المغرب أمام مفارقة تجديد النخب.. أوزين يعيد محند العنصر، ابن الـ84 عاماً، إلى سباق بولمان في تشريعيات 2026

الوطن24/ هيئة التحرير

في الوقت الذي ترفع فيه الأحزاب السياسية المغربية شعار تجديد النخب وتشبيب الحياة السياسية وفتح المجال أمام الكفاءات والطاقات الجديدة، تأتي عودة محند العنصر إلى واجهة السباق الانتخابي في بولمان لتفتح من جديد واحداً من أكثر الأسئلة حساسية في المشهد السياسي المغربي: متى يبدأ تجديد النخب فعلياً؟

فقد أعلنت الحركة الشعبية رسمياً، خلال لقاء نظم بمدينة فاس يوم 19 غشت الجاري، تزكية محند العنصر وكيلاً للائحة الحزب بدائرة بولمان لخوض الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026. وجاء الاختيار بعد أن كان الأمين العام للحزب محمد أوزين قد أعلن في وقت سابق أن حزبه يتجه إلى ترشيح العنصر، في حال قبوله العودة إلى المنافسة الانتخابية.

العنصر، المزداد سنة 1942 بأموزار مرموشة بإقليم بولمان، يبلغ اليوم 84 عاماً، ويحمل معه مساراً سياسياً طويلاً امتد لعقود، شغل خلالها عدداً من المناصب الحكومية والحزبية، من بينها وزارة الداخلية ووزارة الفلاحة ووزارة البريد والمواصلات، كما قاد حزب الحركة الشعبية لسنوات طويلة قبل أن يسلم الأمانة العامة لمحمد أوزين سنة 2022.

لكن القضية هنا ليست قضية عمر.

من الخطأ اختزال النقاش السياسي في الرقم 84.

فالعمر، في حد ذاته، لا يمكن أن يكون حكماً على القدرة السياسية أو الكفاءة أو الحضور الانتخابي. والسياسي المخضرم قد يمتلك من الخبرة والعلاقات والمعرفة بتفاصيل المؤسسات ما لا يمتلكه سياسي شاب دخل المجال حديثاً.

لكن المفارقة تبدأ عندما يصبح تجديد النخب شعاراً سياسياً متكرراً، بينما تظل بعض الأسماء التاريخية قادرة على العودة إلى الواجهة كلما اقترب موعد الانتخابات.

وهنا لا يتعلق الأمر بمحند العنصر كشخص، وإنما بالسؤال الذي تفرضه عودته على الأحزاب المغربية برمتها:

اللافت في حالة بولمان أن الأمر لا يتعلق بترشيح عادي لشخصية سياسية عابرة.

فمحند العنصر اسم ارتبط طويلاً بالحركة الشعبية وبإقليم بولمان، كما سبق أن مثّل الدائرة في البرلمان، قبل أن يخلفه نجله حسن العنصر الذي كان نائباً عن الدائرة خلال الولاية التشريعية 2021-2026. ويؤكد الموقع الرسمي لمجلس النواب أن حسن العنصر كان نائباً عن بولمان ضمن الولاية المنتهية.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة عودة الأب إلى المنافسة باعتبارها رهاناً انتخابياً واضحاً أكثر منها مجرد عودة رمزية لشخصية تاريخية.

فالحركة الشعبية تسعى إلى الحفاظ على حضورها في دائرة ارتبط بها اسم العنصر لعقود، فيما تدخل بولمان انتخابات 2026 في ظل منافسة قوية، من بينها أسماء سبق أن برزت في انتخابات 2021، وعلى رأسها محمد شوكي ورشيد حموني.

وبالتالي، فإن أوزين لا يعيد العنصر إلى السباق لمجرد استحضار تاريخ الحزب، بل يبدو أن الرهان يرتبط أيضاً بحسابات انتخابية محلية: اسم معروف، تجربة طويلة، ومعرفة دقيقة بخريطة المنطقة السياسية والاجتماعية.

الانتخابات ليست امتحاناً للمرشحين وحدهم.

فالحزب السياسي القوي ليس فقط من يستطيع الاحتفاظ بقياداته التاريخية، بل من يستطيع أن يجعل هذه القيادات جسراً نحو جيل جديد، لا أن تتحول إلى سقف دائم يؤجل صعود أسماء أخرى.

وهذه هي النقطة التي تجعل حالة بولمان مثيرة للاهتمام.

فإذا كان محند العنصر قادراً، في سن الرابعة والثمانين، على العودة إلى المنافسة الانتخابية، فهذا يعني أن الحزب يرى فيه، على الأقل وفق حساباته السياسية والانتخابية، قيمة مضافة قادرة على خوض معركة صعبة.

لكن في المقابل، فإن السؤال الذي سيطرحه مراقبو المشهد السياسي سيكون مشروعاً:

في المغرب، لا يمكن الحديث عن مستقبل الحياة السياسية من دون الحديث عن الشباب.

جيل جديد من المغاربة يريد أن يرى نفسه داخل المؤسسات، لا مجرد جمهور في الحملات الانتخابية أو رقماً في لوائح الانخراط الحزبي.

ومن هنا، فإن استمرار الاعتماد على الوجوه التاريخية قد يبعث برسالة ملتبسة:

وهذه المفارقة لا تخص الحركة الشعبية وحدها، بل يمكن أن تكون مرآة لعدد من الأحزاب التي تجد نفسها، مع كل استحقاق انتخابي، أمام معادلة صعبة بين الخبرة المضمونة والمغامرة بالوجوه الجديدة.

فالمرشح الجديد يحتاج إلى الوقت كي يبني حضوره، وإلى تنظيم حزبي قوي وشبكة تواصل محلية وتجربة انتخابية. أما الاسم التاريخي، فيدخل السباق وهو يحمل معه رصيداً سياسياً وشبكة علاقات ومعرفة بالمنطقة.

ومن منظور انتخابي صرف، قد يبدو الرهان مفهوماً.

لكن من منظور تجديد الحياة السياسية، يبقى السؤال مفتوحاً.

لذلك لن تكون مواجهة بولمان في تشريعيات 2026 مجرد منافسة عادية على المقاعد البرلمانية.

إنها ستكون أيضاً اختباراً لقدرة الحركة الشعبية على الحفاظ على حضورها في دائرة ارتبط اسمها تاريخياً بالحزب، كما ستكون اختباراً لمدى استمرار التأثير الانتخابي لمحند العنصر بعد سنوات من الابتعاد عن المنافسة المباشرة على مقعد برلماني.

والأهم أن هذه المعركة قد تقدم جواباً عملياً عن سؤال أكبر:

صندوق الاقتراع وحده سيقدم الجواب.

المغرب لا يحتاج إلى إقصاء السياسيين المخضرمين لمجرد تقدمهم في السن، كما لا يحتاج إلى تقديم الشباب لمجرد أنهم شباب.

المطلوب هو المصالحة بين الخبرة والتجديد.

فالخبرة السياسية ثروة، لكن الثروة السياسية الحقيقية هي أن تتحول هذه الخبرة إلى مدرسة تخرج قيادات جديدة.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام الأحزاب المغربية: ليس في الاحتفاظ بالقيادات التاريخية، وإنما في قدرتها على بناء جيل يستطيع مستقبلاً أن يخلفها دون أن تضطر الأحزاب إلى العودة إلى الأسماء نفسها كلما اقترب موعد الانتخابات.

محند العنصر يعود إلى بولمان، والحركة الشعبية تراهن على اسم يعرف المنطقة ويعرفها جيداً. لكن هذه العودة تضع، في الوقت نفسه، سؤالاً أكبر أمام المشهد الحزبي المغربي:

ذلك هو السؤال الحقيقي الذي تطرحه بولمان في تشريعيات 2026.

وليس السؤال:

بل:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *