المغـرب: لقجع وزوجته هدى لمغاري في واجهة الانتخابات.. بين استقلالية المرأة وأسئلة تكافؤ الفرص

الوطن24 – الرباط
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية في المغرب، تتسارع التحركات داخل الأحزاب السياسية لحسم لوائح المرشحين، في وقت بدأت فيه بعض الأسماء تستقطب اهتماماً خاصاً، ليس فقط بسبب حضورها السياسي، وإنما أيضاً بسبب طبيعة الأدوار التي قد تجمع شخصيات سياسية من داخل الأسرة نفسها.
وفي هذا السياق، برز اسم هدى لمغاري المبرض، التي اختارها حزب الأصالة والمعاصرة وكيلة للائحة الجهوية للنساء بجهة الشرق، استعداداً للانتخابات التشريعية المقبلة، في خطوة أعادت إلى الواجهة النقاش حول حضور المرأة داخل المشهد السياسي المغربي.
وفي المقابل، عاد اسم زوجها فوزي لقجع إلى واجهة النقاش الانتخابي، في ظل تداول معطيات بشأن قراره عدم الترشح، بالتزامن مع خوض زوجته تجربتها السياسية، وهو ما فتح الباب أمام قراءات وتساؤلات مختلفة حول طبيعة هذا الاختيار.
عندما تدخل المرأة إلى الواجهة السياسية
بعيداً عن الجدل الذي رافق اسم هدى لمغاري على منصات التواصل الاجتماعي، فإن ترشيحها يفتح نقاشاً أوسع حول حضور المرأة المغربية في الحياة السياسية، ومدى قدرتها على الانتقال من مجرد الحضور داخل اللوائح إلى ممارسة فعلية للسياسة وصناعة القرار.
فالمشاركة النسائية لا ينبغي أن تختزل في عدد المقاعد أو ترتيب الأسماء، وإنما في قدرة النساء على امتلاك خطاب سياسي خاص، والترافع عن قضايا المواطنين، والمساهمة في التشريع ومراقبة السياسات العمومية.
ومن هذه الزاوية، فإن خوض هدى لمغاري تجربتها الانتخابية يشكل مناسبة للحكم على أدائها ومسارها السياسي والتنظيمي، بعيداً عن اختزال تجربتها في صفتها العائلية.
اسم الزوج لا ينبغي أن يختصر تجربة الزوجة
أحد التحديات التي تواجه الشخصيات النسائية المرتبطة بأسماء سياسية معروفة هو أن يتحول اسم الزوج أو العائلة إلى العنوان الأول لتجربتها.
وهنا سيكون الاختبار أمام هدى لمغاري واضحاً: هل ستتمكن من بناء حضور سياسي خاص بها، يقوم على مواقفها وقدرتها على التواصل والترافع وتمثيل الناخبين؟
فالمرأة التي تدخل المجال السياسي تستحق أن تُقيّم على أساس أدائها السياسي، كما يُقيّم الرجل على أساس أدائه.
وفي نهاية المطاف، فإن قيمة أي تجربة سياسية لا ينبغي أن تُقاس باسم العائلة، وإنما بما يقدمه صاحبها أو صاحبتها من أداء ومواقف وقدرة على تحمل المسؤولية.
«باك صاحبي».. سؤال مشروع وليس حكماً مسبقاً
لم يغب عن النقاش العمومي المغربي التعبير الشعبي المعروف بـ«باك صاحبي»، الذي يُستخدم عادة للتعبير عن التخوف من المحسوبية والزبونية وعدم تكافؤ الفرص.
لكن الصحافة المهنية مطالبة هنا بقدر كبير من الدقة.
فكون هدى لمغاري زوجة لفوزي لقجع لا يثبت في حد ذاته أن ترشيحها جاء نتيجة لهذه العلاقة، كما أن طرح أسئلة حول معايير الاختيار لا يعني اتهامها أو اتهام الحزب بالمحسوبية.
السؤال الصحفي المشروع هو: ما هي المعايير التي اعتمدها الحزب في اختيار المرشحات؟ وهل جرى تقييم الملفات على أساس الكفاءة والتجربة والحضور التنظيمي والميداني؟
وهي أسئلة طبيعية في أي تجربة ديمقراطية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بترشيحات تستقطب اهتمام الرأي العام.
وتفيد المعطيات المتداولة بأن اختيار هدى لمغاري جاء في إطار مسار حزبي يرتبط بالكفاءة والتجربة السياسية والتنظيمية والحضور الميداني والقدرة على الترافع والتواصل.
لكن الحسم في قيمة هذه التجربة سيظل مرتبطاً بما ستفرزه الممارسة السياسية والانتخابية لاحقاً.
المرأة ليست مجرد رقم انتخابي
المغرب قطع خطوات مهمة في تعزيز حضور النساء داخل المؤسسات المنتخبة، غير أن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذا الحضور إلى تأثير سياسي فعلي.
فالمرأة ليست مجرد رقم لاستكمال لائحة انتخابية، وليست واجهة لتقديم صورة معينة عن الحزب، وإنما شريك كامل في صناعة القرار.
ولهذا، فإن قيمة أي ترشيح نسائي لا تقاس فقط بمدى قدرة المرشحة على الوصول إلى البرلمان، وإنما أيضاً بما يمكن أن تقدمه بعد ذلك من مبادرات ومواقف وترافع عن قضايا المواطنين.
والإعلام أيضاً يحتاج إلى حضور نسائي حقيقي
ولا ينتهي هذا النقاش عند حدود السياسة.
فالمجال الإعلامي بدوره يحتاج إلى تمثيل أكثر توازناً للنساء، سواء في مواقع المسؤولية أو في النقاشات المتعلقة بمستقبل الصحافة والإعلام.
فالصحافيات والمهنيات في القطاع لسن مجرد متلقيات للقرارات، وإنما شريكات في المهنة، ومن حقهن أن يكون لهن حضور في النقاشات والتشاورات التي تهم مستقبل الإعلام.
وإذا كان المغرب يطمح إلى إعلام قوي ومتعدد ومهني، فإن إشراك مختلف الأصوات، نساء ورجالاً، يبقى جزءاً من شروط بناء نقاش عمومي أكثر توازناً.
الاختبار الحقيقي يبدأ من الممارسة
قد يكون ترشيح هدى لمغاري مناسبة لإعادة طرح سؤال حضور المرأة في السياسة المغربية، لكن الحكم على التجربة ينبغي أن يكون من خلال الممارسة.
فالمطلوب ليس فقط أن تتقدم المرأة إلى مقدمة اللائحة، وإنما أن تحصل على فرصة حقيقية لبناء حضورها السياسي والتعبير عن مواقفها والدفاع عن قضايا المواطنين.
كما أن المطلوب من الأحزاب السياسية هو أن تجعل الاستحقاق والكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية معايير أساسية في اختيار مرشحيها ومرشحاتها.
بين الأسرة والسياسة.. أين ينتهي الخاص ويبدأ العام؟
وجود زوجين داخل المشهد السياسي نفسه ليس، في حد ذاته، سبباً لإصدار حكم إيجابي أو سلبي.
لكل واحد منهما حقه في المشاركة السياسية، ولكل منهما مساره ومسؤوليته.
لكن عندما يتعلق الأمر بشخصيات عامة، يصبح من الطبيعي أن يطرح الرأي العام أسئلة حول طبيعة الأدوار، ومعايير الاختيار، ومدى استقلالية القرار السياسي لكل طرف.
وهنا يجب أن تبقى الصحافة في موقعها الصحيح: طرح الأسئلة، والتحقق من الوقائع، ومساءلة المؤسسات، من دون تحويل التكهنات إلى حقائق.
الإنصاف السياسي.. من الشعار إلى الممارسة
في نهاية المطاف، قد تكون تجربة هدى لمغاري فرصة لإعادة النقاش حول موقع المرأة في السياسة المغربية، كما قد تكون مناسبة لإعادة التفكير في الطريقة التي تتعامل بها الأحزاب مع حضور النساء داخل هياكلها ولوائحها.
أما قرار فوزي لقجع بشأن مشاركته الانتخابية، فإن النقاش حوله لا ينبغي أن يحجب السؤال الأهم: هل يمكن أن تتحول المشاركة السياسية للمرأة من حضور انتخابي إلى حضور مؤثر ومستقل داخل المؤسسات؟
هذا هو الاختبار الحقيقي.
فالإنصاف السياسي لا يعني أن يتراجع الرجل دائماً حتى تتقدم المرأة، ولا يعني أن تحصل المرأة على موقع لمجرد كونها امرأة؛ وإنما يعني أن تكون قواعد المنافسة واضحة، والفرص متاحة، وأن يتم تقييم كل شخص على أساس الكفاءة والأداء والمسؤولية.
وفي النهاية، يبقى الناخب المغربي هو صاحب الكلمة الفصل، لأن صناديق الاقتراع هي التي تمنح الثقة لمن ينجح في إقناع المواطنين بقدرته على تمثيلهم.
