المغرب ولحوم الاستيراد المدعَّمة: حين تصبح صحة المواطنين رهينة الصمت الرسمي.

في لحظة دقيقة من تاريخ الأمن الغذائي بالمغرب، عاد ملف استيراد اللحوم ليطرح نفسه بقوة، ليس فقط كخيار اقتصادي لاحتواء ارتفاع الأسعار، بل كقضية سيادية تمس بشكل مباشر صحة المواطنين وحقهم في المعلومة. فحين تقرر دولة فتح أسواقها أمام لحوم مستوردة، وتدعمها من المال العام، فإنها لا تدير مجرد عملية تجارية، بل تتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية كاملة تجاه المجتمع.

المغرب، الذي لم يكن إلى وقت قريب من كبار مستوردي اللحوم، وجد نفسه خلال السنوات الأخيرة مضطرًا إلى اللجوء للأسواق الخارجية، بفعل تراجع القطيع الوطني، وتوالي سنوات الجفاف، واختلالات عميقة في السياسات الفلاحية التي عجزت عن ضمان حدٍّ أدنى من الاكتفاء الذاتي. هذا التحول السريع من الإنتاج المحلي إلى الاستيراد الواسع تم في سياق استعجالي، ورافقته إجراءات دعم وإعفاءات جمركية قُدِّمت للرأي العام باعتبارها آلية لحماية القدرة الشرائية.

غير أن الإشكال لا يكمن في مبدأ الاستيراد في حد ذاته، بل في شروطه، ومصادره، ومستوى الشفافية المصاحب له. فاختيار المغرب العودة إلى استيراد اللحوم من دول سبق أن عرفت قطاعاتها الغذائية فضائح موثقة، يفرض منطقًا آخر في التدبير، يقوم على اليقظة القصوى والتواصل الواضح، لا على الصمت والاكتفاء بالبلاغات العامة.

حين تعترف دولة مصدِّرة، عبر مساطر قضائية، بوجود خروقات بنيوية في منظومة مراقبة اللحوم، فإن كل دولة مستوردة تصبح معنية مباشرة بإعادة طرح سؤال الضمانات. ماذا تغيّر فعليًا؟ ما هي الشروط الجديدة المفروضة؟ كيف تتم المراقبة من بلد المنشأ إلى الموانئ المغربية، ثم إلى الأسواق؟ وأين هي المعطيات العمومية التي تسمح للمواطن بتتبع هذا المسار؟

في المغرب، لا تزال هذه الأسئلة بلا أجوبة واضحة. فلا تقارير مفصلة منشورة، ولا نتائج تحاليل مخبرية متاحة للرأي العام، ولا معطيات دقيقة حول كيفية توزيع الدعم، ولا عن هوامش الربح التي تحققها شبكات الاستيراد والتسويق. هذا الغموض لا يمكن فصله عن نقاش أوسع حول الحكامة، لأن الدعم العمومي يفترض بالمقابل محاسبة مضاعفة، وشفافية كاملة.

وفي هذا السياق، يبرز خطر حقيقي يداهم صحة المغاربة ويهدد سلامة وأمن الشعب، بسبب فقدان الثقة، وانعدام الشفافية المطلوبة، وغياب النزاهة عبر كامل سلسلة توافر اللحوم في الأسواق. فقد تمدد نفوذ “الفراقشية” ليشمل مختلف مناحي التوريد، وأصبحت اللحوم خارج المراقبة الفعّالة، خاضعة لمنطق الشناقة والتلاعب في تكاليف الدعم، ومنتوج الاستيراد، ومسالك العرض والطلب. ويعيش المغرب اليوم أزمة حقيقية تتناسل تداعياتها منذ أول مظاهر التراخي في التعاطي مع شبكات التلاعب بقطيع عيد الأضحى، نتيجة شبكة الأمان التي يتمتع بها الشناقة، والغطاء الحكومي، والحماية القانونية التي تشجعهم على الاستمرار في جشع غير قابل للاحتواء أو المحاسبة.

إن استحضار هذه المعطيات لا يدخل في باب التشهير أو المزايدة، بل في صلب المساءلة المشروعة لنموذج تدبير اختار الاستعجال بدل الشفافية، ووفرة العرض بدل طمأنة المستهلك. فالأمن الغذائي لا يُقاس بعدد السفن التي ترسو في الموانئ، بل بمدى يقظة الدولة وهي تضع صحة مواطنيها فوق كل اعتبار.

وحين تعترف دولة مُصدِّرة بالخروقات، ويختار بلد مستورد إدارة الملف بالصمت، يصبح الصمت موقفًا سياسيًا في حد ذاته. موقف يطرح سؤالًا بسيطًا لكنه ثقيل الدلالة:
من يحمي المواطن المغربي حين يُدار غذاؤه بمنطق البلاغ… لا بمنطق المحاسبة؟