المجال و التنمية … الحلقة الأولى

الوطن 24 / بقلم عبد الواحد بلقصري
تُعتبر إشكالية المجال والتنمية من الإشكاليات الراهنة في عصرنا المعاصر، بالنظر إلى أن مختلف المصطلحات المستعملة والمتداولة تبلور العلاقة بين المجال والتنمية، وتعتبر المجال عنصرًا محددًا في التنمية وتجعلنا نتحدث عن التنمية الترابية.
وإذا كانت التنمية هي عملية تقدم ونمو مستمر تسعى إلى تحسين جودة الحياة عبر تحقيق تقدم شامل للمجتمع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية والاقتصادية، وذلك من خلال تعزيز الاستثمار وخلق فرص العمل ودعم تطور التقدم المجتمعي عبر تحقيق التماسك والتجانس الاجتماعي، فإن المجال يعتبر من أكثر المصطلحات المركزية في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية لكثرة ارتباطه بتخصصات علمية عديدة كالجغرافيا والسوسيولوجيا والهندسة والفكر التنموي…
حيث إنه اكتسى عدة دلالات، ومن الصعب التثبّت على دلالة محددة.
وتحاول هذه المقالة عبر حلقاتها الثلاث أن تبرز أولًا تعريف المجال والتنمية، وثانيًا إبراز أبعادهما ودلالاتهما، وثالثًا توضيح العلاقة بين الفاعلين والتدبير المجالي والتنموي.
1- المجال:
يُعتبر المجال موضوعًا تتقاسمه مجموعة من العلوم، وبذلك يمكن أن نتحدث عن مجال الجغرافيين الذي يتم التركيز فيه على التهيئة، ثم مجال الاقتصاديين (الإنتاج والتسويق والاستهلاك…)، ثم هناك المجال الاجتماعي الذي يشغل بال السوسيولوجيين. وما يميز هذا الأخير هو البحث في الرهانات الاجتماعية حول موضوع السلطة في المجال.
تقول الباحثة مارسيا Law في كتابها Sociologie de l’espace: إن جميع الفضاءات بما فيها المعمار الحضري، والجهات المجالية، والدول الوطنية، وغرف النوم، وساحات الترفيه، ومناطق الأنهار… كلها إبداعات اجتماعية. بمعنى آخر فإن تشكيل الفضاءات هو فعل أدائي (acte performatif).
وقد أكد الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في كتابه L’espace public أن المجتمع الأوروبي أصبح قائمًا على مبدأ العمومية وعلى ثقافة الحوار والمداولات العمومية حول الشأن العام، أي مناقشة القضايا العامة في المقاهي، وعلى صفحات الجرائد، وفي المجالات البرلمانية، والأماكن العمومية، والمؤسسات. فالحياة العامة تتحدد في الساحات العمومية، وفي مجال الممارسة اليومية، وفي المدينة، وفي الأسواق، وفي “الأغورا” (l’agora) أي الساحات العامة التي كانت تنعقد في المجالس البلدية في اليونان القديمة.
وكما أن أرسطو قد ميز بين فضاء الأسرة وفضاء المدينة، فالمدينة هي الفضاء أو الميدان الذي يلتقي فيه المواطنون الأحرار للبقاء على أرضية سياسية واسعة لتحقيق خير أسمى على حد تعبيره (الصحافة، المسرح…).
وقد وصف بورديو المجال الاجتماعي بـ”حقل قوة”، أي إن المجال الاجتماعي مجال سلطة موزعة بطريقة متفاوتة، فلكل فرد ثِقل معين من رأس المال يستعمله لتحسين موقعه، أو للحفاظ عليه. ولهذا نجد بورديو يستعمل الصورة الحربية “حقل الصراع” لتوضيح الفاعلين يتصارعون من أجل الحصول على مكان تحت الشمس. وقد سبق للاقتصادي وعالم الاجتماع الألماني كارل ماركس أن تطرق لهذه المسألة، لكن (كما أشرنا سابقًا) فإن بورديو طوّر أطروحة ماركس. فالجديد عند بورديو هو إلحاحه على فكرة أن البنيات، أي المجال الاجتماعي كحقل قوة وصراع، هي التي تُرغم الفاعلين على القيام بأفعال تنتهي بإنتاج ظاهرة الهيمنة. فهذا الكلام يوضح بشكل كبير السؤال الذي طرحه بورديو، وهو: لماذا يتقبل المهيمن عليهم الهيمنة التي يخضعون لها؟
2- التنمية:
كانت عملية التنمية، في الإطار العريض للفكر الاشتراكي الماركسي، تُعتبر تنمية اقتصادية هي القوة الدافعة، تقوم على مفهوم التحول الهيكلي من خلال محوريه: القطاع الصناعي والتعميق الصناعي التكنولوجي، انطلاقًا من مفهوم تكرار الإنتاج الموسع. وبالتالي الدور الأساسي لعملية تراكم رأس المال وتضخيم الادخار وتوسيع نطاق الاستثمارات المنتجة. ثم تحقيق التنمية بهذا المعنى هو التخطيط القومي الشامل ذو الطابع المركزي الذي يستخدم الخطة كأداة تكاملية ملزمة لتحقيق أهداف التحول الهيكلي التصميمي وما يرتبط به من سياق اجتماعي في ظل الملكية العامة أو السيطرة العامة على أدوات الإنتاج: قطاع عام وتعاونيات.
ورغم الاختلاف بين السياق السوفياتي القائم على المفهوم المدني الحضري وفق مسار التحديث الذي ترعاه الدولة وعلى قدر من اللامركزية في تطبيق الخطط التنموية، إلا أنه يظل من الصحيح أنه لم يتم إدماج البعد الاجتماعي والتنمية المحلية بعمقها الكامل في عملية التخطيط، ومنظومة البعد الاقتصادي بشكل عام. هذا كله عن الفكر الاشتراكي.
أما فيما يتعلق بالفكر الاقتصادي الرأسمالي، فقد ترك بصماته القوية على نظرية التنمية الناشئة من خلال مفهومين ما يزال لهما دور ظاهر حتى الآن، برغم التطورات الجذرية في مسار التكوين الفكري لتلك النظرية، وهما:
- المطابقة بدرجات متفاوتة بين النمو والتنمية من جهة أولى.
- اعتبار مسار التطور الأوروبي والغرب عمومًا هو المسار الطبيعي.
وربما الأمثل الذي ينبغي أن تمر به البلدان الساعية إلى التنمية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، هو ما يُطلق عليه مسار التطور الخطي بين التنمية والتحديث. وقد تم التعبير عن المفهوم الأول من خلال الرافدين المختلفين للفكر الاقتصادي الرأسمالي عقب الحرب، وهما التيار الكينزي، وبالأخرى ما بعد الكينزي، ثم التيار التقليدي المحدث (الكلاسيكيون الجدد). علمًا بأنه جرت محاولة للتوفيق بين التيارين في السبعينات والثمانينات من خلال الصيغة المسماة “التركيب الكلاسيكي الجديد”.
أما المفهوم الثاني فقد عبّرت عنه “نظرية مراحل النمو” التي قدّمها والت ويتمان روستو، وتبلورت مفاهيم عديدة متنوعة حول النمو والتنمية ومراحل النمو قام بها أعلام الفكر الاقتصادي الغربي. وهكذا، فـقضية التنمية على المستوى المحلي احتلت موقعًا مهمًا في أبحاث العلوم الاجتماعية، وإن لم يكن متناسبًا مع أهميتها.
ويتضح من التطور التاريخي لنظرية التنمية خلال نصف القرن الماضي على العموم، أنه كانت هناك محاولة كبيرة لبناء نسيج متكامل لنظرية قائمة على ثلاث دعائم، متأثرة بمناهج التفكير الاشتراكي (المدفوع بمفاهيم الفائض الاقتصادي والتراكم والتصنيع)، وبالفكر الكينزي القائم على التنمية بجانب الطلب المخلق محليًا عبر تصنيع بدائل المستوردات. وتلك الدعائم الثلاثة هي:
- التحول الهيكلي باتجاه بناء اقتصاد صناعي.
- الدفعة الاستثمارية القوية.
- التنمية المتوازنة لقطاعات اقتصادية متضافرة، التي تبناها الاقتصادي السويدي الكبير نيركس، وذلك مقابل فكرة التنمية غير المتوازنة انطلاقًا من القطاع القائد أو الرائد للمسيرة التنموية.
إن هذا البناء الكلاسيكي الضخم لنظرية التنمية الجديدة، بتعبير أدق دعائم الصرح الجديد، مع متانتها وابتكاراتها، سيطر عليه الطابع التعميمي للكيان المجتمعي، حيث ظل البعد الاقتصادي على المحور المركزي. فلم يكن هناك حضور يُذكر للقوى الاجتماعية.
لكن ظهر فرع جديد للشجرة الفكرية التنموية من جانبين:
- الجانب الأول: ما يمكن أن نطلق عليه فكر النظام الاقتصادي العالمي الجديد، الذي بُث بغزارة منذ أواسط السبعينات إلى أوائل الثمانينات، وأبرز المفاهيم الجديدة فيه كان “الاحتياجات الاجتماعية”، في مواجهة المفهوم الاشتراكي الكينزي الذي ثبتت عدم كفايته. إضافة إلى الدعوة إلى الاعتماد على الذات على جميع المستويات، وأخيرًا التكنولوجيا الملائمة، بمختلف أشكالها: أجنبية يجري نقلها وتطويرها، وداخلية محلية يجري إيقاظها وتجديدها في سياق تراثي حضاري.
- الجانب الثاني: الفكر العالم-ثالثي، الذي قاده رواد مدرسة التبعية من أمريكا اللاتينية وفرنسا والوطن العربي مثل أوزفالدو، وهو نكل، وسلسو فرناندو، وأندريه غوندر فرانك، وسمير أمين، حيث قدموا مفهوما جديدًا متحوّرًا حول مقاومة نتائج التبعية الاستعمارية على المجتمع، مثل التهميش والاستلاب الحضاري وليس الاقتصادي فقط، والدعوة إلى العودة إلى الجذور.
وكان من الطبيعي أن يأخذ البعد المجتمعي ثقله وعمقه الكامل في البناء الفكري الجديد، لكنه كان بناءً ذا طابع دفاعي، أي مركزًا على النقد والمواجهة أكثر من كونه بناءً يعالج التفاصيل. فلم نجد أثرًا قويًا لما كان يجب أن يكون.
وفي الثمانينات والتسعينات، برزت عناقيد فكرية واجهت تبعات التعثر الذي كانت تواجهه قوى الاشتراكية ودعاة إقامة نظام عالمي جديد وأنصار مقاومة التبعية، ورواد نماذج التنمية الوطنية القائمة على الاتجاهات الشعبوية وعلى تصنيع الإحلال محل الواردات.
وكانت تجارب التنمية المستدامة الجديدة، السريعة، على أساس التوجه التصديري في شرق آسيا والشرق الأقصى، قد بدأت تؤتي أُكلها، بينما غرقت بلدان نامية أخرى في الركود وفي مصيدة الديون.
وتقدّم صندوق النقد الدولي ومعه البنك الدولي، عن النظام الرأسمالي العالمي الذي استرد عافيته بعد أزمة التضخم الركودي في السبعينات، وأخذ يصارع المعسكر السوفياتي في معركة حتى الرمق الأخير انتهت بسقوط الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينات.
حينئذ قامت الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة بتحرير الأسواق الدولية من جهة أولى، والتركيز على بناء القدرة التنافسية القومية على المستوى الوطني من جهة ثانية، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال ولاية كلينتون. وحينئذ أيضًا نهضت الشركات العابرة للجنسيات التي أصبحت دعاة التنافسية الجديدة وطنيًا وعالميًا، واستثمرت في التكنولوجيا داخليًا تكنولوجيا متطورة جدًا، ومدّت مظلتها لنقل الصناعات الأقل تطورًا نسبيًا من ناحية التكنولوجيا، خاصة إلى شرق آسيا والصين.
وعلى جناحين: من قوة الدولة الصناعية، وعافية الشركات العالمية، مضت المنظمات الدولية القديمة (الصندوق والبنك) والجديدة (منظمة التجارة العالمية) تعالج الديون، وتعيد هيكلة الاقتصادات الراكدة ببرامج التكييف الهيكلي، خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء وغرب آسيا وأجزاء من أمريكا الوسطى والجنوبية.
وحينئذ لم تعد قضية التنمية هي الأساس، بل أصبح الهدف تحقيق قدر من التقدم على طريق مكافحة الفقر والتنمية البشرية. وهنا أثيرت أدوار الجماعات المحلية في هذين الميدانين بالتحديد، في إطار العولمة.
وفي مواجهة كل ذلك، برزت في مطلع الألفية الجديدة نقائض العولمة، من خلال حركات مناهضة العولمة والبحث عن البدائل. وظهرت قوة المنظمات غير الحكومية عالميًا وقطريًا، وهيئات المجتمع المدني، وانطلق الناشطون مستخدمين أدوات الإنترنت دعوةً وعملًا للتحرك على الأصعدة كافة، وخاصة من أجل تنمية المجتمعات المحلية. وقد توفرت أدبيات غزيرة من جراء هذا التحرك النشيط.
