المغرب أمام اختبار الثقة… رياض مزور يشعل غضب مغاربة العالم بين “Reste là-bas” و“بزعط”

الوطن24/ خاص
في لحظة سياسية دقيقة، وجد وزير الصناعة والتجارة رياض مزور نفسه في قلب عاصفة انتقادات غير مسبوقة، بعد تصريحات أثارت جدلاً واسعاً في أوساط مغاربة العالم، وحولت لقاءً كان يفترض أن يكون مناسبة للتواصل الإيجابي إلى عنوان أزمة ثقة عابرة للحدود.
القصة لم تتوقف عند عبارة “بلادك هادي… واش خاصني نشكرك حيث جيتي لبلادك؟… Reste là-bas”، التي اعتبرها كثيرون رسالة قاسية توحي بالاستغناء، بل تصاعد الجدل أكثر مع تداول كلمة “بزعط”، التي رآها نشطاء توصيفاً مسيئاً لا يليق بمقام مسؤول حكومي يتحدث عن شريحة توصف دستورياً وسياسياً بأنها ركيزة من ركائز الوطن.
خلال ساعات، تحولت العبارات المتداولة إلى وقود لنقاش محتدم على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر عدد كبير من أبناء الجالية عن استيائهم مما وصفوه بـ”الاستخفاف غير المقبول”. واعتبروا أن أي خطاب رسمي موجّه إلى مغاربة الخارج يجب أن يعكس حجم التقدير لمساهماتهم الاقتصادية والوطنية، لا أن يفتح الباب أمام تأويلات تمس كرامتهم الرمزية.
مغاربة العالم ليسوا مجرد جالية موسمية تعود في الصيف لزيارة الأهل، بل هم قوة اقتصادية واستراتيجية حقيقية. تحويلاتهم المالية، التي تتراوح سنوياً بين 11 و13 مليار يورو، تمثل دعامة أساسية للاقتصاد الوطني، وتسهم في تعزيز احتياطي العملة الصعبة واستقرار التوازنات المالية، خاصة في فترات الأزمات العالمية. وخلال سنوات الاضطراب الاقتصادي، أظهرت هذه التحويلات صلابة لافتة، متجاوزة في استقرارها قطاعات إنتاجية كاملة.
لكن الدور لا يختزل في الأرقام. فمغاربة العالم يشكلون أيضاً رصيداً بشرياً هائلاً، من أطباء ومهندسين وباحثين ورجال أعمال يتألقون في كبريات المؤسسات الدولية، ويساهمون في نقل صورة إيجابية عن المغرب، ويدافعون عن قضاياه في المحافل الدولية، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية. حضورهم في أوروبا وأمريكا الشمالية وإفريقيا والخليج جعل منهم جسراً حقيقياً للتعريف بالمملكة وتعزيز إشعاعها الاقتصادي والثقافي.
هنا تحديداً تتعاظم حساسية الخطاب. فحين تصدر عبارات قد تُفهم على أنها تقليل من قيمة هذه الفئة، فإن النقاش لا يعود لغوياً فقط، بل يصبح سياسياً وأخلاقياً بامتياز. الوزير يستمد صفته من التعيين الدستوري داخل حكومة يرأسها عزيز أخنوش، لكن الجدل القائم اليوم لا يتعلق بشرعيته القانونية، بل بمسؤوليته السياسية في اختيار الكلمات وضبط نبرة التخاطب مع مواطنين يشكلون امتداداً عضوياً للوطن.
وتزداد حدة التناقض عند استحضار التوجيهات المتكررة لـ محمد السادس، الذي شدد في خطبه على أن مغاربة العالم قوة حية للأمة، ودعا إلى تبسيط المساطر أمامهم وتشجيع استثماراتهم وضمان كرامتهم وحقوقهم. هذه الرؤية الملكية رسخت قناعة بأن الجالية ليست هامشاً، بل شريكاً استراتيجياً في المسار التنموي والدبلوماسي للمملكة.
وفي خضم هذا الجدل، قال محمد. س، محلل اقتصادي مغربي مقيم بمدريد – إسبانيا، في تصريح خصّ به الوطن24:
“المشكل اليوم لا يتعلق بكلمة عابرة بقدر ما يكشف خللاً في تصور العلاقة مع مغاربة العالم. حين يصدر خطاب يوحي بالاستغناء عن كفاءات واستثمارات الجالية، فنحن أمام رسالة سلبية للأسواق قبل أن نكون أمام زلة تواصلية. المستثمر، سواء كان من أبناء الجالية أو شريكاً أجنبياً، يقرأ الإشارات السياسية بعناية، وأي انطباع بوجود برود أو استخفاف قد ينعكس مباشرة على قرار الاستثمار.”
وأضاف: “الدول التي تتنافس على عقول وكفاءات أبنائها تقدم حوافز وتبني جسور ثقة، لا تضعهم أمام خطاب يفهم منه أنهم خيار ثانوي. مغاربة العالم ليسوا ضيوفاً عابرين، بل فاعلون اقتصاديون يضخون مليارات اليوروهات سنوياً في الاقتصاد الوطني، ويمثلون شبكة نفوذ ناعمة للمغرب في العواصم الكبرى. لذلك فإن أي تصريح غير محسوب قد يحرج الحكومة أكثر مما يحرج الجالية.”
وختم بالقول: “إذا كانت هناك رغبة حقيقية في جعل المغرب منصة صناعية واستثمارية إقليمية، فإن أول شرط هو خطاب سياسي يطمئن، يحفّز، ويعترف بالدور المحوري للجالية. الثقة لا تُطلب… بل تُبنى.”
الجدل لم يتوقف عند حدود الكلمات، بل أعاد إلى الواجهة تساؤلات أوسع حول أداء القطاع الصناعي والتجاري، وحول أولويات المرحلة. بعض المتابعين دعوا إلى التركيز على تقييم الحصيلة الاقتصادية بدل الانزلاق في معارك تواصلية تستهلك رصيد الثقة.
الأزمة اليوم ليست مجرد “ترند” عابر، بل اختبار حقيقي لقدرة الحكومة على إدارة الكلمة في زمن تتضخم فيه الرسائل خلال ثوانٍ. فالتدبير السياسي الرشيد لا يقاس فقط بالأرقام والمؤشرات، بل أيضاً بحسن التواصل، وبالقدرة على احتواء الغضب قبل أن يتحول إلى فجوة يصعب ردمها.
أمام تصاعد الانتقادات، تبدو الحاجة ملحّة إلى تواصل رسمي واضح: إما بتوضيح سياق التصريحات إن كانت قد أُخرجت من إطارها، أو بتقديم اعتذار صريح إن ثبت أنها حملت إساءة غير مقصودة. فالمغرب، وهو يسعى إلى تعزيز موقعه كقطب اقتصادي إقليمي وجذب الاستثمارات والكفاءات، لا يملك ترف خسارة رصيد معنوي راكمته جاليته عبر عقود.
مغاربة العالم ليسوا تفصيلاً في المشهد الوطني، بل قوة اقتراح واستثمار وتأثير. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تُغلق هذه الصفحة بتوضيح يعيد الدفء إلى العلاقة، أم تتسع العاصفة أكثر في فضاء دولي يراقب عن كثب صورة مناخ الثقة في المملكة؟
الأيام المقبلة وحدها ستحمل الجواب، لكن المؤكد أن الكلمة في السياسة ليست تفصيلاً… بل قراراً.
