المغرب: «البام» يغيّر قواعد اللعبة.. هل أصبحت وزارة المالية أهم من رئاسة الحكومة؟

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في المغرب، بدأت خريطة الطموحات السياسية تتجاوز السؤال التقليدي حول الحزب الذي سيحتل المرتبة الأولى، لتنتقل إلى سؤال أكثر عمقاً: من سيحصل على مفاتيح القرار داخل الحكومة المقبلة؟

وفي قلب هذا النقاش يبرز حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يبدو، وفق قراءة سياسية متداولة، أنه لا ينظر فقط إلى عدد المقاعد التي يمكن أن يحصدها، وإنما إلى طبيعة الوزارات التي يمكن أن يتحكم فيها داخل أي أغلبية حكومية مقبلة.

وتبرز في هذا السياق أربع حقائب باعتبارها ذات أهمية خاصة في الحسابات السياسية: وزارة الاقتصاد والمالية، وزارة الفلاحة، وزارة التربية الوطنية، ووزارة الصحة.

لكن المفاجأة، في هذه القراءة، أن المعادلة قد لا تكون مرتبطة بالوصول إلى رئاسة الحكومة بقدر ما ترتبط بالسيطرة على مفاصل القوة داخلها.

في السياسة، لا تعني رئاسة الحكومة دائماً امتلاك جميع مفاتيح القرار، كما أن حقيبة وزارية استراتيجية يمكن أن تمنح صاحبها تأثيراً بالغاً في اتجاهات السياسة العمومية.

ولهذا تبدو وزارتا الاقتصاد والمالية والفلاحة في صلب أي حساب سياسي جدي.

وزارة الاقتصاد والمالية تتحرك في قلب الميزانية والاستثمار والمالية العمومية، بينما ترتبط وزارة الفلاحة بملفات شديدة الحساسية بالنسبة إلى المغرب، من الأمن الغذائي والماء إلى العالم القروي والاستثمارات الكبرى.

امتلاك الحزب لنفوذ قوي في هذين القطاعين يعني عملياً الحضور في قلب القرارات التي تمس الاقتصاد والمجتمع والدولة.

ومن هنا تبرز قراءة سياسية تقول إن الفوز بحقيبتي الاقتصاد والمالية والفلاحة قد يكون بالنسبة إلى «البام» أكثر أهمية من مجرد الحصول على رئاسة الحكومة.

فالحكومة ليست فقط رئيساً يجلس في مقدمة الصورة، وإنما شبكة واسعة من مراكز القرار.

والسؤال الحقيقي يصبح: من يملك القدرة على التأثير في اتجاهات القرار؟

في هذه النقطة تحديداً يدخل اسم فوزي لقجع إلى المعادلة بقوة.

فبدلاً من اختزال طموح الرجل في سيناريو واحد عنوانه رئاسة الحكومة، تطرح قراءة أخرى احتمالاً مختلفاً: أن تكون وزارة الاقتصاد والمالية هي الموقع الأكثر جاذبية بالنسبة إليه داخل أي هندسة حكومية مقبلة.

وهذه ليست بالضرورة مسألة منصب أو لقب، بل مسألة نفوذ.

فالمالية تضع صاحبها في قلب عملية تنفيذ البرنامج الحكومي، وتمنحه موقعاً متقدماً في تدبير الميزانية والاستثمار والسياسات الاقتصادية.

والأكثر إثارة أن الحديث عن لقجع لا يمكن فصله عن التحولات التي يعرفها «البام» نفسه، وعن الوزن السياسي المتزايد للرجل داخل محيط الحزب ومعادلاته.

وبالتالي، فإن السؤال الذي يستحق الطرح ليس فقط:

بل ربما السؤال الأكثر دقة هو:

لعل التحول الأهم الذي يمكن رصده في مسار «البام» هو الانتقال من مرحلة طغت عليها المعارك السياسية والإيديولوجية إلى مرحلة أكثر براغماتية.

فالحزب، في نظر منتقديه، خاض خلال سنوات معارك لم تساعده دائماً على تحسين صورته لدى جزء من المجتمع المغربي، خصوصاً عندما تحولت بعض الملفات إلى مواجهات إيديولوجية حادة.

وهنا تبرز قضية مدونة الأسرة وغيرها من الملفات التي جعلت الحزب طرفاً في نقاشات مجتمعية شديدة الحساسية.

لكن السياسة، في النهاية، ليست حرباً دائمة على القضايا الخلافية.

السياسة هي أيضاً اقتصاد، تعليم، صحة، فلاحة، شغل، استثمار، قدرة شرائية، خدمات عمومية، وأمن اجتماعي.

ومن هذه الزاوية، فإن انتقال «البام» من خطاب الصدام إلى خطاب تدبير القطاعات والنفوذ الحكومي قد يمثل محاولة لإعادة تعريف نفسه سياسياً.

هنا توجد العقدة الحقيقية.

فالمشكلة التي تواجه الحزب ليست بالضرورة في عدد المقاعد التي يمكن أن يحصل عليها، وإنما في الصورة الذهنية التي تكونت حوله لدى فئات من المجتمع.

جزء من المغاربة ينظر إلى «البام» باعتباره مشروعاً سياسياً لم يفهمه دائماً كما أراد له أصحابه أن يُفهم.

وهذه المسألة لا يمكن تجاوزها فقط عبر الحملات الانتخابية أو الخطابات التنظيمية.

فالمغربي، مهما كان مستواه الاجتماعي أو السياسي، يحمل معه ذاكرة تاريخية وثقافية ودينية عميقة.

ولهذا فإن أي حزب سياسي يريد أن يكسب ثقة المغاربة لا يستطيع التعامل مع قضية الهوية وكأنها تفصيل ثانوي أمام الملفات الاقتصادية.

نعم، المواطن يريد أسعاراً معقولة للحوم والخضر والمواد الأساسية.

يريد وظيفة.

يريد مستشفى يحترم كرامته.

يريد مدرسة جيدة.

يريد سكناً لائقاً.

ويريد أن تتحسن قدرته الشرائية.

لكن اختزال المواطن المغربي في هذه المطالب وحدها سيكون خطأً سياسياً كبيراً.

هناك أيضاً سؤال الهوية.

هناك الدين.

هناك التاريخ.

هناك اللغة والثقافة.

وهناك الثوابت التي تشكل جزءاً من الوعي الجمعي للمغاربة.

ولهذا، فإن الحزب الذي يريد أن يعيد بناء علاقته مع المجتمع المغربي سيكون مطالباً بأن يفهم أن المغربي لا يريد فقط من يدافع عن جيبه، وإنما يريد أيضاً من يفهم شخصيته الجماعية ويحترم ثوابته.

وهذه النقطة تحديداً قد تكون مفتاحاً مهماً لإعادة تقديم «البام» أمام الرأي العام.

إعادة بناء صورة الحزب لا تعني العودة إلى خطاب محافظ أو الدخول في مواجهة مع التحولات الاجتماعية، كما لا تعني تحويل الدين والهوية إلى أدوات انتخابية.

المطلوب هو شيء أكثر ذكاءً:

فهم المغرب أولاً.

فهم المجتمع المغربي بتنوعه.

فهم حساسيته تجاه الدين والثوابت.

فهم ارتباطه بالتاريخ.

وفهم أن الحداثة بالنسبة إلى جزء كبير من المغاربة لا تعني بالضرورة القطيعة مع الهوية.

الحزب الذي يستطيع أن يجمع بين الحداثة السياسية والواقعية الاجتماعية واحترام الثوابت قد يكون أكثر قدرة على مخاطبة المجتمع من حزب يختار دائماً لغة المواجهة.

لهذا كله، قد تكون الانتخابات المقبلة في المغرب مختلفة عن مجرد سباق بين الأحزاب على المرتبة الأولى.

المعركة الحقيقية قد تبدأ بعد ظهور النتائج.

من سيشكل الأغلبية؟

من سيتولى الوزارات السيادية والاقتصادية؟

من سيمسك بالمالية؟

من سيقود الفلاحة؟

ومن سيحصل على التعليم والصحة؟

والأهم:

في هذا السياق، يصبح الحديث عن «البام» وفوزي لقجع أكثر تعقيداً من مجرد الحديث عن طموح شخصي أو حساب انتخابي.

قد تكون هناك لعبة أكبر قيد التشكل: إعادة توزيع مراكز القوة داخل الحكومة المقبلة.

وإذا كانت بعض القراءات ترى أن رئاسة الحكومة هي الجائزة الكبرى، فإن قراءة أخرى تقول إن الجائزة الحقيقية قد تكون في مكان آخر:

وهنا تحديداً قد يكون من المفيد قراءة تصريحات فوزي لقجع ومواقفه السياسية والاقتصادية بعناية، ليس بحثاً عن تصريح واحد يقول إنه يريد هذا المنصب أو ذاك، وإنما بحثاً عن الاتجاه العام الذي يرسمه الرجل لنفسه وللحزب في المرحلة المقبلة.

ففي السياسة، أحياناً لا تكون الرسالة فيما يُقال صراحة، وإنما فيما تكشفه التفاصيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *