المغرب: تخليق الاستحقاقات التشريعية على محك المصداقية… هل تنجح “الأيادي البيضاء” في كبح لوبيات الفساد؟

الوطن24/ الرباط
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، يعود ملف تخليق الحياة السياسية إلى واجهة النقاش العمومي بقوة، في ظل تصاعد مطالب الرأي العام بضرورة إفراز نخب سياسية ذات مصداقية، قادرة على إعادة الثقة في المؤسسات المنتخبة. وبين الشعارات المرفوعة والواقع الميداني، يبرز سؤال جوهري: هل تنجح الدولة والأحزاب في كسب رهان “الأيادي البيضاء”؟
شعار قوي… واختبار أصعب
يرفع شعار “تخليق الانتخابات” هذه السنة كعنوان بارز يعكس – نظريًا – وجود إرادة سياسية لتطهير العملية الانتخابية من الشوائب التي علقت بها لسنوات، من استعمال المال الحرام إلى استغلال النفوذ وتوجيه إرادة الناخبين. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في رفع الشعارات، بل في ترجمتها إلى إجراءات صارمة وملموسة على أرض الواقع.
وزارة الداخلية والأحزاب… مسؤولية مشتركة
تقف وزارة الداخلية، إلى جانب الأحزاب السياسية، أمام اختبار حقيقي للمصداقية. فالمطلوب ليس فقط تأطير الانتخابات تقنيًا، بل ضمان نزاهتها أخلاقيًا، عبر التصدي لكل مظاهر الفساد الانتخابي.
كما أن الأحزاب بدورها مطالبة بتحمل مسؤوليتها التاريخية، من خلال القطع مع سياسة “تزكية الأعيان” المشبوهين، والرهان على كفاءات نظيفة اليد وقريبة من هموم المواطنين.
منطقة الغرب… نموذج مقلق
تُعد منطقة الغرب من بين النماذج التي تثير الكثير من الجدل، حيث تشير معطيات متداولة إلى بروز وجوه سياسية راكمت ثروات هائلة بطرق مشبوهة، وجعلت من الانتخابات سلّمًا للاغتناء غير المشروع.
وفي هذا السياق، عرفت المنطقة، خلال استحقاقات 8 شتنبر 2021، حالة من التسيب الانتخابي غير المسبوق، رافقها اختلال واضح في تدبير العملية الانتخابية. وتفيد معطيات متقاطعة أن أحد الأعيان عمد إلى “تفصيل” الخريطة الانتخابية على مقاسه، بدعم وُصف بالفاضح من طرف بعض عناصر السلطة عديمي الضمير على مستوى الإقليم والمنطقة.
وقد أسفر هذا الوضع عن هيمنة عائلات بعينها على المشهد الانتخابي، وتمكنها من السيطرة على عدد من المجالس الترابية بطرق تثير الكثير من علامات الاستفهام، وهو ما ترتب عنه لاحقًا فتح متابعات قضائية، وتسجيل شبهات فساد وهدر للمال العام، إلى جانب تعطيل مشاريع تنموية واستغلال النفوذ لتحقيق الإثراء غير المشروع على حساب مصالح المواطنين.
ثلاث مراحل حاسمة لإنجاح الرهان
يرى متتبعون أن نجاح تخليق الانتخابات يمر عبر ثلاث محطات أساسية:
- ما قبل الانتخابات: الحسم في لوائح المرشحين ومنع المتورطين في قضايا فساد أو المشبوهين من الترشح.
- أثناء الانتخابات: تشديد المراقبة على الحملات الانتخابية، والتصدي لشراء الأصوات واستعمال المال والنفوذ، مع تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
- ما بعد الانتخابات: ضمان الشفافية في النتائج، وإفراز خريطة سياسية تعكس الإرادة الحقيقية للناخبين، بعيدًا عن كل أشكال التلاعب.
رهان الثقة… ومسؤولية الدولة
يبقى الرهان الأكبر هو استعادة ثقة المواطن في العملية الانتخابية، وهي الثقة التي تضررت بفعل تراكمات سابقة. فإفراز نخب سياسية مسؤولة ونزيهة لم يعد ترفًا، بل ضرورة لضمان استقرار المسار الديمقراطي وتحقيق التنمية المنشودة.
وفي هذا الإطار، تتعالى الأصوات المطالبة اليوم بوضع حد لهذا الشطط، وعدم السماح للوجوه التي تحوم حولها شبهات فساد بالترشح مجددًا، مع تحميل وزارة الداخلية مسؤوليتها القانونية في تفعيل آليات المنع والمراقبة. خاصة وأن المعطيات المتداولة تشير إلى أن نفوذ بعض هذه الأسماء يتجاوز الأحزاب والإدارات، مستندًا إلى شبكات مصالح معقدة تحميها من المساءلة.
لذلك، يرى متتبعون أن التدخل الحازم لوزارة الداخلية بات ضرورة ملحة، ليس فقط لضبط العملية الانتخابية، بل أيضًا لإعطاء مصداقية حقيقية لشعار “الأيادي البيضاء”، الذي سيظل مجرد عنوان فارغ إذا لم يترجم إلى إجراءات ملموسة تقطع مع ممارسات الماضي، خصوصًا في مناطق مثل الغرب.
خلاصة
بين الخطاب والممارسة، تقف الاستحقاقات المقبلة كاختبار حاسم لمدى جدية الدولة والأحزاب في تخليق الحياة السياسية. فإما أن تنتصر “الأيادي البيضاء” وتُفتح صفحة جديدة عنوانها النزاهة، أو يستمر نزيف الثقة وتُعاد نفس الوجوه… بنفس الأساليب.
