المغـرب: 700 مليار سنتيم تحت المجهر… هل تكشف اختلالات دعم الجمعيات سرّ الرتبة 91 في مؤشر الفساد؟

الوطن24/ خاص
في وقت يراهن فيه المغرب على ترسيخ أسس الدولة الاجتماعية ويعبّئ مليارات الدراهم لتمويل أوراش كبرى، من تعميم الحماية الاجتماعية إلى إصلاح المنظومة الصحية ودعم الفئات الهشة، يكشف تقرير رسمي صادر عن المجلس الأعلى للحسابات عن معطيات مثيرة للقلق تتعلق بتدبير الدعم العمومي. سبعة مليارات درهم، أي ما يعادل 700 مليار سنتيم، صُرفت خلال سنتين فقط لفائدة جمعيات ومؤسسات للأعمال الاجتماعية، وسط ملاحظات ثقيلة بشأن الحكامة والشفافية وقياس الأثر.
الأرقام ضخمة، لكن ما يثير الجدل أكثر هو طبيعة الاختلالات المسجلة. فقد رصد التقرير غياب إطار قانوني موحد يؤطر عمل عدد من مؤسسات الأعمال الاجتماعية، التي استحوذت على ما يقارب 3.5 مليارات درهم. فكيف يمكن تبرير هذا الحجم من الإنفاق في ظل غموض تنظيمي يحد من وضوح المسؤوليات وآليات المراقبة؟
كما أشار التقرير إلى أن أزيد من مليار ونصف درهم وُجّهت إلى جمعيات لا تستجيب بشكل كامل لمعايير الحكامة الجيدة، سواء من حيث الشفافية المالية أو تقديم التقارير أو تقييم النتائج. وهنا يبرز سؤال جوهري: على أي أساس يتم انتقاء الجمعيات المستفيدة؟ وهل تخضع العملية لمعايير دقيقة وقابلة للتتبع، أم أن اعتبارات غير معلنة تلعب دورها في توجيه الدعم؟
وفي السياق ذاته، يطرح واقع تدبير الدعم العمومي على المستوى الترابي إشكاليات أكثر حساسية. فكثير من المنح الموجهة للجمعيات تخضع، في حالات متعددة، لمزاجية بعض رؤساء الجماعات الترابية، وتتحكم فيها أحياناً الروابط الأسرية والولاءات الحزبية، في مقابل إقصاء جمعيات جادة وفاعلة تشتغل وفق برامج واضحة وقابلة للتقييم. وفي ظل ضعف الحكامة وآليات المساءلة، يستمر الهدر المالي وتدور حلقة الفشل بشكل شبه مزمن، بعيداً عن إرساء معايير شفافة لتوجيه الدعم وفق مقاربة قائمة على المردودية وتحقيق الأهداف. إن الحاجة اليوم ملحّة إلى القطع مع كل أشكال المحاباة، وإخضاع لوائح المستفيدين ومعايير الانتقاء لتمحيص دقيق يكشف الأسس التي بُني عليها منح الدعم، ويفكك شبكة التقاطعات المصلحية التي قد تُفرغ الدعم من روحه القانونية، وتحوله من أداة للتنمية إلى وسيلة لخدمة حسابات ضيقة أو أجندات انتخابية.
وتوقف التقرير أيضاً عند تركّز 67 في المائة من مجموع الدعم في قطاعات محددة، دون مؤشرات دقيقة تقيس الأثر الفعلي على الفئات المستهدفة، خاصة في العالم القروي والمناطق الهشة. فكيف يمكن الحديث عن نجاعة الإنفاق العمومي في غياب تقييم مستقل يربط التمويل بالنتائج الملموسة على أرض الواقع؟
هذه المعطيات تعيد طرح سؤال محرج في السياق الدولي: هل يمكن فصل هذه الاختلالات عن استمرار تموقع المغرب في الرتبة 91 عالمياً في مؤشر إدراك الفساد؟ صحيح أن المؤشر يعتمد على معايير متعددة، لكن ضعف الشفافية في تدبير المال العام يظل عاملاً مؤثراً في صورة الدول لدى المستثمرين والمؤسسات الدولية.
وتزداد حدة هذه التساؤلات في ظرفية اقتصادية دقيقة، تتسم بضغط متزايد على المالية العمومية وتحديات تمويل الإصلاحات الاجتماعية الكبرى. فكل درهم يُصرف دون أثر واضح لا يمثل فقط هدراً محتملاً للمال العام، بل يضعف ثقة المواطن في جدوى السياسات العمومية، ويغذي الشعور بوجود فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.
الأسئلة اليوم مشروعة ومباشرة:
هل فُتحت تحقيقات بشأن الاختلالات المسجلة؟
هل تمت إحالة ملفات على الجهات القضائية عند الاقتضاء؟
ما هي الإجراءات التصحيحية العاجلة لضبط منظومة الدعم العمومي؟
وهل سيتم نشر معطيات تفصيلية حول المستفيدين وقيمة الدعم والأهداف المحققة ضماناً للشفافية الكاملة؟
المجلس الأعلى للحسابات قام بدوره الرقابي، لكن الرهان الحقيقي يكمن فيما بعد التقرير. فالدستور المغربي ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، والمغاربة ينتظرون تفعيل هذا المبدأ عملياً، لا الاكتفاء بتسجيل الملاحظات في تقارير سنوية.
المغرب اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية: إما تحويل هذه التقارير إلى نقطة انطلاق لإصلاح عميق يعيد هيكلة منظومة الدعم ويخضعها لمعايير صارمة من الشفافية والتقييم، أو استمرار الجدل حول أرقام بمئات المليارات دون أثر ملموس في حياة المواطن.
فهل تكون 700 مليار سنتيم بداية مرحلة جديدة من الصرامة في تدبير المال العام؟ أم رقماً آخر يُضاف إلى أرشيف الاختلالات دون مساءلة بحجم التحدي؟
