المغرب ـ إسبانيا.. اقتصادي إسباني يقلب السؤال حول سبتة ومليلية: متى ستغادر إسبانيا المدينتين؟

الوطن24 / الرباط
في تصريح أثار جدلاً واسعاً داخل إسبانيا، أعاد الاقتصادي الإسباني المعروف سانتياغو نينيو بيثيرا ملف سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش من زاوية غير مألوفة، بعدما طرح سؤالاً من شأنه أن يحرج الخطاب الإسباني التقليدي حول المدينتين.
فبدلاً من السؤال المعتاد: هل يمكن أن يطالب المغرب مستقبلاً بتغيير وضع سبتة ومليلية؟، ذهب الاقتصادي الإسباني إلى قلب المعادلة قائلاً، وفق ما نُقل عن تصريحاته، إن السؤال الحقيقي قد يكون: متى ستغادر إسبانيا سبتة ومليلية؟
تصريح لم يكن عادياً، ليس فقط بسبب حساسية الملف، وإنما لأن صاحبه يتحدث من داخل إسبانيا، وفي لحظة تشهد فيها المنطقة تحولات جيوسياسية متسارعة، فيما يواصل المغرب تعزيز موقعه الإقليمي والدولي.
المغرب اليوم ليس مغرب الأمس
يرتكز تحليل نينيو بيثيرا على فكرة أساسية مفادها أن قراءة مستقبل سبتة ومليلية لا يمكن أن تتم بعقلية الثمانينيات.
فالعالم الذي كان قائماً سنة 1986 تغير بصورة جذرية، وموازين القوى الدولية لم تعد كما كانت، كما أن المغرب نفسه عرف خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة جعلته لاعباً أكثر حضوراً في الملفات الاستراتيجية المرتبطة بأمن المتوسط وإفريقيا والمحيط الأطلسي.
ومن هذه الزاوية، يرى الاقتصادي الإسباني أن موقع المغرب في الحسابات الدولية، ولا سيما في الاستراتيجية الأميركية، أصبح أكثر أهمية مما كان عليه في الماضي.
وهنا تبرز المفارقة: بينما تتشبث إسبانيا بالوضع القائم في سبتة ومليلية، تتغير البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالمدينتين بسرعة كبيرة.
سبتة ومليلية.. الجغرافيا التي لا يمكن تجاهلها
بالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر بمجرد خلاف حدودي عابر، وإنما بملف يرتبط بالتاريخ والجغرافيا والسيادة.
فالمدينتان توجدان على الساحل المغربي، وتشكلان حالة جغرافية استثنائية تتمثل في وجود مدينتين تابعتين لإسبانيا فوق التراب الإفريقي وعلى تماس مباشر مع المغرب.
ورغم أن مدريد تتعامل رسمياً مع سبتة ومليلية باعتبارهما جزءاً من إسبانيا، فإن الرباط لم تتخلَّ عن موقفها التاريخي بشأن المدينتين.
وبالتالي، فإن استمرار الوضع الحالي لا يعني بالضرورة أن الملف أُغلق، بل يعني أن الخلاف حول السيادة ما زال قائماً، وإن اختلفت طرق التعامل معه من مرحلة إلى أخرى.
السؤال الذي قلب النقاش
الأكثر إثارة في تصريحات نينيو بيثيرا أنه لم يتحدث فقط عن إمكانية تغيير الوضع مستقبلاً، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما طرح احتمال أن تصل إسبانيا إلى مرحلة يصبح فيها استمرار وجودها في سبتة ومليلية غير مرتبط بإرادتها وحدها.
وهذه الفكرة تحديداً هي التي أعطت تصريحاته أبعاداً سياسية وجيوسياسية أكبر من مجرد تحليل اقتصادي.
فإذا كانت مدريد ترى أن الوضع الحالي نهائي، فإن الاقتصادي الإسباني يلفت الانتباه إلى حقيقة مختلفة: التاريخ لا يضمن بقاء الترتيبات السياسية والجيوسياسية ثابتة إلى الأبد.
وما يبدو مستحيلاً في مرحلة معينة قد يتحول، مع تغير الظروف الدولية، إلى موضوع قابل للنقاش.
المغرب يعزز موقعه.. والملف يعود من النافذة
خلال السنوات الأخيرة، تمكن المغرب من بناء شبكة واسعة من العلاقات والشراكات الاستراتيجية، وأصبح رقماً مهماً في معادلات الأمن والطاقة والاستثمار والهجرة والتعاون مع أوروبا والولايات المتحدة وإفريقيا.
كما أن الموقع الجغرافي للمملكة جعلها طرفاً لا يمكن تجاوزه في الملفات المرتبطة بغرب المتوسط والمحيط الأطلسي.
ومن هنا، فإن أي نقاش حول مستقبل سبتة ومليلية لا يمكن فصله عن التحولات التي يعرفها المغرب وموقعه المتنامي داخل النظام الإقليمي والدولي.
المغرب لم يعد ذلك الجار الذي يمكن اختزال حضوره في الحدود والهجرة والتجارة فقط؛ بل أصبح شريكاً استراتيجياً تتقاطع حوله مصالح دولية كبرى.
لا قرار إسبانياً.. ولكن السؤال أصبح مطروحاً
وبطبيعة الحال، فإن تصريحات نينيو بيثيرا لا تعني وجود قرار إسباني بالانسحاب من سبتة ومليلية، ولا تعني أن مدريد دخلت في مفاوضات رسمية بشأن مستقبل المدينتين.
إنها، في النهاية، قراءة شخصية وتوقع سياسي ـ اقتصادي من شخصية إسبانية، وهو ما يجب التمييز بينه وبين الموقف الرسمي للدولة الإسبانية.
لكن قيمة التصريح تكمن في مكان آخر: أنه فتح نافذة على سؤال ظل لعقود يُطرح أساساً من الجانب المغربي.
فماذا لو أصبح السؤال مستقبلاً داخل إسبانيا نفسها؟
ماذا لو لم يعد النقاش يدور فقط حول كيفية الحفاظ على الوضع القائم، وإنما حول إمكانية استمرار هذا الوضع في عالم تتغير فيه موازين القوة والتحالفات؟
المغرب لا ينسى ملف المدينتين
بالنسبة إلى الرباط، لا يبدو أن مرور الزمن كافٍ لإسقاط قضية سبتة ومليلية من أجندة المطالب الوطنية.
فالملفات المرتبطة بالسيادة لا تُقاس فقط بعدد السنوات التي مرت، وإنما بمدى استمرار الموقف السياسي والتاريخي تجاهها.
والمغرب، الذي خاض خلال العقود الماضية معارك دبلوماسية وسياسية حول قضايا السيادة والوحدة الترابية، يعرف جيداً أن التحولات الكبرى لا تحدث دائماً بضربة واحدة، وإنما تبدأ أحياناً بتغير الخطاب والأسئلة المطروحة.
وربما تكون تصريحات الاقتصادي الإسباني واحدة من تلك الإشارات التي تستحق القراءة بهدوء، بعيداً عن المبالغة، ولكن أيضاً بعيداً عن تجاهلها.
الخاتمة: السؤال الذي قد يفرض نفسه على المستقبل
قد يكون ما قاله سانتياغو نينيو بيثيرا مجرد توقع شخصي، وقد يثبت المستقبل عكسه، لكن أهمية كلامه تكمن في أنه أعاد صياغة السؤال بطريقة غير مسبوقة.
فالمغرب لم يغيّر موقفه من سبتة ومليلية، لكن العالم من حولهما تغيّر.
تغيرت موازين القوى، وتغير موقع المغرب، وتغيرت طبيعة العلاقات بين الرباط ومدريد، كما تغيرت الحسابات الاستراتيجية في المتوسط وإفريقيا والأطلسي.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد فقط: هل سيطالب المغرب يوماً بسبتة ومليلية؟
بل أصبح من المشروع أن يُطرح سؤال آخر:
هل تستطيع إسبانيا أن تضمن بقاء الوضع الحالي إلى الأبد؟
قد لا يكون الجواب قريباً، وقد لا تكون التحولات غداً، لكن التاريخ يؤكد أن الجغرافيا لا تتغير بسهولة، والسيادة لا تُمحى بمرور الزمن، وموازين القوى لا تتوقف عن الحركة.
وربما تكون المفارقة الأكبر أن السؤال الذي كان يُطرح من الرباط لعقود، بدأ هذه المرة يُطرح من داخل إسبانيا نفسها: ليس متى سيصل المغرب إلى سبتة ومليلية… بل متى قد تضطر إسبانيا إلى إعادة التفكير في وجودها فوق أرض مغربية؟
الوطن24/ لأن بعض الملفات لا تنتهي بالصمت… وبعض الأسئلة يبدأ تأثيرها قبل أن تأتي الإجابة.
