المغرب: عبد السلام الصديقي من طنجة يرفع سقف التحدي: الانتخابات معركة برامج وثقة لا مجرد مقاعد

لم تكن مداخلة الدكتور عبد السلام الصديقي، القيادي بحزب التقدم والاشتراكية والوزير السابق، على هامش انطلاق الحملة الانتخابية التي يقودها دحمان مزرياحي بمدينة طنجة، مجرد تدخل انتخابي عابر، بل حملت في مضامينها رسائل سياسية وتاريخية تتجاوز حدود الحملة الانتخابية، وتلامس سؤالاً أوسع يتعلق بموقع الأحزاب السياسية ودورها في بناء الثقة مع المواطن.

الصديقي، الذي اختار أن يتحدث من طنجة، المدينة التي قال إنه عشقها وقرر الاستقرار بها منذ سنوات، استحضر مساره السياسي والمؤسساتي، مذكراً بتجربة حزب التقدم والاشتراكية داخل الحياة السياسية المغربية، وبحضوره في عدد من المحطات الحكومية، باعتباره حزباً راكم تجربة في العمل المؤسساتي وتدبير الشأن العام.

ومن أبرز ما يستحق التوقف عنده في مداخلة الصديقي، تأكيده على البعد التاريخي لتجربة حزب التقدم والاشتراكية، الذي راكم، من خلال مشاركته في عدد من الحكومات المتعاقبة، نحو عقدين من التجربة في التدبير الحكومي.

فالحزب ساهم في حكومات مغربية مختلفة، انطلاقاً من حكومة عبد الرحمن اليوسفي، مروراً بحكومة إدريس جطو، ثم حكومتي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني، وصولاً إلى سنة 2019.

وهذه التجربة، كما قدمها الصديقي، ليست مجرد رصيد تاريخي يُستحضر خلال الحملات الانتخابية، وإنما مسؤولية سياسية تفرض على الحزب أن يضع أمام المواطنين ما راكمه من خبرة، وما قدمه خلال فترات مشاركته في تدبير الشأن العام، وما يقترحه اليوم للمستقبل.

ومن هنا تبدو الرسالة أكثر وضوحاً: الانتخابات ليست فقط مناسبة للحصول على المقاعد، وإنما امتحان للبرامج والتجارب والقدرة على إقناع المواطن.

في حديثه أمام مناضلي الحزب ومناصريه، حرص الصديقي على التأكيد أن حزب التقدم والاشتراكية لا ينظر إلى العمل السياسي باعتباره مجرد منافسة من أجل المواقع، بل يعتبره التزاماً سياسياً ومجتمعياً.

واستحضر في هذا السياق تاريخ الحزب وحضوره داخل الحياة السياسية المغربية، مشيراً إلى أن عدداً من قيادييه ووزرائه شاركوا في تدبير الشأن الحكومي، وهو ما اعتبره جزءاً من التجربة التي راكمها الحزب عبر عقود.

كما توقف عند مسألة المسؤولية السياسية، مقدماً رؤيته حول ضرورة أن يحافظ المنتخب على صلته بالمواطنين، وألا تتحول العلاقة بين الناخب والمنتخب إلى علاقة موسمية تنتهي بمجرد انتهاء الانتخابات.

وهنا يطرح الخطاب سؤالاً بسيطاً، لكنه جوهري: ماذا يحدث بعد إعلان النتائج؟

من الرسائل الأساسية التي حملتها مداخلة الصديقي أيضاً، الدعوة إلى جعل البرامج الانتخابية أساساً للمقارنة بين الأحزاب والمرشحين.

وقال، في هذا السياق، إنه اطلع على برامج مختلف الأحزاب، معتبراً أن برنامج حزب التقدم والاشتراكية واقعي وقابل للتنفيذ.

وبعيداً عن التنافس الحزبي، فإن وضع البرامج في قلب المعركة الانتخابية يفتح الباب أمام نقاش ضروري حول مضمون الوعود التي تقدم للمواطنين، ومدى قدرتها على الانتقال من الخطاب السياسي إلى إجراءات وسياسات عمومية ملموسة.

فالمواطن المغربي، الذي يواجه تحديات مرتبطة بالقدرة الشرائية وتكاليف المعيشة وانتظارات اجتماعية متزايدة، لم يعد يبحث فقط عن الشعارات، وإنما يريد أن يعرف ماذا سيُفعل، وكيف، ومتى، ومن سيتحمل مسؤولية التنفيذ؟

اختيار طنجة لهذه المحطة الانتخابية يحمل بدوره دلالة سياسية، بالنظر إلى المكانة التي أصبحت تحتلها المدينة داخل النموذج التنموي المغربي، وما تعرفه من تحولات اقتصادية وعمرانية واجتماعية متسارعة.

ومن هذه المدينة، حاول الصديقي تقديم صورة لحزب يريد خوض الاستحقاقات الانتخابية اعتماداً على تجربة سياسية ومؤسساتية، وعلى خطاب يركز على البرامج والثقة والتواصل مع المواطنين.

كما أثنى على مرشحي الحزب، وعلى حضورهم الميداني، مشيراً إلى أهمية التواصل المباشر مع المواطنين والاستماع إلى انتظاراتهم.

وهو رهان لا يرتبط فقط بنتائج يوم الاقتراع، بل بما سيأتي بعده، عندما تبدأ مرحلة الحساب السياسي الحقيقي بين ما قيل أثناء الحملة وما تحقق على أرض الواقع.

الصديقي دعا سكان طنجة، بمختلف فئاتهم، إلى المشاركة بكثافة في الانتخابات، معتبراً أن ضعف المشاركة يمكن أن يفتح المجال أمام ممارسات انتخابية لا تخدم بالضرورة تطلعات المواطنين.

وهنا تبرز أهمية الوعي الانتخابي، لأن قوة الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد الأحزاب والمرشحين، وإنما أيضاً بمدى وعي المواطن بقيمة صوته وقدرته على اختيار من يراه جديراً بتمثيله.

فالاقتراع ليس مجرد ورقة توضع في صندوق، بل هو تفويض سياسي، والتفويض يترتب عنه بالضرورة حق المواطن في المتابعة والمساءلة والمحاسبة.

عبد السلام الصديقي تحدث من موقع رجل راكم تجربة سياسية ومؤسساتية، وحاول أن يجعل من تاريخ حزب التقدم والاشتراكية وتجربته الحكومية الطويلة عنصراً من عناصر النقاش الانتخابي.

لكن التجربة وحدها لا تكفي.

فالمواطن يريد أن يعرف ماذا سيقدم الحزب اليوم، وما هي الأولويات التي سيضعها، وكيف سيترجم برنامجه إلى إجراءات عملية، وكيف سيحافظ المنتخبون على صلتهم بالمواطنين بعد الوصول إلى البرلمان.

وهنا تحديداً تكمن معركة الثقة.

فالحزب الذي يمتلك تجربة تمتد لنحو عقدين في التدبير الحكومي، سيكون مطالباً أكثر من غيره بأن يحول هذه التجربة إلى أجوبة واضحة، وأن يقنع الناخب بأن الماضي يمكن أن يتحول إلى قيمة مضافة للمستقبل.

في نهاية المطاف، تبقى كل الخطابات والبرامج والرسائل السياسية أمام الاختبار الديمقراطي الأكبر: صندوق الاقتراع.

ومن طنجة، رفع عبد السلام الصديقي سقف التحدي، مقدماً الانتخابات باعتبارها معركة برامج وتجربة وثقة، وليس مجرد سباق للحصول على مقاعد داخل البرلمان.

ويبقى القرار الأخير للمواطن، الذي سيختار من يمنحه ثقته، ومن يراه قادراً على تمثيله والدفاع عن قضاياه.

أما بعد إعلان النتائج، فستبدأ المرحلة الأصعب: مرحلة ترجمة الوعود إلى أفعال، وتحويل الثقة الانتخابية إلى مسؤولية سياسية، ووضع المنتخب أمام السؤال الذي لا تنتهي صلاحيته بانتهاء الحملة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *