.
ومن خلال قراءتنا للواقع المعاش، وإقترابنا من العلماء نرى إن موقف العلماء من القانون الوضعي هو موقف إيجابي لا معادي، وإن كانوا لا يرون فيه ما يحمل الخيرالأتم للبشرية، ويظهرلنا ذلك خلال سيرتهم سالفاً عن سالف في طاعتهم لاحكام القوانين الوضعية التي يعيشون في دائرتها، فعلماؤنا لا ينكرون على القوانين الوضعية سعيها إلى نشر العدل وبسطه، وحملها للخيروالسعادة من خلال تنظيم العلاقات البشرية.
وهذه الأخيرة ليس بعدالة الإلهية مطلقة متطابقة مع الحقيقة بل هي عدالة البشرية نسبية، لأنها عدالة من صنع قُضاة بشر معرضين في أحكامهم للصواب والخطأ، كل بحسب قدرته المحدودة التي تقوم على الظاهروتعجز عن الوصول إلى الباطن الذي يترك علمه لله وحده لا شريك له.
ثم أن هناك المشاكل التي تواجه العالــم البشري وتحد من جودة العدالة، هو حالة التصادم الذي تعيشه المجتمعات في كيانها نتيجة التباينات في المصالح والأفكاروالتي تضعها أمام الأزمات التي تعصف بها وتهزّأركانها وأسسها وقد تقودها نحو الحرب، وهذا يعني أن تكون هذه المجتمعات هشّة وضعيفة وسهلة الإنفراط والوقوع في الطريق المسدود الذي لا ينفتح أمام العدل والسلام والإستقرارالتي هي من أهم أماني وأحلام البشرية.
ولا شكّ فإن تلك الأنانية المفرطة التي تلازم الإنسان هي التي تجعله متمسّكاً بمصالحه الشخصية والذاتية مهما كانت الظروف والنتائج والسبل التي يختارها لتحقيق أطماعه. ولا ننسى أن معظم الحروب وقعت نتيجة لذلك الشّره البشري الذي لا يعرف حدوداً وقيوداً لإشباع رغباته ونزواته.
والتاريخ لازال يئن ويتألّم نتيجة لذلك الظلم المتراكم عبر تجاوزات إخترقها الطغيان البشري ليعتدي على حريات الآخرين ويلتهم حقوقهم.
*باحث في العلوم القانونية وعلوم التربية وديداكتيك.
