إدماج معتقلي الرأي بين فشل الرعاية اللاحقة وضرورة العدالة الاجتماعية

الوطن24/عبد العالي بريك
تُعد قضية إدماج معتقلي الرأي والسجناء السياسيين بعد الإفراج من أكثر الملفات حساسيةً وتعقيدًا في البلدان التي شهدت تحولات أمنية أو توترات سياسية. فبعد سنوات من السجن وما يرافقها من أذى نفسي، وحرمان اجتماعي، ومتابعات أمنية، يجد هؤلاء أنفسهم في مواجهة فراغ مؤسساتي، ولامبالاة رسمية، وإقصاء مجتمعي. وعلى الرغم من المحاولات المتعددة التي قامت بها بعض الجهات الرسمية أو الجمعيات الممولة تحت شعار “الرعاية اللاحقة” لإعادة إدماج هؤلاء السجناء، إلا أن التجربة أبانت عن فشل ذريع في معالجة جوهر الأزمة، بل وأدت في كثير من الحالات إلى مزيد من التهميش والانكسار.
لقد أفاد عدد من المعتقلين السابقين، خصوصًا من المنتمين لما يُعرف إعلاميًا بـ”تيار السلفية الجهادية”، أن برامج الدعم المزعومة لم تكن سوى مشاريع ورقية، لم تراعِ احتياجاتهم الحقيقية، ولم تُصغ إليهم بوصفهم بشراً يحتاجون إلى كرامة واعتراف، لا مجرد ملفات تُؤدى عنها المنح وتنتهي عند حدود الصور والتقارير الرسمية. وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل كان الغرض من تلك البرامج هو إعادة الإدماج فعلًا، أم تسويق رواية رسمية أمام الجهات المانحة والرأي العام؟
إن الإدماج الحقيقي لا يمكن أن يتم بمقاربة فوقية تعتبر السجين “سلعة” تُدار بمنطق الإحسان أو الترويض، بل يجب أن يُنظر إليه كمواطن كامل الحقوق، يستحق العدالة والتكافؤ، لا كمواطن من “الدرجة الرابعة”. من هنا، يطالب كثير من السجناء السابقين أن يُمنحوا دعماً ماليًا مباشرًا ومحترمًا، يمكّنهم من بدء حياة جديدة باختيارهم، واستثمار خبراتهم، بدل انتظار دعم بيروقراطي هش لا يلبي الحد الأدنى من الكرامة.
كما أن هؤلاء السجناء يؤكدون على أولوية الجانب النفسي والإنساني في أي مشروع إدماج. فآثار السجن لا تزول بالإفراج، بل تحتاج إلى رعاية حقيقية، ومرافقة طويلة النفس، تُبنى على الإنصات والثقة لا على المراقبة والشك. إنهم لا يطلبون امتيازات خاصة، بل فقط أن يُعاملوا كضحايا لسياسات سابقة، وليس كعبء أمني دائم.
ومن الواجب، في هذا السياق، فتح ملفات ميزانيات “الرعاية اللاحقة” ومساءلة الجهات المستفيدة منها، عبر تقارير مالية علنية وشفافة، تُحدد بوضوح حجم الموارد وأوجه صرفها. فمن غير المقبول أن تتحول هذه الميزانيات إلى ريوع سياسية أو مشاريع مشبوهة دون حسيب أو رقيب، بينما يظل المعتقل السابق يطارد كرامته في الإدارات والأحياء.
إن إدماج المعتقل السياسي، خصوصًا معتقلي الرأي، يجب أن يُعاد النظر فيه كأولوية وطنية، ليس فقط من باب الإنصاف، بل لأنه رهان على السلم الاجتماعي والتوازن السياسي. ولا يمكن لهذا الإدماج أن ينجح إلا بتجاوز نماذج الرعاية التي أثبتت فشلها، واعتماد مقاربة تنموية وحقوقية حقيقية، تراعي الكرامة أولًا، والمحاسبة ثانيًا، والعدالة دائمًا.
