المغرب: الجمعيات المشرفة على مراكز الرعاية بين إكراهات التدبير وآفاق التنمية المطلوبة.

يستمد التعاون الوطني، كإحدى أقدم المؤسسات الاجتماعية بالمغرب، مشروعية وجوده من البعد الإنساني الذي تأسس عليه، ومن تاريخه العريق في رعاية الفئات الاجتماعية الهشة، خاصة النساء في وضعية صعبة، والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، ونزلاء مؤسسات الرعاية الاجتماعية، والمتخلى عنهم، والأطفال بدون سند أسري، والمسنين.

وقد شكلت الجمعيات الشريكة المشرفة على هذه المراكز عنصرًا محوريًا في تنزيل مشاريع ومخططات التعاون الوطني ميدانيًا، كما ساهمت في تأمين تدبير العديد من المراكز، عبر اتفاقيات شراكة تحت إشراف مندوبيات التعاون الوطني.

ورغم الجهود المبذولة، فإن عددًا من هذه الجمعيات لا يزال يرزح تحت إكراهات متعددة، ترتبط أساسًا بمحدودية التمويل العمومي، وتعقيد المساطر الإدارية، ونقص الموارد البشرية المؤهلة، وغياب منظومة متكاملة للتكوين المستمر، وكذا غموض الأدوار في بعض الشراكات التي لا تحترم مبدأ التعاقد الحقيقي المبني على التقييم والمحاسبة.

إن الجمعيات المشرفة على مؤسسات الرعاية تشتغل في بيئة تتسم أحيانًا بعدم استقرار الإطار القانوني والتنظيمي، وبضعف مواكبة الفاعلين المدنيين، وتذبذب آليات الدعم المالي، مما يجعل استمرارية العمل الاجتماعي رهينة بمدى قدرة الجمعية على تأمين مصادر تمويل بديلة، وعلى إبداع حلول واقعية لتجاوز معيقات التدبير اليومي.

في هذا السياق، يبرز مطلب ملحّ يتعلق بإعادة النظر في آليات التعاقد بين الدولة والجمعيات، بما يضمن احترام استقلالية القرار داخل الجمعيات، ويكرّس ثقافة التشارك، ويُخضع كل الأطراف للمساءلة والتقييم المنتظم، مع تمكين الجمعيات من الموارد الضرورية والبيئة القانونية المناسبة للقيام بأدوارها الاجتماعية.

اليوم باتت الحاجة ماسة إلى مراجعة شاملة يتجدد فيها الفهم والمغزى من تصدر الجمعيات المشهد الاجتماعي لتحقيق التنمية المطلوبة، يتوارى معها سوء التدبير البيروقراطي والانتهاء عن إغراق كاهل الجمعيات في الشكليات، مع السعي الجماعي وفق مقاربة تشاركية حقيقية للنهوض بالخدمات الاجتماعية. كما على الجمعيات النشيطة إخراج فكرة الإطار الوطني الناظم إلى الوجود لتوحيد الرؤى، وتصحيح المفاهيم، وتشخيص المكتسبات، واستشراف أبعاد التنمية بما تمتلكه الجمعيات من طاقات هائلة من العلم والتكوين والقدرة على الفعل الميداني، بما قد لا يتوفر لدى الكثيرين من البيروقراطيين القابعين في المكاتب الذين فاتهم ركب التغيير في أسس ومرتكزات العمل الاجتماعي.

وبناء عليه، فإن مسؤولية الارتقاء بأداء الجمعيات تقتضي استيعاب الأدوار التكاملية والمقاربة الالتقائية بين مختلف الشركاء والمانحين والداعمين، في إطار شراكة استراتيجية ترمي إلى تجويد الخدمات المقدمة للمستفيدين بمختلف فئاتهم، وتسعى إلى إرساء سياسة تمويلية متطورة تُبسّط المساطر، وتمكّن الجمعيات من الولوج إلى مشاريع وتمويلات ذاتية، مع التزام الشركاء العموميين بالدعم المالي الكافي الذي يراعي التحولات والإشكالات الاقتصادية المتفاقمة، إذ إن العديد من المنح لم تعد تغطي النفقات والمصاريف المستجدة.

إن تطوير آليات الحكامة داخل الجمعيات، وتعزيز قدراتها التكوينية والتدبيرية، وربط التمويل العمومي بالنجاعة والشفافية، والقطع مع منطق الريع الجمعوي، كلها شروط أساسية لتحقيق التنمية الاجتماعية المنشودة، وتحويل مؤسسات الرعاية إلى فضاءات حقيقية للإدماج الاجتماعي والتمكين الاقتصادي والتربوي.

إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بدعم الجمعيات، بل بصياغة تصور جديد للتعاقد الاجتماعي، يُعيد الاعتبار للفاعل المدني الجاد، ويعترف بأدواره، ويعزّز حضوره في رسم السياسات العمومية، بعيدًا عن النظرة الإحسانية أو الوصاية الإدارية، وبما يليق بالمغرب الجديد، الذي يراهن على التنمية البشرية كأولوية استراتيجية.