التقاضي بسوء نية في ضوء مستجدات القانون الجديد رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية

الوطن 24 / الأستاذ أشرف بومسيس
يعتبر الحق في الولوج إلى العدالة حقا دستوريا أقره دستور 2011 في الفصل 118 “حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون”، وهو الحق الذي يتضمن في طياته حمولة حقوقية تنظر إلى المواطنين على قدم المساواة من أجل ضمان ممتلكاتهم وحقوقهم باعتبارهم ينتمون إلى دولة يحكمها القانون بمنطق ثنائية الحق و الواجب، وهو ما يجعل الولوج إلى العدالة أمرا مضمونا كلما توفرت الشروط الضرورية للتمتع بهذا الحق.
ويستقي الحق في الولوج إلى العدالة أسسه من منظومة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها على المستوى الدولي، حيث أن التقاضي يعد حقا من حقوق الإنسان كما تنص على ذلك المواثيق الدولية وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادتيه 8 (لكل شخص الحق في اللجوء الى المحاكم…) و7 (الناس جميعا سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز)، وهو في الوقت نفسه الضامن الأساسي لحماية حقوق الإنسان الأخرى من الانتهاك، غير أن هذا الحق،رغم طابعهالدستوري كما هو ظاهر من خلال أحكام الفصل المذكور أعلاه ليس حقامطلقا، بل يتعين ممارسته في إطار من حسن النية واحترام الغاية التي شرعمن أجلها، وذلك تفاديا لتحوله إلى وسيلة للإضرار بالغير أو لعرقلة حسنسير العدالة.
وفي هذا الإطار، تدخل المشرع المغربي من خلال مقتضيات المادة 5 منقانون المسطرة المدنية الحالي ليقرر قاعدة مفادها أن المتقاضي ملزمبممارسة حقوقه وفق قواعد حسن النية، مع ترتيب إمكانية التعويض في حالةالتعسف في استعمال حق التقاضي، غير أن هذه الصياغة اتسمت بطابععام ومجمل، إذ لم تحدد بدقة نطاق هذا التعسف ولا الكيفية الإجرائية لتفعيلالجزاء المترتب عنه، الأمر الذي جعل القضاء يلعب دورا محوريا في ضبطحدود التقاضي الكيدي من خلال الاجتهاد القضائي.
ويبدو أن هذا القصور التشريعي كان حاضرا لدى المشرع عند إعدادمشروع قانون المسطرة المدنية، حيث جاء بنص جديد هو مقتضيات المادة 10 من القانون رقم 58.25 الذي سيدخل حيز النفاذ بعد 06 أشهر من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية والتي أعادت التأكيد على مبدأ حسن النية فيالتقاضي، لكنها أضافت عنصرا جديدا يتمثل في ضرورة ممارسة هذاالحق بما لا يعرقل حسن سير العدالة، وتعكس هذه الإضافة توجهًا تشريعيًايروم توسيع نطاق الرقابة على سلوك المتقاضين، بحيث لم يعد المعيارمقتصرًا على حسن النية فقط، بل أصبح يشمل أيضًا مدى تأثير التصرفاتالإجرائية للأطراف على فعالية المرفق القضائي وسرعة البت في القضايا.
كما أن من أبرز مستجدات هذه المادة تنظيمها لمسألة المطالبة بالتعويض عنالتقاضي بسوء نية، إذ نصت صراحة على إمكانية تقديم طلب التعويضخلال المرحلة التي توجد عليها الدعوى، أو من خلال دعوى مستقلة، ويشكلهذا المقتضى تطورًا تشريعيًا مهمًا، لأنه يضفي وضوحًا إجرائيًا على كيفيةتفعيل المسؤولية الناشئة عن التقاضي الكيدي، ويمنح الطرف المتضرر وسيلةقانونية أكثر فعالية للحصول على التعويض.
ومن زاوية المقارنة، يلاحظ أن هذا التوجه التشريعي ينسجم إلى حد كبير معما استقر عليه التشريع الفرنسي، حيث يكرس قانون المسطرة المدنيةالفرنسي مبدأ المسؤولية عن التعسف في استعمال حق التقاضي، فقد نصتالمادة 32-1 من قانون المسطرة المدنية الفرنسي على أنه يمكن الحكم بغرامةمدنية ضد كل من يباشر دعوى بطريقة تعسفية أو كيدية، دون الإخلالبالتعويضات التي يمكن أن يطالب بها الطرف المتضرر. ويعكس هذاالمقتضى رغبة المشرع الفرنسي في وضع آليات ردعية للحد من إساءةاستعمال الحق في التقاضي، وذلك حماية لفعالية العدالة وضمانًا لحسنسير المرفق القضائي.
ومن خلال هذه المقارنة يتبين أن المشرع المغربي يسير في اتجاه تكريسنفس الفلسفة التشريعية التي تقوم على الموازنة بين ضمان حق التقاضي منجهة، ومنع التعسف في استعماله من جهة أخرى، فالتقاضي يشكل حقًاأصيلًا للأفراد، غير أن ممارسته ينبغي ألا تتحول إلى وسيلة للإضرار بالغيرأو لتعطيل العدالة.
وختامًا، يمكن القول إن المادة 10 من القانون المسطرة المدنية رقم 58.25 تمثل تطورًا نوعيًا مقارنة بمقتضيات المادة 5 من القانون الحالي، ليسفقط من حيث صياغتها الأكثر دقة، ولكن أيضًا من حيث الفلسفة التي تقومعليها، والتي تتجه نحو تكريس نوع من المسؤولية الإجرائية للمتقاضيوتعزيز متطلبات النجاعة القضائية. غير أن نجاح هذا التوجه سيظل رهينًابمدى قدرة القضاء على تفعيل هذه المقتضيات بشكل متوازن يضمن محاربةالتقاضي الكيدي دون المساس بالحق الدستوري للأفراد في الولوج إلىالعدالة.
