المغرب.. طنجة تضع سلطة الوصاية تحت المجهر: أين كانت الرقابة قبل انفجار الملفات؟

هل كان لا بد من أن تصل ملفات تدبير الشأن الجماعي بمدينة طنجة إلى دائرة التحقيقات الأمنية والقضائية حتى تُطرح الأسئلة التي ظلت معلقة حول نجاعة الرقابة الإدارية، وحماية المال العام، ومدى تدخل سلطة الوصاية في الوقت المناسب؟

السؤال لم يعد يتعلق فقط بما يجري داخل المجلس الجماعي، بل يمتد إلى حدود مسؤولية المؤسسات المكلفة بالمراقبة والتتبع، وفي مقدمتها الإدارة الترابية. فإذا كانت بعض الملفات قد أثارت، بحسب ما ورد في تقارير صحفية ومعطيات متداولة، ملاحظات بشأن التعمير والصفقات والتدبير المالي، فإن السؤال الجوهري هو: هل كانت آليات الرقابة قادرة على رصد الاختلالات المحتملة قبل أن تتحول إلى أزمات مكلفة سياسياً ومالياً ومؤسساتياً؟

في طنجة، لا يتعلق الأمر بتفصيل إداري معزول، بل بمدينة ذات وزن اقتصادي واستراتيجي في المغرب، يفترض أن يواكب نموها العمراني والاستثماري تدبير محكم، وقرارات واضحة، ورقابة فعالة تضمن احترام القانون وتكافؤ الفرص وصيانة مصالح المواطنين.

يبرز ملف ملعب البادل بحي بوبانة ضمن القضايا التي أثارت نقاشاً بشأن تدبير التعمير واحترام تخصيص العقارات. فقد تداولت وسائل إعلام معطيات عن ملاحظات سابقة للجهات المختصة بشأن الأشغال المنجزة، ثم عن إجراءات ترخيص لاحقة أثارت تساؤلات لدى متابعين للملف.

وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز المشروع نفسه: كيف تتعامل المؤسسات المختصة مع المخالفات العمرانية المبلغ عنها؟ وهل يجري التحقق من مدى مطابقة التراخيص للقوانين وتصاميم التهيئة قبل أن يصبح الأمر موضوع نزاع قضائي؟

إن المطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة بشأن المسؤوليات، بل الكشف عن تسلسل الإجراءات والقرارات، وتوضيح الأسس القانونية التي استندت إليها، وتحديد ما إذا كانت الملاحظات المسجلة قد عولجت وفق المساطر الجاري بها العمل.

تتمثل إحدى أهم نقاط المساءلة في الدور الذي تضطلع به ولاية جهة طنجة-تطوان-الحسيمة في إطار الاختصاصات المخولة للإدارة الترابية قانوناً.

فإذا كانت التقارير والشكايات ومحاضر المعاينة تتيح للجهات المختصة الوقوف على مؤشرات تستدعي التدخل، فإن الرأي العام من حقه أن يعرف، في حدود ما يسمح به القانون، كيف جرى التعامل مع تلك المؤشرات، وما الإجراءات التي اتخذت، وما الأسباب التي قد تفسر تأخر التدخل في بعض الملفات إن ثبت ذلك.

ولا تعني هذه الأسئلة افتراض مسؤولية شخصية للوالي أو غيره من المسؤولين، بل تندرج ضمن مساءلة مؤسساتية مشروعة حول فعالية الرقابة الوقائية.

فالمطلوب من أجهزة المراقبة ليس انتظار وصول الملفات إلى القضاء، وإنما تفعيل الآليات القانونية المتاحة في الوقت المناسب، كلما توافرت الشروط والمعطيات التي تستوجب ذلك.

من أكثر النقاط إثارة للنقاش ما أورده المقال المنشور بشأن اختلاف سرعة الإجراءات الإدارية المتخذة في حق بعض المسؤولين الجماعيين، مقارنة بما يصفه صاحبه بالتأخر في التعامل مع ملفات أخرى مرتبطة بتدبير المجلس الجماعي.

وإذا تأكد وجود تفاوت فعلي في توقيت التدخلات أو طبيعتها، فإن من حق الرأي العام أن يسأل عن المعايير المعتمدة، وعن مدى تطبيق القانون وفق قواعد موضوعية وموحدة، بعيداً عن الاعتبارات الحزبية أو التوازنات السياسية.

لكن إثبات وجود انتقائية في الرقابة يقتضي مقارنة ملفات متشابهة من حيث طبيعة المخالفات والأدلة والاختصاصات والمساطر القانونية، لا الاكتفاء بالمقارنة بين قرارات اتخذت في سياقات مختلفة.

ومن هنا تبرز أهمية توضيح الأسس القانونية والإدارية التي حكمت القرارات المتخذة في حق المسؤولين المعنيين، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويقطع الطريق أمام التأويلات المرتبطة بالحسابات السياسية.

لا تتوقف الأسئلة عند ملفات التعمير، بل تمتد إلى المشاريع الجماعية والصفقات والخدمات العمومية، بما في ذلك المساحات الخضراء والنوافير التي أثيرت بشأنها انتقادات، فضلاً عن التدبير المرتبط بسوق الجملة للخضر والفواكه.

هذه الملفات تستحق التقييم على أساس معطيات دقيقة: ما المشاريع التي تعثرت؟ ما أسباب التأخير؟ هل احترمت دفاتر التحملات؟ ما مستوى الإنجاز الفعلي مقارنة بالاعتمادات المرصودة؟ وهل سجلت أجهزة الافتحاص ملاحظات أو اختلالات محددة؟

إن نشر هذه المعطيات، متى كانت متاحة قانوناً، من شأنه أن ينقل النقاش من تبادل الاتهامات إلى مساءلة تستند إلى الأرقام والوثائق والنتائج الميدانية.

كما أن الافتحاص المالي والإداري لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إجراءً عقابياً فقط، بل أداة للكشف المبكر عن مواطن الخلل، وتصحيح المسار، وحماية الموارد الجماعية قبل أن تتفاقم الأضرار.

أثار حجم الاعتمادات التي تحدثت تقارير صحفية عن تخصيصها لتنفيذ أحكام قضائية ضد جماعة طنجة نقاشاً بشأن الكلفة المالية للنزاعات المرتبطة، ضمن ملفات أخرى، بنزع الملكية والاعتداء المادي على العقارات.

وتشير معطيات صحفية منشورة إلى أن الاعتمادات المرصودة لهذا الغرض بلغت نحو 150 مليون درهم في ميزانية سنة 2026. غير أن تحديد المسؤوليات يقتضي الرجوع إلى الوثائق الرسمية، ودراسة طبيعة الأحكام وأسباب صدورها، والتمييز بين الالتزامات القانونية للجماعة وأي أخطاء إدارية محتملة ثبتت في ملفات بعينها.

فالأموال المرصودة لتنفيذ الأحكام ليست، في حد ذاتها، دليلاً على فساد أو مسؤولية جنائية. لكنها تفتح باباً مشروعاً للسؤال عن كيفية تدبير النزاعات العقارية، وعن التدابير التي يمكن اتخاذها لتفادي تضخم الكلفة المالية مستقبلاً.

وفي نهاية المطاف، فإن كل نزاع يمكن تفاديه عبر احترام المساطر القانونية وحماية حقوق المواطنين يمثل فرصة لتحسين التدبير وتقليص الضغط على ميزانية الجماعة.

يرتكز النقاش حول تدبير طنجة على مبدأ دستوري واضح: ربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن تفعيل هذا المبدأ لا يتحقق بإطلاق الاتهامات أو المطالبة بإدانة أشخاص قبل استكمال المساطر، بل بتمكين المؤسسات المختصة من أداء مهامها، وتوفير المعلومات اللازمة للرأي العام، وترتيب المسؤوليات بناء على الأدلة.

وإذا أظهرت التحقيقات أو عمليات الافتحاص وجود اختلالات، فإن المطلوب هو تحديد طبيعتها، والكشف عن أوجه القصور التي سمحت بوقوعها، واتخاذ التدابير القانونية المناسبة في حق كل من ثبتت مسؤوليته، مع احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.

كما أن تقييم أداء سلطة الوصاية ينبغي أن يستند إلى اختصاصاتها القانونية، والوثائق المتاحة، وطبيعة تدخلاتها الفعلية، لا إلى افتراض أن كل مشكلة جماعية تعني بالضرورة تقصيراً من الإدارة الترابية.

اليوم، تبدو الحاجة ملحة إلى نقاش مؤسساتي جدي حول فعالية الرقابة على تدبير الشأن المحلي في طنجة، وحول كيفية التنسيق بين المجلس الجماعي والولاية والجهات المختصة بالتعمير والافتحاص.

من تابع الملفات؟ ما التقارير التي أنجزت؟ كيف جرى التعامل مع الملاحظات المسجلة؟ وهل توجد آليات كافية للتدخل المبكر؟ وما الإجراءات التي يمكن اعتمادها لمنع تكرار النزاعات وحماية المال العام؟

هذه ليست أسئلة تستهدف مؤسسة بعينها، بل أسئلة تتعلق بحق المواطنين في تدبير شفاف ومسؤول، وبحق المدينة في إدارة تنموية تحترم القانون وتستجيب لانتظارات سكانها.

فالمساءلة الحقيقية لا تبدأ بعد انفجار الأزمة، بل عندما تظهر أولى المؤشرات التي تنذر بها. والرقابة الفعالة لا تُقاس بعدد الملفات التي تصل إلى القضاء، وإنما أيضاً بقدرتها على منع المخالفات، وتصحيح الاختلالات، وضمان عدم تحول الأخطاء الإدارية إلى أزمات تهدد الثقة في المؤسسات.

أما الحقيقة بشأن ما وقع في طنجة، والمسؤوليات التي قد تترتب عنه، فلن يحسمها الجدل وحده، بل الوثائق الرسمية ونتائج الافتحاص والتحقيقات والأحكام القضائية.

ذلك هو الرهان الذي يتجاوز الأشخاص والمواقع: أن تكون حماية المال العام واحترام القانون قاعدة ثابتة في تدبير المدن المغربية، لا مطلباً يستحضر فقط عندما تتصدر الأزمات عناوين الأخبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *