المغرب أمام ميزانية بلا نقاش… برلمان يصوّت أكثر مما يراقب

الوطن 24 / الرباط
في المغرب، يعود النقاش حول قانون المالية كل عام محمّلاً بآمال كبيرة في تعزيز الشفافية وتحسين جودة النقاش العمومي، لكن الحصيلة غالباً ما تنتهي إلى هيمنة الخطاب السياسي على التحليل الرقمي وتقويم السياسات العمومية. وخلال مسار اعتماد قانون مالية 2026، برز مجدداً أن المؤسسة التشريعية لا تزال بعيدة عن أداء دورها كفضاء للتدقيق المالي والمساءلة الحقيقية.
فقد مرّ القانون في مجلس النواب بـ80 صوتاً مؤيداً مقابل 25 معارضاً في القراءة الثانية، وفي مجلس المستشارين بـ36 مؤيداً و12 معارضاً و6 ممتنعين. وعلى الرغم من أن هذه الأرقام تعكس ظاهرياً موازين القوى داخل البرلمان، إلا أنها تخفي واقعاً يقوم على تصويت يكاد يكون آلياً، بما يقلل من قيمة النقاش الموضوعي ويحد من قدرة النواب على التأثير في مضمون الوثيقة المالية.
وعلى مستوى اللجان، التي يفترض أن تكون القلب التقني للتشريع، قُدّم نحو 350 تعديلاً لم يُقبل منها سوى ما يقارب 30 تعديلاً فقط. هذا الفارق الكبير بين حجم المقترحات وعدد التعديلات المقبولة يعكس، بوضوح، محدودية مشاركة البرلمان في صياغة السياسات المالية، ويؤكد أن المسار التشريعي ما يزال محكوماً بمنطق الأغلبية العددية أكثر من محورية الحجة والرقم.
ورغم توفر الميزانيات الفرعية على تفاصيل رقمية واسعة ومنهجيات مقارنة دقيقة، فإن النقاش داخل الجلسات العامة ظل يتجه نحو السجالات السياسية، بينما تراجع التفكيك المالي الضروري لفهم الانحرافات في التنفيذ وتقييم فعالية البرامج ونقد الفرضيات التي تبنى عليها التوقعات الحكومية. وحتى آليات تنظيم الجلسات، التي ينبغي أن تضبط المسار، تحولت في بعض الأحيان إلى موضوع توتر إضافي، ما زاد من تهميش النقاط الأساسية المتعلقة بالتدبير المالي.
ويكشف هذا المشهد تحدياً مؤسساتياً عميقاً يتمثل في غياب دور رقابي فعّال للبرلمان. فالمصادقة على الميزانية تتم في النهاية ضمن معادلة رقمية محسومة سلفاً، بينما تظل القدرة على تحويل الأرقام إلى مؤشرات لمساءلة السياسات العمومية ضعيفة وغير مؤثرة في جوهر الوثيقة المالية. ومع استمرار هذا النهج، تتحول الميزانية إلى ورقة تمرّ عبر المسطرة التشريعية دون أن تخضع لمساءلة دقيقة، فيما يبقى المواطن دون رؤية واضحة حول كيفية تدبير المال العام ومدى توافق النفقات مع الأولويات الوطنية.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن النقاش الأوسع المرتبط بثقة الشباب في المؤسسات التمثيلية. فالدعوات الرسمية الداعية إلى إشراك الأجيال الجديدة وتجديد النخب السياسية لن تُترجم على الأرض ما لم يشعر الشباب بأن البرلمان فضاء يمارس فعلاً الرقابة ويؤثر في القرار، وليس مجرد غرفة للمصادقة الشكلية. كما أن الرؤية الملكية الداعية إلى تجديد الحياة السياسية تظل معلقة ما لم تتغير بنية النقاش داخل المؤسسات التشريعية نحو مزيد من الجدية والعمق.
إن تعزيز دور البرلمان في مناقشة الميزانية ليس تفصيلاً تقنياً، بل ضرورة ديمقراطية لتقوية المساءلة العمومية وبناء ثقة جديدة بين المواطن والدولة. فحين يصبح التصويت بديلاً عن النقاش، تفقد العملية التشريعية معناها، ويصبح من الصعب الحديث عن تخليق الحياة العامة أو إقناع الشباب بالعودة إلى الفعل السياسي.
