المغـرب: مدارس رائدة أم دواوير رائدة

الوطن 24/ د. مارية جوهري
انطلاقا من أهمية وأولوية التعليم كحق أساسي من حقوق الانسان، استنادا الى الدستور ( الفصل 31) الذي أكد على سهر الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة الجميع على قدم المساواة، من الحق في الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة. كما نص القانونالإطار في المادة في المادة 4 على ضرورة التقيد بمبادئ المساواة الإنصاف وتكافؤ الفرص وضمان الحق في الولوج الى تعليم ذي جودة للجميع، دون تمييز، مع إيلاء أهمية خاصة للفئات في وضعية صعبة.

في هذا السياق يمكن أن نسائل الوزارة القائمة على التربية والتعليم، عن مدى ملاءمة وانسجام مشروع مدرسة الريادة مع مضامين القانون الاطار رقم 51.17؟ هل نجحت مدرسة الريادة كمشروع جديد في تحقيق هدف التعليم للجميع بنفس مواصفاتالجودة والنجاعة؟ والحال أن هناك تعليم متفاوت في أبعاد متعدد: تفاوت صارخ بين التعليم في الوسطين الحضري والقروي، وتفاوت في التعليم بين الجنسين لا سيما في القرى والمناطق الجبلية، تفاوت في الأداء بين التلاميذ في المدراس العادية ومدارس الريادةبناء على اختلاف العدة البداغوجية، بالرغم أن خارطة الطريق 2022- 2026 لوزارة التربية الوطنية جاءت تحت عنوان “من أجل مدرسة عمومية ذات جودة للجميع”
فهل ترجم البرنامج العملي، مبادئ القانون اللإطار، في تعميم الجودة على جميع المدارس المغربية وبنفس المواصفات لتملك التلميذ من الكفايات المعرفية والعلمية والابداعية؟ وما مصير التلاميذ في وضعية صعبة وهشة؟ وهل تم تطبيق مشروع الريادة في مدارس القطاع الخاص؟ ولما لا؟ والى أي حد تستجيب مدرسة الريادة الى مضمون المادة 20 من قانون الاطار التي تنص على تخويل التمدرس بالوسط القروي والوسط شبه الحضري والمناطق ذات الخصاص تمييزا إيجابيا، كما تنص على تعميم تمدرس الفتيات في البوادي من خلال وضع برامج محلية خاصة بذلك.

ولما صرح الوزير أن ” الأساتذة المكفسين” أو الأقل تجربة يوجدون في الدواوير، حيث يشتغل خمسة أو ستة أساتذة مع 46 تلميذ، فهل تضمن مشروع ” مدرسة الريادة” أي إجراءات لفائدة التعليم القروي في إطار التمييز الإيجابي للتمدرس القروي؟ وهل فعلا تم تقريب المدرسة من الدوار أم أن الوزارة تتجه الى تقريب الدوار إلى المدرسة، في إطار بناء دواوير رائدة بدل مدارس رائدة!!!
وهل من عدة بيداغوجية تحترم الخصوصيات الجهوية والمحليةللتعليم القروي؟ إن واقع الحال يؤكد أن الاكتظاظ هو سيد الموقفوالأطر التربوية تشتغل في ظروف جد صعبة وبدون حوافز، مع العلم أن خريطة الطريق 2022-2026 تتضمن في التزامها السابع توفير ظروف عمل ملائمة تستجيب لاحتياجات الأستاذات والأساتذة وتعزز تأثيرهم الإيجابي على التلميذ.
ومن جانب أخر، ووفقا للمادة 22 من قانون الاطار51.17، وفي إطار تعميم التمدرس، الوزارة ملزمة بتأهيل جميع المؤسسات التعليمية الموجودة في غضون ثلاث سنوات، بعد نشر قانون الإطار وتمكينها من الأدوات اللازمة للقيام بمهامها، من بنيات تحتية ووسائل تعليمية، وتأهيل للمدرسين، وتوفير التكنولوجيات الحديثة وغيرها من المستلزمات الضرورية. لكن واقع الحال أن هناك مدارس نائية لا تتوفر على الربط الكهربائي ولا على البينات التحتية ( كهرباء – طرق ومواصلات –انترنيت ..) فكيف لها أن تنصف في إطار تعليم الريادة وهي محرومة حتى من تعليمبدون ريادة.
ألا يعلم وزير التربية الوطنية، أن توقف التعليم في بعض صفوف المدارس يهدد بتوقف المسار الدراسي لما يزيد عن ربع مليون تلميذ مغربي، ومن بين أهم أسباب هذا الهدر المدرسي وبالأخص عند الفتيات، بعد المدارس عن المقرات السكنية. فهل أصبح البحث عن المدارس البعيدة وتكبد بعد المسافات معيار لمدرسة الريادة، بدل بناء مدارس قريبة وتقليص الفوارق المجالية في ذلك لضمان تعليم موحد ومنصف للجميع ؟

وكيف لوزير التربية الوطنية أن يقر بالتمييز الصريح بين مدرسة الريادة والمدرسة العادية ” لا ريادة”؟ ألا يعد هذا تمييز بين المؤسسات العمومية والعاملين بها، ويضرب في العمق فلسفة الإصلاح التي تدعو الى المساواة والانصاف والتمييز الإيجابي للمدرسة القروية. فكيف للأسر أن تعلم بكفاءة المدارس العمومية والعاملين فيها، حتى تتمكن من اختيار أجودها، اللهم إذا كان المقصود، هو الاختيار من بين المدارس الخاصة؟ وهذا في حد ذاته ضرب لمبادئ المساواة والانصاف وتكافؤ الفرص بين الجميع.
من كل هذا، وبعد 70 سنة من الإصلاحات التي تعاقبت على المدرسة العمومية،( تعريب- توحيد- مغربة – تعميم- الزامية –مدرسة النجاح – مدرسة الانصاف وتكافئ الفرص – مشروع المؤسسة المندمج – مدرسة الريادة ) ما زالنا نتخبط في مشاريع تعليمية، ما زالت تكرس لا مساواة ولا تكافؤ- بين مدرستين حضرية وقروية ورائدة وعادية– لا نعرف متى تنتهي ومتى سيتحقق من خلالها الإصلاح الحقيقي.
