المغرب.. عمر حجيرة بين «سنتين سجناً نافذاً» والبراءة القضائية.. كيف انتهى الملف الذي عاد إلى الواجهة مع التعيين الحكومي؟

من إدانة استئنافية في ملف صفقات وجدة سنة 2019 إلى البراءة سنة 2023.. القصة الكاملة وراء الجدل الذي رافق انتقال عمر حجيرة إلى المسؤولية الحكومية عن التجارة الخارجية
الوطن24 | الرباط
عاد اسم عمر حجيرة إلى دائرة النقاش في المغرب، بعد تداول منشورات تستحضر الحكم الذي صدر في حقه سنة 2019 بسنتين من السجن النافذ، وتربط ذلك بمساره السياسي وصولاً إلى تعيينه وزيراً منتدباً مكلفاً بالتجارة الخارجية ضمن الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري.
لكن بين العنوان الصادم والحقيقة القضائية مسافة لا يجوز تجاهلها؛ فالقضية لم تنته عند حكم الإدانة الذي أصدرته محكمة الاستئناف بفاس، كما أن قرار محكمة النقض لم يكن في حد ذاته حكماً بالبراءة. المحطة الحاسمة جاءت لاحقاً، عندما أصدرت محكمة الاستئناف بالرباط حكماً ببراءة المتابعين في الملف يوم 7 يوليوز 2023.
إن إعادة تركيب هذه الوقائع زمنياً تكشف قصة قضائية وسياسية تستحق التناول الدقيق، بعيداً عن الأحكام الجاهزة والتوظيف السياسي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصية عامة تتولى مسؤولية حكومية في قطاع استراتيجي للاقتصاد المغربي.
سنة 2019.. حكم بالسجن النافذ يقلب مسار القضية
بدأت إحدى أبرز محطات الملف في مارس 2019، حين أصدرت غرفة الجنايات الاستئنافية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بفاس حكماً بإدانة عمر حجيرة، الرئيس السابق لجماعة وجدة، بسنتين من السجن النافذ، في قضية مرتبطة بتدبير صفقات عمومية وتهيئة المدينة.
وكانت المحكمة الابتدائية قد قضت بالبراءة في نونبر 2017، قبل أن يأتي الحكم الاستئنافي بنتيجة مغايرة، واضعاً القضية أمام مرحلة جديدة من التقاضي.
ذلك الحكم كان حقيقة قضائية في مرحلة من مراحل الملف، لكنه لم يكن نهاية المسار. فقد طعن المعنيون بالأمر في القرار، وانتقلت القضية إلى محكمة النقض، التي ألغت الحكم الاستئنافي وأحالت الملف على محكمة الاستئناف بالرباط.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين الحكم الصادر في مرحلة استئنافية وبين المآل النهائي الذي انتهت إليه القضية بعد إعادة النظر فيها.
يوليوز 2022.. محكمة النقض تلغي الحكم وتعيد الملف إلى الواجهة
في 6 يوليوز 2022، قضت محكمة النقض بإلغاء الحكم الاستئنافي الصادر في حق عمر حجيرة وآخرين، مع إحالة الملف على محكمة الاستئناف بالرباط.
لم يكن هذا القرار إعلاناً مباشراً للبراءة، كما حاولت بعض المنشورات المختصرة الإيحاء به، بل كان قراراً بالنقض والإحالة، أعاد القضية إلى المحكمة المختصة للنظر فيها من جديد.
ومن الناحية الصحفية، فإن اختزال هذه المرحلة في عبارة «محكمة النقض برّأت عمر حجيرة» غير دقيق؛ لأن النقض والإحالة يختلفان قانونياً عن الحكم بالبراءة الذي يصدر عن المحكمة بعد إعادة النظر في القضية.
غير أن التوقف عند قرار سنة 2022 وحده لا يقدم للقارئ الحقيقة كاملة، لأن الملف عرف تطوراً قضائياً لاحقاً حسم الجدل بشأن المآل الذي انتهى إليه.
يوليوز 2023.. البراءة التي غيّرت المآل القضائي للملف
في 7 يوليوز 2023، أصدرت غرفة جرائم الأموال الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بالرباط، بعد النقض، حكماً بتأييد القرار الابتدائي القاضي ببراءة جميع المتهمين في الملف، ومن بينهم عمر حجيرة، مع إرجاع الكفالات المالية لأصحابها، وفق ما أوردته تقارير صحفية مغربية متطابقة.
وبذلك، فإن الحديث عن إدانة عمر حجيرة بسنتين من السجن النافذ، من دون الإشارة إلى إلغاء ذلك الحكم والبراءة اللاحقة، يقدم صورة مبتورة عن المسار القضائي للقضية.
والأدق أن يقال إن حجيرة أدين استئنافياً سنة 2019، ثم نُقض الحكم سنة 2022، قبل أن تصدر محكمة الاستئناف بالرباط حكماً ببراءته سنة 2023.
هذا التسلسل ليس تفصيلاً ثانوياً، بل هو جوهر القضية. فالصحافة مطالبة بكشف الوقائع كاملة، لا باجتزاء مرحلة قضائية من سياقها أو إعادة تقديمها باعتبارها الموقف النهائي للقضاء.
من ملف وجدة إلى الحكومة.. صفحة سياسية جديدة
في 16 أكتوبر 2026، عُيّن عمر حجيرة وزيراً منتدباً لدى وزير الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي، مكلفاً بالتجارة الخارجية، ضمن الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، وفق الإعلان الرسمي عن تعيين أعضاء الحكومة.
ويأتي هذا التعيين بعد تجربة حكومية سابقة بدأها حجيرة في أكتوبر 2024، حين تولى منصب كاتب الدولة المكلف بالتجارة الخارجية، فضلاً عن مساره السياسي والبرلماني ورئاسته السابقة لجماعة وجدة.
لكن المسؤولية الحكومية الجديدة لا تفتح النقاش حول ماضيه القضائي فحسب؛ بل تضعه أيضاً أمام اختبار الأداء والنتائج في قطاع بالغ الأهمية بالنسبة إلى الاقتصاد المغربي.
فالتجارة الخارجية ليست حقيبة إدارية عادية، بل ملف يرتبط بقدرة المغرب على تعزيز صادراته، وتقليص الاختلالات التجارية، وفتح أسواق جديدة أمام المقاولات الوطنية، وجذب الاستثمارات، وتحسين موقع الاقتصاد المغربي في المنافسة الدولية.
ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي أمام المسؤول الحكومي يتمثل في تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة، وتقديم حصيلة واضحة يمكن للرأي العام والفاعلين الاقتصاديين تقييمها.
هل تكفي البراءة لإغلاق النقاش العام؟
قانونياً، يجب التعامل مع البراءة الصادرة عن المحكمة باعتبارها المآل القضائي الذي انتهى إليه الملف، ولا يجوز الاستمرار في تقديم الإدانة السابقة وكأنها ما تزال حكماً نهائياً قائماً.
لكن البراءة لا تلغي حق المجتمع والإعلام في مناقشة تدبير الشأن العام، أو طرح أسئلة موضوعية حول الحكامة والصفقات العمومية والشفافية، شريطة أن تستند هذه الأسئلة إلى وقائع موثقة، وألا تتحول إلى اتهامات جديدة لا يسندها دليل.
وهنا يكمن التوازن الذي ينبغي أن يحكم المعالجة الصحفية: احترام القضاء وقرينة البراءة من جهة، وعدم تحويل المسؤولية الحكومية إلى حصانة من النقد والمساءلة السياسية من جهة أخرى.
فالمسؤول العمومي يظل مطالباً بتقديم حصيلة عمله، وتوضيح اختياراته، والإجابة عن الأسئلة المرتبطة بتدبير القطاعات التي يشرف عليها، تماماً كما هو الحال بالنسبة إلى باقي أعضاء الحكومة.
الحقيقة الكاملة.. لا الإدانة وحدها ولا العناوين المضللة
إن قضية عمر حجيرة تقدم مثالاً واضحاً على خطورة تداول الصور والمنشورات التي تختزل الملفات القضائية في جملة واحدة. فصورة تتحدث عن سنتين من السجن النافذ، من دون الإشارة إلى نقض الحكم والبراءة اللاحقة، لا تنقل القصة كاملة، حتى وإن استندت إلى واقعة قضائية حدثت بالفعل.
وفي المقابل، فإن وصف قرار محكمة النقض وحده بأنه براءة نهائية يتجاهل طبيعة ذلك القرار والمرحلة التي تلته.
الخلاصة أن عمر حجيرة أدين استئنافياً سنة 2019، ثم نُقض الحكم سنة 2022، قبل أن تقضي محكمة الاستئناف بالرباط ببراءته سنة 2023. أما تعيينه وزيراً منتدباً في أكتوبر 2026، فهو تطور سياسي جديد ينبغي تقييمه على أساس المسؤولية والنتائج.
وفي المغرب، تظل الثقة في المؤسسات رهينة باحترام الأحكام القضائية، وتقديم المعلومة كاملة، وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. فلا الإدانة السابقة يجوز عرضها باعتبارها المآل النهائي للقضية، ولا المنصب الحكومي ينبغي أن يحجب حق المجتمع في النقد والمساءلة.
إنها، في النهاية، قصة تؤكد أن الحقيقة لا تُستخلص من عنوان مثير أو صورة متداولة، بل من قراءة الملف كاملاً، مرحلةً بمرحلة، والتمييز بين ما قضت به المحاكم وما يثيره النقاش السياسي والإعلامي.
