المغـرب: مشاريع بمليارات الدراهم في جهة بني ملال خنيفرة وسط اتهامات بتهميش إقليم خريبكة.

صادق مجلس جهة بني ملال خنيفرة، خلال دورة استثنائية عقدت يوم 17 يوليوز 2025 بمقر المجلس في مدينة بني ملال، على مجموعة من المشاريع الحيوية والاستراتيجية في مجالات الماء، البيئة، والبنيات التحتية، بميزانيات ضخمة تتجاوز عشرة مليارات درهم وتمتد إلى أفق 2034، في إطار رؤية تنموية متكاملة. غير أن هذه المصادقة أثارت في المقابل جدلاً واسعاً حول ما وصفته فعاليات مدنية وسياسية بـ”اللاعدالة المجالية”، خاصة تجاه إقليم خريبكة، الذي يصفه كثيرون بـ”عاصمة الفوسفاط والتهميش”.

أولى الاتفاقيات التي صادق عليها المجلس تتعلق بتنفيذ مشاريع مائية بقيمة إجمالية تبلغ 8.563 مليار درهم، بمساهمة من مجلس الجهة تصل إلى 979 مليون درهم، وذلك في إطار الشراكة مع وزارة الداخلية، ووزارة التجهيز والماء، ووزارة المالية، وولاية الجهة، والشركة الجهوية متعددة الخدمات. وتهدف هذه المشاريع إلى بناء سدود، وتوسيع شبكات التطهير السائل، وتوفير الماء الصالح للشرب في مختلف مناطق الجهة، تنفيذاً للاستراتيجية الوطنية للماء (2022–2027).

أما الاتفاقية الثانية، فقد خصصت لتدبير النفايات، بميزانية إجمالية قدرها 1.007 مليار درهم، وتستهدف إنشاء مراكز لتثمين النفايات المنزلية، وإغلاق المطاريح العشوائية، والحد من التدهور البيئي، عبر شراكة بين القطاعات الحكومية ومجلس الجهة.

الاتفاقية الثالثة تم توقيعها مع المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) بقيمة 40 مليون درهم، وتهدف إلى دعم مشاريع تنموية محلية تستثمر ما تبقى من اتفاقيات سابقة وتفتح آفاقًا جديدة للشراكات التنموية المستدامة.

وفي سياق موازٍ، سبق لمجلس الجهة أن صادق على اتفاقية كبرى لبناء المسرح الجهوي الكبير، والمعهد الجهوي للموسيقى والكوريغرافيا، والمسبح الأولمبي، والقاعة المغطاة بمدينة بني ملال، بكلفة إجمالية بلغت 187 مليون درهم، دون أن يشمل هذا البرنامج أياً من الأقاليم الأخرى التابعة للجهة، وخاصة إقليم خريبكة، ما اعتبره الكثيرون “استفراداً” بمدينة واحدة بالمشاريع التنموية، وتهميشاً ممنهجاً لباقي المناطق.

رغم أنها تحتضن أكبر مناجم الفوسفاط في إفريقيا وتُعتبر خزاناً استراتيجياً للاقتصاد الوطني، إلا أن إقليم خريبكة يعاني من غياب المشاريع الكبرى، سواء في مجال البنيات الصحية، أو الجامعية، أو الرياضية. فلا مطار، ولا مستشفى جامعي، ولا كليات للطب أو الهندسة أو التجارة، ولا حتى بنية جامعية متكاملة تستجيب لحاجيات الطلبة. وتبقى الكلية المتعددة التخصصات بخريبكة محدودة التخصصات، وتفتقر حتى إلى شعبة القانون العربي، ما يجعلها نموذجاً حياً للتفاوتات المجالية الصارخة داخل الجهة.

المشاكل لا تقتصر على المدن فحسب. ففي المناطق الجبلية، كشفت احتجاجات ساكنة جماعة “آيت بوكماز” عن عمق معاناة القرى المهمشة، حيث قطع المواطنون أكثر من 70 كيلومتراً سيراً على الأقدام في مسيرة احتجاجية صوب مقر عمالة الإقليم، مطالبين بتوفير طبيب، وصبيب إنترنت، وطريق معبدة، في أبسط تعبير عن غياب التنمية وفشل من انتُخبوا لتدبير الشأن المحلي.

وفي الوقت الذي تتجه فيه باقي الجهات الكبرى نحو احتضان تظاهرات عالمية مثل كأس العالم 2030، بفضل استثمارات ضخمة شملت مطارات، موانئ، ملاعب، خطوط قطارات فائقة السرعة، ومنشآت طبية ورياضية حديثة، تبقى جهة بني ملال خنيفرة حبيسة مؤشرات مقلقة للفقر، والهشاشة، والأمية، وغياب العدالة المجالية.

ويبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: هل تملك جهة بني ملال خنيفرة الإرادة والجرأة لتغيير استراتيجياتها التنموية، وتوزيع المشاريع بشكل عادل يضمن النهوض الشامل بكل أقاليمها؟ أم أن الفوارق ستتسع أكثر، وتتحول إلى مصدر احتقان اجتماعي صامت؟

المواطنون ينتظرون الإجابة… والمسؤولية الآن في ملعب صناع القرار.