الانتخابات المغربية: عندما يتبدل اللون وتبقى المصلحة… من يشتري من؟

الوطن24/ بقلم: عبد الهادي العسلة
لم تعد الانتخابات مجرد موعد سياسي يأتي كل بضع سنوات ثم ينتهي بانتهاء عملية الاقتراع وإعلان النتائج.
في المغرب اليوم، ومع اقتراب 23 شتنبر 2026، يبرز إلى جانب البرامج والخطابات الانتخابية سؤال آخر أكثر حساسية: ماذا يجري في الكواليس؟ وكيف تتحرك الولاءات؟ ولماذا تتغير بعض الاصطفافات والوجوه والمواقع كلما اقترب موعد الاستحقاق؟
إنها، في بعض الحالات، معركة الولاءات والحسابات.
وفي هذه المعركة، لا يبدو السؤال دائماً: من يحمل أفضل برنامج؟
بل قد يتحول إلى أسئلة من قبيل:
من يقف مع من؟ ومن انتقل إلى أين؟ ولماذا؟ وهل يتعلق الأمر بقناعة سياسية جديدة أم بحسابات انتخابية؟
وهنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن تُروى.
سوق أربعاء الغرب… نموذج مصغر لسؤال أكبر
بصفتي ابن مدينة سوق أربعاء الغرب وأعيش في أوروبا، أتابع ما يجري في مدينتي كما أتابع المشهد السياسي الوطني.
وما أراه لا يمكن اختزاله في حزب أو مرشح أو جهة بعينها.
إنه سؤال أكبر من الأشخاص والألوان الانتخابية:
هل ما زال الناخب المغربي يختار ممثليه على أساس البرامج والكفاءة والقدرة على خدمة الصالح العام، أم أن الانتخابات تحولت في بعض المناطق إلى امتحان للعلاقات والمصالح والولاءات؟
سؤال قاسٍ، نعم.
لكنه مشروع.
لأن الديمقراطية لا تخاف من الأسئلة، والسياسة الجادة لا ينبغي أن تخشى النقد والمساءلة.
بالأمس صديق… واليوم خصم انتخابي!
في الحياة العادية، قد تجلس مع شخص على مائدة واحدة.
تشربان القهوة.
تسافران معاً.
تتحدثان عن المشاكل نفسها.
وقد يكون وقف إلى جانبك في لحظة صعبة، أو ساعدك عندما كنت في حاجة إليه.
ثم تأتي الانتخابات…
فتتغير الاصطفافات، وتصبح العلاقة التي كانت تبدو قوية جزءاً من الماضي.
لا أحد يقول إن الصداقة تفرض التصويت.
ولا أحد يقول إن من ساعدك بالأمس يجب أن تدعمه سياسياً إلى الأبد.
لكن السؤال الأخلاقي والسياسي يبقى قائماً:
متى يصبح الاختلاف السياسي قطيعة؟ ومتى تتحول المصلحة الانتخابية إلى سبب لمحو الذاكرة؟
وهل السياسة تعني فعلاً أن نستفيد من الأشخاص عندما نحتاج إليهم، ثم نضعهم جانباً عندما تتغير الحسابات؟
من حزب إلى حزب… ومن لون إلى لون!
الترحال السياسي ليس ظاهرة جديدة في المشهد الحزبي المغربي، وتغيير الانتماء الحزبي في حد ذاته حق سياسي مشروع.
لكن المواطن من حقه أن يسأل عن الأسباب والدوافع.
لون هنا…
وصورة هناك…
موقع جديد غداً…
وحسابات جديدة بعد غد.
مرة مع هذا الطرف، ومرة قريب من طرف آخر.
مرة خطاب، ومرة خطاب مختلف.
مرة مبادئ معلنة، ثم مواقف تحتاج إلى تفسير.
السؤال ليس: لماذا غيّرت انتماءك؟
بل:
ماذا تغيّر في قناعتك السياسية حتى غيّرت موقعك؟
إذا تغير البرنامج، فليشرحوا للناس لماذا.
وإذا تغيرت القناعة، فليشرحوا أسبابها.
أما إذا تغير اللون وبقيت الحسابات نفسها، فهنا تبدأ الأسئلة المحرجة.
ليس لأن تغيير الموقف جريمة، وإنما لأن الناخب من حقه أن يعرف هل أمامه قناعة سياسية أم مجرد إعادة تموضع انتخابي؟
المواطن ليس قطعة شطرنج
المشكلة الأكبر ليست دائماً في السياسي وحده.
المشكلة تبدأ عندما يتحول المواطن، ولو بشكل غير مباشر، إلى مجرد رقم انتخابي.
يظهر عندما تحتاجه الحملة.
تُلتقط معه الصور.
تُفتح معه الأحاديث.
تُقدم له الوعود.
ثم، بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، يعود السؤال القديم:
أين اختفى المواطن؟
وهنا يجب قولها بوضوح:
المواطن المغربي ليس ورقة انتخابية.
ليس رقماً.
ليس تابعاً.
وليس ملكاً لأحد.
إنه صاحب الصوت الذي يمنح الشرعية.
والشرعية الانتخابية لا تعني امتلاك الناس، بل تحمل مسؤولية تجاههم.
ولكن… ماذا لو نجح خصمك؟
وهنا ربما يوجد السؤال الأكثر إحراجاً.
أنت اليوم تدعم شخصاً.
وغداً تختلف معه.
ثم تقف في الجهة المقابلة.
وبعد ذلك يفوز هو.
ماذا ستفعل؟
هل ستعود إليه بعد إعلان النتائج؟
هل ستقول له: “كانت مجرد سياسة”؟
وهل يمكن اختصار كل شيء في عبارة:
“هذه هي السياسة”؟
ربما تكون هذه العبارة سهلة، لكنها لا تجيب عن الأسئلة الحقيقية.
فالسياسة ليست فقط الوصول إلى المقعد.
السياسة مسؤولية.
والسياسة أخلاق.
والسياسة أيضاً ذاكرة.
ومن يمد يده إلى الناس خلال الانتخابات، عليه أن يتذكر أن الناس لديهم ذاكرة أطول من عمر الحملة الانتخابية.
المال والقرابة والولاءات… أسئلة لا تختفي
هناك أيضاً أسئلة أكثر حساسية، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها اتهامات مسبقة.
هل ما زالت القرابة تؤثر في الاختيار الانتخابي في بعض المناطق؟
هل يمكن للمال الانتخابي، أو أشكال مختلفة من الدعم والتأثير، أن تؤثر في اتجاه بعض الأصوات؟
هل يستطيع مرشح يمتلك برنامجاً وكفاءة أن يجد نفسه في مواجهة شبكات انتخابية أكثر تنظيماً واتساعاً؟
وهل أصبح بعض الناخبين ينظرون إلى المرشح من زاوية:
“ماذا سأستفيد أنا؟”
بدل:
“ماذا سيقدم للمدينة والمنطقة؟”
هذه ليست أحكاماً مسبقة، ولا اتهامات لأشخاص بعينهم.
إنها أسئلة مشروعة تفرضها طبيعة المنافسة الانتخابية.
لأن أخطر شيء على الديمقراطية ليس السؤال…
بل الصمت عن السؤال.
23 شتنبر… لحظة الاختبار الحقيقي
ستأتي لحظة لا تنفع معها الصور.
ولا الفيديوهات.
ولا التحالفات.
ولا اللقاءات.
ولا الوعود.
إنها لحظة دخول الناخب إلى صندوق الاقتراع.
هناك فقط سيظهر الحجم الحقيقي لكل حملة، وكل مرشح، وكل شبكة انتخابية.
من ظن نفسه قوياً سيعرف إن كان قوياً فعلاً.
ومن اعتقد أن العلاقات وحدها تكفي سيكتشف إن كانت تكفي.
ومن راهن على المواطن سيعرف هل وثق به المواطن أم لا.
ومن غيّر موقعه بحثاً عن موقع أقوى سيكتشف أن الناخب أيضاً يملك حق تغيير اختياره.
وبعد الانتخابات… تبدأ الحقيقة
الانتخابات ليست النهاية.
إنها البداية.
بعد إعلان النتائج، سيعود الناس إلى مشاكلهم الحقيقية:
العمل.
الصحة.
التعليم.
الطرق.
الماء.
النقل.
الاستثمار.
العدالة المجالية.
والكرامة.
عندها لن يسأل المواطن:
مع من كنت في الصورة؟
بل سيسأل:
ماذا فعلت؟
وهنا بالضبط تسقط آخر الأقنعة.
فالناخب قد يمنحك صوته مرة، لكنه لن يمنحك بالضرورة ثقته إلى الأبد.
والمنصب قد يكون نتيجة انتخابية، لكنه ليس شيكاً على بياض.
الوطن24… نطرح السؤال ولا نصدر الحكم
من هذه الزاوية، لا تريد الوطن24 أن تكون جزءاً من لعبة الولاءات، ولا أن تتحول إلى منصة لتصفية الحسابات.
لكنها ستطرح الأسئلة.
وستراقب.
وستدقق.
وستكتب.
وستترك للقارئ والناخب مساحة الحكم.
ورسالتنا بسيطة:
لا تمنح صوتك لمن يطلبه فقط… اسأل أولاً ماذا سيفعل به.
ولمن يغير موقعه كلما تغيرت موازين القوة، نقول:
قد تنجح في الانتخابات…
وقد تخسرها…
وقد تعود بعد سنوات إلى من اختلفت معه اليوم.
وعندها ربما لن تحتاج إلى السياسة لتفهم الدرس.
سيكفيك أن تتذكر من كان معك عندما لم يكن معك أحد.
هذه ليست دعوة للانتقام من أحد.
وليست اصطفافاً مع طرف ضد آخر.
إنها دعوة إلى شيء أبسط وأصعب:
أن تكون للسياسة ذاكرة، وللناخب كرامة، وللصندوق كلمة لا يستطيع أحد إسكاتها.
23 شتنبر 2026… موعدنا مع الحقيقة.
وإلى الملتقى.
