المغرب: شباب الرباط في الواجهة… السياسة الغائبة والمنتخبون في دائرة الاتهام

الوطن24/ الرباط
شهدت شوارع العاصمة الرباط في الأيام الأخيرة مشاهد لافتة، بعدما خرج عدد من الشباب المغربي إلى الواجهة حاملين لافتات تعبّر عن استيائهم العميق من غياب الإرادة السياسية وواقع السياسات العمومية التي لم تعد قادرة على مواكبة تطلعات الجيل الجديد.
الشعارات المرفوعة لم تخلُ من رسائل قوية وصادمة: “تصنيف المغرب: كرة القدم 11، مؤشر الصحة 94، مؤشر التعليم 110”، في إشارة إلى الفجوة الصارخة بين الاستثمار في صورة البلد خارجياً عبر الرياضة، والتراجع الخطير في الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطن اليومية. وفي لافتة أخرى وُجّهت أصابع الاتهام مباشرة إلى النخب السياسية: “الفساد الكبير لا يصرف المال، الفساد الصغير يسرق مستقبل الشباب”.
شباب يواجهون السلطة… ومنتخبون يختبئون
هذا الحراك الشبابي، وإن بدا محدوداً في حجمه، إلا أنه يحمل دلالات قوية؛ إذ يعكس انتقال الغضب من النقاشات الافتراضية في مواقع التواصل الاجتماعي إلى الشارع، حيث المواجهة المباشرة مع السلطة. في المقابل، يلاحظ المتابعون غياباً شبه تام للمنتخبين، الذين يفترض فيهم أن يلعبوا دور الوسيط بين الشعب والدولة، وهو ما جعل الشباب يعتبرون أن ممثليهم يختبئون خلف امتيازاتهم ومناصبهم، تاركين المواطنين في مواجهة مفتوحة مع أجهزة الدولة.
حراك مغربي خالص
المثير في هذا الحراك أنه مغربي خالص لا صلة له بأي أجندات خارجية، على عكس ما يحاول بعض الأدعياء إلصاقه بالشباب من اتهامات جاهزة. فالدوافع الحقيقية تتمثل في قضايا اجتماعية خانقة ومطالب معيشية ملحة، دفعت هذه الفئة إلى تفجير مكنونات الغضب. ومن خلال الشعارات المرفوعة والتصريحات المصاحبة، يتضح أن منسوب الوعي لدى الشباب مرتفع جداً، وأنهم محصّنون ضد أي محاولات للتشويش أو الالتفاف على مطالبهم. كما أنهم يعبرون عن حس وطني واضح في التظاهر السلمي وإصدار بيانات توضيحية تقطع الطريق أمام كل التأويلات المغرضة الصادرة عن أولئك الذين يصطادون في الماء العكر ويقدمون الذرائع الواهية لتبرير القمع.
مقاربة أمنية غير ناجعة
الأحداث أثبتت أن التدخلات الأمنية لم تكن موفقة، حيث وُثقت حالات اعتداء واعتقالات طالت شباباً اختاروا التظاهر السلمي، في تجاوز واضح للقوانين التي تكفل حق الاحتجاج. إن هذا الإخلال بالواجب من طرف الأجهزة الأمنية بمختلف أنواعها لا يؤدي إلا إلى تفاقم الوضع، ويزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي، خاصة وأن التجارب السابقة أظهرت فشل المقاربة الأمنية في التعامل مع الظواهر الاجتماعية. وعلى العكس من ذلك، أصبح من الضروري اعتماد مقاربة اجتماعية حقيقية، تقوم على القرب من المواطن، والاستماع لمطالبه، وتقديم حلول واقعية قابلة للتنفيذ بعيداً عن منطق التسويف والمماطلة.
أزمة ثقة متنامية
المشهد برمته يسلّط الضوء على أزمة ثقة غير مسبوقة بين المواطن المغربي والنخب السياسية، بعدما فشلت الأخيرة في ترجمة وعودها الانتخابية إلى سياسات ملموسة. وتبدو الاحتجاجات الأخيرة بمثابة ناقوس خطر ينذر بمرحلة جديدة من التعبير الشبابي، قد تتوسع رقعتها إذا استمر الانسداد الاجتماعي والاقتصادي، واستمر غياب حلول ملموسة لمشاكل الشغل والتعليم والصحة.
إن ما وقع في المغرب، وتحديداً في الرباط، يختصر معادلة الأزمة: شباب في الواجهة، منتخبون غائبون، وسلطة تواجه مطالب متزايدة قد تتحول إلى حركة اجتماعية واسعة إذا لم تُسارع الدولة إلى تغيير مقاربتها، من منطق التدبير الأمني إلى منطق الإصلاح الجذري.
