“الفساد في القناة الثانية: عندما تصبح جيوب المغاربة حسابًا خاصًا لتمويل ترف المسؤولين”

الوطن24 

في خطوة تعكس توجّهًا جادًا لمكافحة الفساد، تواصل الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء التحقيق في شبهة وجود اختلالات مالية جسيمة في القناة الثانية “2M”، بناءً على شكاية تقدمت بها الجمعية المغربية لحماية المال العام سنة 2019.

القضية التي تعود جذورها إلى تقرير صادم صادر عن المجلس الأعلى للحسابات، كشفت عن خروقات طالت العقود والصفقات، واستنزافًا هائلًا للمال العام بلغ الملايير، مما دفع الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء إلى الأمر بفتح تحقيق موسع شمل مجموعة من المتهمين، على رأسهم المدير السابق للقناة. ولإعطاء التحقيقات بعدًا جديدًا، استمعت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، يوم الثلاثاء 8 أكتوبر، لرئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، بهدف تسليط المزيد من الضوء على هذه القضية التي هزت الرأي العام المغربي.

تتمثل تفاصيل القضية في تلاعبات مالية تتعلق بالبرامج، وعقود الصفقات، ووكالة الإشهار، والتي أدت إلى تراكم الديون بشكل غير مبرر، مما يطرح تساؤلات ملحّة حول كيفية إدارة هذه المؤسسة الإعلامية التي تموّل من أموال دافعي الضرائب. “المال السايب يعلّم السرقة”، هكذا يقول المثل الشعبي، وهو ما يبدو أنه انطبق على من أشرفوا على تسيير هذه القناة العمومية، حيث أصبح المال العام وسيلةً لمراكمة الثروات بشكل غير مشروع، ضاربين عرض الحائط بحق المغاربة في خدمة إعلامية مهنية ومتميزة.

إن ما كشفت عنه التحقيقات إلى حدود الآن ليس سوى غيض من فيض، في قضية أضحت مرادفًا لسوء التدبير ونهب المال العام. الأمر الذي دفع الجمعية المغربية لحماية المال العام إلى المطالبة من النيابة العامة المختصة، ممثلة في وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، بفتح مسطرة الاشتباه في غسل الأموال ضد المتورطين، وحجز ممتلكاتهم ومصادرتها قضائيًا، بناءً على ما توصلت إليه الأبحاث القضائية التي أجرتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، والتي أكدت تورط العديد في تبديد واختلاس أموال عمومية.

الغريب في الأمر هو سعي لوبيات الفساد إلى منع الجمعيات الحقوقية من التبليغ عن جرائم المال العام، عبر تكميم الأفواه وعرقلة دور النيابة العامة في محاربة الفساد، وهو ما تجلّى في مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية، الذي يخدم مصالح هذا اللوبي ويضع العراقيل أمام تحقيق العدالة.

يبقى السؤال المطروح: كيف وصلنا إلى هذا المستوى من الفساد؟ وكيف تحولت قناة تمول من جيوب المغاربة إلى بؤرة للإثراء غير المشروع؟ والأهم من ذلك، هل سيتوقف التحقيق عند صغار الموظفين والمسؤولين في القناة، أم أنه سيتوسع ليشمل جميع المتورطين بمن فيهم الوزراء الذين أشرفوا على القطاع وساهموا في إفلاس قناة عمومية؟

اليوم، يقف المغاربة على مفترق طرق بين معركة وهمية ضد الفساد تُرفع فيها شعارات جوفاء، وبين معركة حقيقية تسفر عن محاكمة لصوص المال العام واسترجاع أموال الشعب، لأن استمرار هذا الفساد دون محاسبة يشكل خطرًا حقيقيًا على الدولة والمجتمع.

إن استمرار التحقيقات وتوسيع دائرة البحث من طرف الفرقة الوطنية يُعتبر خطوةً إيجابية نحو استرجاع ثقة المواطن في مؤسسات الدولة. وعليه، فإننا في الجمعية المغربية لحماية المال العام سنواصل متابعة هذا الملف وغيره، ودفع عجلة الإصلاح قُدمًا، حتى لا يبقى شعار “محاربة الفساد” مجرد كلمات تتردد في المناسبات دون أن تتحول إلى واقع ملموس يعيد للمغاربة حقهم المسلوب.

الفرقة الوطنية للشرطة القضائية: رجال مخلصون على جبهة مكافحة الفساد

في الختام، لا بد من التنويه بالعمل الجاد والاحترافي للفرقة الوطنية للشرطة القضائية، التي أثبتت أنها تتوفر على عناصر كفؤة ونزيهة، رغم كل الضغوطات. لذا، فإن دعم هذه الفرقة وتزويدها بالموارد اللازمة، سيُمكّنها من الاستمرار في أداء واجبها الوطني بكل تفانٍ ومهنية، من أجل تنظيف هذا الوطن من آفة الفساد والمفسدين.